في حوار خاص مع صحيفة (البيان) أكدت الدكتورة حنان عشراوي عضو المجلس التشريعي الفلسطيني ووزيرة التعليم السابق أن مشكلة بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي أنه يريد أن يأكل الكعكة ويحافظ عليها في الوقت نفسه , فهو يسعى لارضاء اليمين المتطرف عن طريق الاحتفاظ بالأرض مع الظهور كصانع للسلام, إلا انه نجح خلال فترة قصيرة نسبيا في ضرب علاقاته مع الدول العربية بشكل قاس وتخريب الاقتصاد وتقويض الليكود من الداخل والدخول في مواجهة مع الولايات المتحدة التي تعامل معها بعنجهية وغطرسة. وقالت انه تلاعب بمعادلة الأرض مقابل السلام التي قامت عليها المسيرة السلمية وظهر للعالم كله وكأنه يريد السلام مقابل السلام والسلام مقابل الأمن, أما الأرض فقد بقي يتعامل معها من منظوره الايديولوجي وذلك كما شرحه في كتبه ومؤلفاته السطحية التي تفتقر للعمق. ووافقت الدكتورة عشراوي على الوصف القائل بأن نتانياهو لايعرف من هو نتانياهو فهو متلون وعدواني ولكن عنده أيديولوجية, وفيما يلي نص الحوار مع عشراوي: هل تعتقدين أن اتفاق واي بلانتيشن كان من أهم أسباب سقوط نتانياهو, والذهاب لانتخابات مبكرة في اسرائيل؟ ــ الاتفاق وتداعياته في أوساط اليمين الاسرائيلي جزء من أسباب سقوط الحكومة الاسرائيلية, ولكنه جزء فقط, السبب الرئيسي للسقوط أن نتانياهو كان غير واقعي وقدم منذ البداية في حملته الانتخابية وبرنامجه السياسي وعودا غير قابلة للتطبيق فاصطدم بالواقع وتكسر على صخرة هذا الواقع, لقد حاول طوال الوقت إرضاء اليمين الاسرائيلي المتطرف ومارس مناورات داخلية معقدة داخل الائتلاف الحاكم وأوقف عملية السلام وأدى لتفكك الليكود من الداخل وتفكك اليمين الاسرائيلي. هناك من يقولون ان اتفاق واي بلانتيشن ينص على انسحاب من الأرض وقد تم ذلك على أرض الواقع وهذا أمر مرفوض من جهة اليمين؟ ــ هذا تبسيط للأمور, نعم لقد وعد نتانياهو اليمين المتطرف أنه لن ينسحب من الأرض وذلك أحد عوامل سقوطه, ولكن لا ننسى أن هناك أطرافا في ائتلافه الحاكم كانت تدعم عملية السلام ومنها حزب (الطريق الثالث) و(حركة شاس) , وهناك عنصر هام وهو أسلوب تعامله مع الولايات المتحدة فقد تعامل مع الادارة الأمريكية بوقاحة وعنجهية وغطرسة, يستطيع أن يفعل ذلك لفترة ولكن هناك معطيات فهو لا يعيش في فراغ. لقد أدى لكل هذه النتائج الكارثية في وقت قصير نسبياً ولم يتمكن من بناء علاقات ودية مع زملائه وقادة حزبه بل تصرف معهم بعنجهية وفردية وشكل عداوات شخصية, قضية واي بلانتيشن تبدو جزءا من هذه الصورة الكاملة ويجب عدم تحميلها أكثر مما تحتمل. فهو يريد أن يظهر كصانع سلام وأن يحافظ على علاقات بلاده مع الولايات المتحدة الأمريكية ومع دول عديدة في العالم, وفي الوقت نفسه لا يريد أن يدفع استحقاقات السلام ويريد أن يفرض إملاءاته على الساحة الفلسطينية. هناك من يقولون إن سبب هذا التلون والانتهازية في مواقف نتانياهو أن هدفه كان طوال الوقت البقاء في السلطة ولهذا قدم التنازلات لكل طرف هدد وجوده في القمة ثم سحب ما قدمه بعد أن هدأت العاصفة فأغضب أطرافاً أخرى, وهكذا؟ ــ نعم, هذا صحيح همه البقاء في السلطة وكان هذا الهدف هو الدافع وراء كل مناوراته. ولهذا السبب يرى ريتشارد ميرفي وهو متخصص في قضايا المنطقة في حديث له أمام مؤتمر معهد سياسات الشرق الأدنى في واشنطن أن نتانياهو نفسه قد لايعرف من هو بنيامين نتانياهو؟ كيف تعلقين على هذا القول؟ ــ هذا وصف هام إذ أنه رجل متلون وعدواني ولكن عنده أيديولوجية, ومن يقرأ كتبه على تفاهتها يكتشف ذلك فهو يريد في الواقع الاحتفاظ بالأرض وعنده التزام متين بذلك وعنده نظرة عنصرية استعلائية, هو متلون تدفعه مصلحته الذاتية ليتصرف ولو على حساب حلفائه إذا اقتضى الأمر, فهو يراضي الشيطان إذا تطلبت مصلحته ذلك. لنعد لموضوع الانتخابات المبكرة في إسرائيل, دكتورة حنان, وهي التي تفرض نفسها علينا جميعا, يقول روني شكيد في صحيفة (هآرتس) ان عرفات لاعب رئيسي في الانتخابات, لكن الموقف الفلسطيني الرسمي يتميز بحذر شديد ويرفض الدخول في أي حديث حول الانتخابات ويراها, على الأقل في الأحاديث العلنية, شأنا داخليا, الا تعتقدين أنه يجب أن يكون لنا دور لأننا معنيون مباشرة بالنتائج فنحن سنتفاوض مع الحكومة المقبلة ونأمل ألا تكون صورة عن حكومة نتانياهو؟ ــ رؤيتي للأمر أنه من الصحيح ألا نتدخل بشكل مباشر وأن تأخذ السلطة الوطنية موقفا حذرا, لديها قيود وهي تزيد من تقييد نفسها وبدون سبب أحياناً, ولكن يجب أن نتدخل بطرح القضايا والموضوعات وهذه مسؤولية مثقفينا ومسؤولية مؤسسات ورموز المجتمع المدني. وماذا تقترحين في هذا المجال, بشكل محدد؟ ــ لابد من العمل على تعزيز معسكر سلام حقيقي ولابد من مخاطبة الرأي العام الاسرائيلي, في هذه الشهور الحاسمة لنوضح له أن انهيار عملية السلام سيدفع ثمنها الاسرائيليون ايضا ونوضح لهم مخاطر عقلية اليمين, انني أصف نتانياهو وأمثاله بأنهم خارج سياق التاريخ. في انتخابات عام 1996م ركز نتانياهو في حملته الانتخابية لإسقاط شمعون بيريز على موضوع القدس الحساس بالنسبة للإسرائيليين واتهم بيريز أنه يريد تقسيم القدس وكسب من تلك الحملة الشعواء, اليوم يريد بيبي في حملة الانتخابات الحالية أن يركز على موضوع آخر, لديه حساسية وهو الرابع من مايو واحتمال إعلان الدولة الفلسطينية, يريد أن يسوق لجمهوره الانتخابي أنه الرجل الذي يستطيع الوقوف في وجه مثل هذا الإعلان؟ ــ العامل الفلسطيني سيكون جزءاً أساسياً من الحملة الانتخابية في إسرائيل وهذا أمر طبيعي, وخاصة حملة نتانياهو القائمة على تخويف الاسرائيليين, بدلاً من بناء الثقة, هو يستخدم الخوف وعقلية القلعة والتحصين, تاريخيا كان عنصر الخوف والتخويف من (الآخر) وعنصر عدم الثقة مبررات يستغلونها للبقاء في السلطة, هم بارعون في صناعة المخاوف وتسويقها وتصديقها, وقد حدث استثناء في هذا المسار لبعض الوقت عندما بدأت عملية السلام في زمن حزب العمل, حيث حدث تقدم اقتصادي وبدء بناء علاقات سلمية مع العرب, ظهر نوع من الأمل في المستقبل في أوساط الشعب الاسرائيلي واتضح لجزء رئيسي منهم أنه يمكن أن يعيشوا كدولة طبيعية في المنطقة, ولكن ولعوامل عديدة سقط حزب العمل وتوقف ذلك المسار: مسار التفاؤل الحذر والمحدود, جاء نتانياهو للسلطة ببرنامج مهمته خلق عنصر الرعب عند الشعب وزعزع كل (البدايات) السابقة, وحاول خلق إجماع على قضية القدس وغيرها من القضايا وأعاد إسرائيل إلى وضع (الخوف) من المستقبل, ولكن هذا الجو يخلق حالة من عدم الاستقرار الداخلي في إسرائيل ويزعزع عملية السلام. ما زال سؤالي قائما, إنه سيحاول استغلال الرابع من مايو المقبل للتخويف, ماذا علينا أن نفعل وقبل فوات الأوان؟ ــ نعم, سيحاول استغلال ذلك وعلينا ألا نشعر بالخوف والارتباك وأن نواجه خطابه ويجب أن نكون واضحين فهذه ليست محرمات, يجب أن نقدم خطابا واضحا وصريحا للرأي العام الاسرائيلي وأنه إذا عاد هذا الحكم وهذا الرجل للسلطة فإنه سيقود لعدم استقرار في اسرائيل ذاتها ولعدم استقرار في المنطقة ولن يدفع عملية السلام للأمام, الدولة الفلسطينية المستقلة حق لنا وهي من أسس الاستقرار والازدهار في المنطقة, إن أكثر من نصف الاسرائيليين باتوا مقتنعين بضرورة قيام الدولة الفلسطينية وباتوا مقتنعين أنها ضرورية من أجل سلام قابل للديمومة, والحوار الصاخب في أوساطهم يدور حول نوع هذه الدولة وحدودها وقوتها, نتانياهو عمل جاهدا من أجل تأجيل موعد الانتخابات, إلى ما بعد الرابع من مايو ولديه من هذا التأجيل أهداف أخرى: يريد أن يكسب الوقت لعله يتمكن من لملمة صفوف اليمين والليكود الذي يتعثر في كل يوم ويتفكك من حوله بسرعة قياسية ويريد مزيداً من الوقت لإعداد برامج يهاجم بها خصومه, القدامى والجدد, حزب العمل وشاحاك وغيرهما. أعود لاتفاق واي بلانتيشن الذي يثير زوابع الخلاف في الساحة الفلسطينية, ما ملاحظاتك على هذا الاتفاق؟ ــ هذا الاتفاق مذكرة وليس اتفاقا, وفي هذه المذكرة انطلقنا تحت تأثير ضغوط أمريكية وبسبب مخاوف ذاتية وربما عدم ثقة في النفس وهذه مقدمات تؤدي لنتائج سلبية, لقد استعجلنا الدخول في عملية جديدة ضمن مفاهيم جديدة لا علاقة لها حتى بالمبادرة الأمريكية نفسها, مذكرة واي عدلت المبادرة الأمريكية بما يمكن من استيعاب العديد من الشروط الاسرائيلية, لقد دخلنا بهذه المعادلة غير المتوازنة إطلاقًا وقبلنا العودة للتفاوض مع أن اسباب توقفنا عن التفاوض مازالت قائمة (الاستيطان) اعدنا فتح الاتفاقيات المقررة والموقعة وقبلنا التفاوض عليها من جديد وقبلنا احداث تعديلات واسعة فيها. اين التعديلات المحددة التي قبل بها المفاوض الفلسطيني في واي بلانتيشن؟ ـ كثيرة جداول تعديل قبولنا بالمحمية الطبيعية وهي ليست واردة في المبادرة. تعديل النسب المئوية لاعادة الانتشار وقد سبق ان اعلنا اننا لن نقبل الدخول في مسألة النسب وتراجعنا عن ذلك. موضوع الاسرى والمعتقلين, الترتيب الزمني قبلنا باجحاف شروطا امنية جديدة واضافية ولا تصدق كل ما يقال خلافا لذلك ثمة شروط امنية مجحفة تؤثر على الوضع الفلسطيني الداخلي بشكل سلبي وخطير. قبلنا اعادة فتح التفاوض على قضايا كان التفاوض حولها منتهيا وكان المطلوب من الجانب الاسرائىلي التنفيذ. مثل ماذا؟ ـ المطار والممر الآمن (فقد كان ممراً ترقوميا والاتفاق حوله جاهز, وهذا لا يجوز ويعود علينا بضرر كبير) . ولكن هناك من يعتقدون ان الثغرة الاكبر في المذكرة او الانفاق هي قبولنا دخول مفاوضات المرحلة النهائية قبل استكمال تنفيذ استحقاقات المرحلة الانتقالية. اذ ندخل ضعفاء وبأوراق محدودة ودون ان نملك الارض الصلبة التي نقف فوقها؟ ـ نعم هذه ثغرة كبيرة, فالمرحلة الانتقالية هي للاعداد بحيث نقوم بانهاء الاحتلال تدريجيا ووقف الاستيطان ثم نتفاوض بعد ذلك على القضايا الرئيسية هذه فلسفة المرحلة الانتقالية اساسا والا فاننا سنتفاوض ونحن تحت الاحتلال. نفاوض حول القضايا الكبرى بعد ان نحقق درجة من توازن القوى وما حصل غير معقول اذ اننا اضعفنا انفسنا بايدينا وندخل مفاوضات مع اسوأ الائتلافات في تاريخ اسرائيل. صحيح ان مفاوضات الحل الدائم قد بدأت ايام شمعون بيريز اواخر مايو 1996 ولكنه كان اجتماعا بروتوكوليا. نتانياهو لديه اجندة ويريد حسم القضايا النهائية من جانب واحد (القدس, الحدود,المستوطنات) يريد حسمها قبل ان يفاوض عليها, وشارون لديه خرائط جاهزة للحل الدائم وكذلك اسحق موردخاي الذي يريد ان يفرض علينا في المرحلة الانتقالية ويعمل بأثر رجعي اذا اردنا القيام بتقييم موضوعي لحقبة نتانياهو نصل لاستنتاج انه قد نفذ ما وعد به وهو تقويض اوسلو, التركة الثقيلة حسب تعبيراته التي ورثها من حكومة حزب العمل. ثمة من يرون ان قضايا الحل النهائي او بعض هذه القضايا تحديدا (كالقدس واللاجئون) لا يستطيع الطرف الفلسطيني وحده ان يفاوض حولها؟ ـ في رأيي ان هذا التحليل صحيح, ليس حول القدس واللاجئين فقط, بل حول الحدود والمياه ايضا, ومن الضروري الاقرار بداية ان العامل الفلسطيني هو الاساس. واقترح ان تكون هناك لقاءات استراتيجية وتنسيق عربي على اعلى المستويات لاتخاذ مواقف موحدة. هل تعتقدين ان مثل هذا الطرح يقلل من اهمية استغلال القرار الوطني الفلسطيني وينقص منه وهل مازالت هناك اوهام حول هذه المخاطر بعد ان امتلكنا الوجود والارض ولم يعد صانع القرار الفلسطيني في الشتات (خائفا من البدائل التي قد تفاوض حول مصير قضية فلسطين, نيابة عنه؟ ـ المبالغة في الحديث عن استقلال القرار الوطني يؤدي لعزل القضية الفلسطينية عن محيطها الطبيعي: محيطها القومي, وفي رأيي ان الحكومة الفلسطينية الحالية غير قادرة على دخول القرن الحادي والعشرين فهي لا تستطيع محاسبة نفسها ولا تستطيع بناء مؤسسات, ما هو مطلوب في هذه القضايا الكبرى التي ستمس مصيرنا لعقود قادمة هو تشكيل لجان استراتيجية لوضع خطة عمل تفاوضية ومواقف موحدة, وفي مفاوضات الحل الدائم يجب ان تكون هناك مشاركة عربية حسب الموضوع. لنبقى في موضوع مفاوضات الحل الدائم. لقد لاحظنا ان احد كبار المعتدلين في اسرائىل (د. يوسى بيلين) توصل مع احد كبار المتشددين في الليكود (ميخائىل ايتان) الى وثيقة تضمنت خطوطهم الحمراء ـ خطوط الاجماع للحزبين الرئىسيين ـ على قضايا المرحلة النهائية. لماذا يتوصل المعتدلون والمتشددون لديهم لمثل هذه الخطوط الحمراء ولا نستطيع في الساحة الفلسطينية ان نصل لتوافق مماثل حول خطوطنا الحمراء في قضايا المرحلة النهائية؟ ـ يجب ان يكون هناك حوار وطني حقيقي حول هذه الامور وغيرها في الساحة الفلسطينية. حوار حقيقي وليس حوار طرشان او حوار لتقسيم الكعكة بين الفصائل. لابد من مساهمة المفكرين والمثقفين ورجالات المجتمع الفاعلين لصنع اجماع وطني جديد حول هذه الامور المصيرية وتوسيع قاعدة المشاركة الى اقصى حد ممكن وألا تبقى الامور وكأنها ارث فئوي. كيف تنظرين لنتائج اجتماع غزة الاخير وماتعليقك على هذه الحملة الغاضبة على ما اسموه تعديل الميثاق وانفراط الجامع الوطني؟ ـ في اجتماع غزة الاخير لم يحدث تعديل للميثاق الوطني فقد حصل هذا التعديل عام 1996 وما حدث في غزة هو الموافقة من الحضور. هل حضرت اجتماع غزة؟ ـ نعم انني لا اؤمن بالمقاطعة وادارة الظهر بل اؤمن بالحضور والمشاركة وقول الرأي والعمل من اجل حصوله على الاغلبية. هل تعتقدين ان رجال الثورة قد نجحوا في بناء الدولة؟ ـ لا رغم انه كان باستطاعتنا الاستعانة بكفاءات كبرى للبناء؟ تقارير منظمات حقوق الانسان تتحدث عن تقدم في مجال احترام هذه الحقوق عام 1998 في مناطق السلطة الوطنية.. هل ترين الامور كذلك كفعلا؟ ـ هناك بعض التقدم ولكن مازالت هناك قيود على حرية الصحافة وحرية التعبير وهناك تدخلات وسوء استخدام للسلطة والمنصب والمال العام وهناك فساد وعدم كفاءة. لماذا لم ينجح المجلس التشريعي في القيام بمساءلة حقيقية ومحاسبة فعلية؟ ـ لان هناك توازنات سياسية ومصالح فئوية. حوار- توفيق أبو بكر