دأب الكثير من الساسة والمفكرين وفلاسفة التاريخ, بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتحالفه العالمي, على تعميم جملة من الافكار ووجهات النظر التي تميل الى ان تاريخاً قد مضى بلا رجعة . وان وحدة كونية قادمة لا محالة, لها رأس واحد دون وجود منافس يذكر في هذه القرية, واعتبار اي حراك سياسي اجتماعي اقتصادي قد يظهر على جنبات هذا الفهم, على المستوى العالمي كائنا من كان وراء هذا الحراك, هو مجرد مقدمة للتلائم والانخراط بهذه القرية الكونية وان المسألة مرتبطة بعامل الزمن لانخراط مثل هكذا قوة ليس الا. وانه اصبح من المستحيل بروز اي قوة كونية اخرى قد تظهر, وان التاريخ قد انتهى الى حقيقة مفادها انه لا وجود للتمايز بعد الآن او الاختلاف, وان السيطرة على مستوى الكون من هذا القطب قد أطبقت الى غير رجعة. متناسين انه في كلا المعسكرين الذين ظهرا في اعقاب الحرب العالمية الثانية بقيادة الولايات المتحدة الامريكية, والاتحاد السوفييتي, قد فرضا ومن ذات الطبيعة الواحدة لكل منهما قوة تنافسه في دوره على صعيد السياسة الدولية. فقد برزت فرنسا من خلال النظام الرأسمالي كقوة نووية تصارع المركز الرأسمالي الجديد ــ واشنطن ــ وبسنوات قلائل بعد انكفائها وخسارتها في حرب السويس ضد النظام الناصري وتأميم قناة السويس في مصر. بالمقابل برزت الصين الشعبية كقوة شيوعية جديدة, وكدولة تمتلك السلاح النووي, لتصارع الاتحاد السوفييتي على الدور الايديولوجي والتمثيل للفكرة الشيوعية المعدلة (الماوية) على المستوى العالمي. ولعل الأمم تسير بأقصى سرعة في تنافسها الكوني على تحقيق حصة مناسبة في السوق العالمية, الامر الذي يعني ان عودة اي امة من هذه الامم الى الانكفاء باتجاه الداخل سيكون كارثة على هذه الامة بلا مراء. خصوصا وان العالم الذي يشارف على نهاية الالفية الثانية للدخول في القرن الثالث الميلادي يعيش حالة من التفكك, ينطوي على البحث عن عالم متعدد الاقطاب, وقد لا نغالي القول ان الصراع يكمن اكثر في ذات الطبيعة الواحدة, وان وقعه اذا ما بدأ, أشد فتكاً من الصراع ذي الطبيعتين المختلفتين. وان الدول الصغيرة المجاورة للمركز ــ امريكا ــ قد بدأت بالتذمر وبدأ يظهر بصور متعددة اقلها الخلافات الحدودية او الصراعات العسكرية الدامية.. وهذا تعبير بحد ذاته عن عدم قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على السلم والامن الدوليين بمفردها. وان ما يسمى بالجنوب غير متجانس اصلا, حتى وان رأى البعض فيه حالة من التشابه في نمط الانتاج والبنى المجتمعية. اذا فالهيمنة ليست قاعدة او قانوناً رياضياً ثابتاً, بل غالبا ما تشكل استثناء قصير الاجل, وبالتالي غير ثابت, لان قاعدة هذا النظام اصلا تقوم على المنافسة. فغالبا ما يحاول العديد من الكتاب والمفكرين ادراج امثلة على هذه الظاهرة الفريدة, التي يعيشها العالم هذه الايام, مردها ان بريطانيا خلال القرن الثامن عشر قد هيمنت على المستوى العالمي على حساب منافستها فرنسا, لكنها لم تفرض سيطرتها على اوروبا ولم تؤكد سلطتها في شؤون القارة الاوروبية. ولهذا السبب سرعان ما ظهرت قوى منافسة لها احداها من داخل اوروبا نفسها تمثلت بألمانيا (بسمارك). ولابد لنا من القول ان الهيمنة الامريكية ما كان لها أن تنجح وترى النور بالطرق التي شهدناها, لولا موافقة اوروبا واليابان منذ البداية من خلال عنوان كبير (معاداة الشيوعية) والحد من تمددها باتجاه العالم الغربي الحر (اي التمدد خارج حدود المنزلق الدفاعي). وقناعة منهما بتعميم النمط الرأسمالي على العالم بأكمله, ظنا منهما انه سيوفر لهما كل ما يسعيان من أجله في مناطق النفوذ دون صراع او تنافس. لكن وبعد انكشاف سياسة الولايات المتحدة المدعمة بالقوتين الاقتصادية والعسكرية والتي لا تخدم الا ما تراه مناسباً لمصلحتها القومية, وكان اولها محاصرة الشركات الاوروبية الكبرى ومنعها من دخول السوق الامريكية بحجة التعامل مع دول الارهاب مثل ليبيا وايران وغيرهما قد دفع اوروبا إلى تبني قضية الوحدة الاوروبية واعتبارها هدفا لابد من تحقيقه, لتجاوز حالة المراوحة في المكان, والخروج من تحت العباءة الامريكية. ادراكا منها ضرورة ان يقدم الاتحاد الاوروبي خياراً اوروبيا, يوازي بدوره وفعاليته الاتجاه الانجلوسكسوني المتطرف ايديولوجيا. وما ظهور العملة الموحدة الاوروبية (اليورو) الا لتأكيد التاريخ الاوروبي المشترك, كخطوة اولى باتجاه بلورة الاتحاد السياسي المنشود, الذي بدوره قد يتخطى مآسي الماضي, والذي سيكون ذا ثقل في لعبة القوى المطروحة بقوة دفع كبيرة في السياسة العالمية, والذي لا يقل عن ثقل الولايات المتحدة والقوى العظمى القادمة مثل الصين اليابانية والهند الروسية. وان توحيد (اليورو) العملة الاوروبية الموحدة سيقلب رأسا على عقب توزيع القوى السائدة حاليا بين اسواق المال والدول الاوروبية نفسها. وسيخرج الاقتصاد الاوروبي من تحت السيطرة المحكمة لادارة المصرف المركزي الامريكي, مما سيوفر للاتحاد الاوروبي عندئذ كل عناصر القوة. وقد بدأت فرنسا وألمانيا بالعمل جديا في بناء تحالف قوي ذي اتجاهين لان فرنسا تجد ضالتها بألمانيا التي توصلها الى الشرق عن طريق المسألة الشرقية, وانها تعي جيدا بان الثانية قد شكلت في وقت مضى حلما واسعاً لاستراتيجيتها وبؤرة نوعية لاطماعها وتطلعاتها البسماركية, عبر اختراقها للمنطقة الغنية بالنفط انطلاقا من مضيق البسفور باتجاه الخليج العربي وبغداد ــ خاصة وان المانيا بدأت بالتحلل من الشروط المذلة التي فرضت عليها بعد الحرب العالمية الثانية, من قبل القوتين المنتصرتين في ذلك الوقت امريكا وروسيا. وانها احرص من فرنسا على ايجاد قاعدة للتصنيع العسكري, لانها تسعى الى خلق سياسة دفاعية اوروبية مشتركة, والذي سيتيح لها الانعتاق الكلي من الحظر الدولي المفروض عليها, في شأن المشاركة العسكرية الفعالة في الازمات الاقليمية او الدولية والذي سيعيد احلامها الشرقية. بالاضافة الى الالتفاف الايطالي وبعض الدول الاوروبية الاخرى المشاركة في الوحدة النقدية الاوروبية, وعلى ما يبدو ان ثمة امراً خفياً يتحاشى البعض التحدث به وهو ان هذه الدول ذات تاريخ واحد لانها تعتنق المذهب الكاثوليكي بغالبية مواطنيها . ولا يخفى ايضا ان هذا كان احد العوامل الهامة المؤثرة في اتخاذ الخطوة الاولى للوحدة الاوروبية المجزوءة. مع الاخذ بعين الاعتبار ان اوروبا توازي الولايات المتحدة سكانيا واقتصاديا وما تفتقده, استكمال الوحدة السياسية المنتظرة والتي بالضرورة ستمكنها من تشكيل قوة عالمية قادرة على فرض شروطها على المستوى الكوني. وليس سرا ان العالم من حيث القوة الاقتصادية يعيش حالة من القطبية الثلاثية امريكا, اوروبا, اليابان, وتتحكم هذه القوة الثلاثية بالثلثين من الانتاج العالمي. وكون القوة العسكرية الامريكية غير فاعلة مع اوروبا مثلا, فاننا لابد من الاعتراف بصعوبة صوغ دور استراتيجي, سياسي, اقتصادي امريكي الى مدى غير منظور في عالم متغيراته متنوعة وايقاع خطواته متسارعة. اما اليابان مثلها, مثل اوروبا, بدأت تدرك مدى الاخطار على مستقبلها بظل التفرد والهيمنة العسكرية الامريكية والتي لا تتنازل عند حدود المحاصصة بل تتعامل بطريقة الهبة مع حلفائها. لذلك بدأت تؤسس الى اقامة علاقات متينة مع محيطها والتي تبدو بظاهرها اقتصادية, الا انها في خلفياتها تحمل الكثير من الجدية نحو تشكيل قوة تمتلك اغنى واقوى انواع الاسلحة تتميز بشروط الكترونية عالية الدقة. وقد يظهر هذا بشكل جلي وواضح لحظة انعتاقها من الشروط المذلة التي فرضت عليها هي الاخرى, بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية. وقد بدأ شكل التصالح في العلاقات يظهر مع الجوار الجغرافي وخصوصا مع الصين والتي لم تعارض عودة هونج كونج للحظيرة الصينية الام. وان تاريخاً وثقافة وعقيدة موحدة تربطهما. وقد كان تقاعس الصين ازاء الدعوة الروسية لتشكيل المثلث الاستراتيجي مع الهند لمنع التفرد الامريكي, والذي يهدف الى بناء (منظومة الامن الجماعي للوقاية من الاخطار), مثل عدوان (ثعلب الصحراء) على العراق. كاتب فلسطيني