لا شك انه لا توجد الآن على الساحة الدولية دولة تستطيع بمفردها مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية التي تملك الآن أكبر قوة اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية تستطيع من خلالها فرض هيمنتها على الساحة الدولية , ولكن هذا لا يمنع من امكانية ظهور قوة أخرى في مواجهة القوة الأمريكية تستطيع أن تكون معها توازنا دوليا يكسر حدة نظام أحادية القطب التي على ما يبدو انها لا تصلح لضمان الأمن والاستقرار والسلام الدولي خاصة إذا كان لهذا القطب وهذه القوة من المصالح المتعددة التي تناقض مصالح العديد من القوى الأخرى الأصغر منها. ورغم ان القوة الموازية غير موجودة على الساحة الآن إلا أنه من المؤكد ان تكوين تحالف بين دولتين أو أكثر من الدول التي تملك امكانيات متميزة ومؤهلة كفيل في حد ذاته أن يكسر قاعدة هيمنة القطب الواحد. ورغم كل ما تعانيه روسيا من أزمات إلا أنها وفقا للعديد من المعطيات والكثير من العوامل ما زالت هي الدولة المؤهلة, وباجماع العديد من الآراء, لأن تكون محورا للتحالف المضاد, وما زالت حتى الآن هي القوة العسكرية والنووية الثانية وهي الورقة التي تلوح بها العديد من القوى الأخرى المتناثرة في وجه واشنطن بهدف الضغط عليها, وهذا الأمر في حد ذاته معلوم بشكل جيد لدى الأمريكيين أنفسهم ويعطونه أهمية كبيرة عند وضع استراتيجياتهم المستقبلية سواء قبل انهيار الاتحاد السوفييتي أو بعده. ونجد الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون يتحدث في كتابه (نصر بلا حرب) عن ذلك قائلا: (لقد استطاع الروس رغم تخلفهم التكنولوجي عنا أن يؤسسوا دولة عظمى تنافسنا في السيادة, وبتخلفهم عنا سبقونا إلى الفضاء ولحقوا بنا في المجال النووي, ويستطيعون مع مشاكلهم الاقتصادية كلها أن يلحقوا بنا وبسرعة في كافة المجالات, وذلك لأن لديهم امكانيات هائلة من مساحات جغرافية شاسعة وموارد طبيعية كبيرة ودرجة عالية من التعليم والكفاءة البشرية وقدرة على الابداع والابتكار أكثر من غيرهم من الشعوب الأخرى, وهذا يؤهلهم دائما لأن يصنعوا المعجزات ويتفوقوا على غيرهم حتى وهم يعانون من الأزمات, ولدى الروس طاقة هائلة على التضحية وتحمل الآلام ومعايشة الأزمات, ولم تجبرهم الضغوط الاقتصادية ولا مرة واحدة على التراجع) . ويضيف نيكسون في كتابه قائلا: (إن أحلام التوسع مرتبطة بالشخصية الروسية سواء مع الأيديولوجية الشيوعية أو بدونها, وقد نجحوا لفترة طويلة في الترويج لقضية الشيوعية الخاسرة بينما فشلنا نحن في الترويج لقضية الديمقراطية الناجحة) . وقد كتب الكاتب السياسي الفرنسي الشهير (ألكسيس دوتوكوفيل) , الذي عاش في القرن الماضي, في كتابه (الديمقراطية في أمريكا) يقول: (إن مستقبل العالم بين يدي أمتين مختلفتين أشد الاختلاف هما أمريكا وروسيا, وأن الأداة السياسية للأولى هي الحرية وللثانية هي الديكتاتورية وسوف تتطلع الأمتين لدورين حاسمين رغم اختلاف كل منهما في نقطة البداية والطريقة والهدف, وقد اختارتهما إرادة السماء للتطلع للسيطرة على مصائر نصف العالم) . ويقول نيكسون أن هذه النبوءة سوف تظل صادقة لسنوات طويلة حتى لو انهارت الشيوعية. ويقول المستشار الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر انه (رغم ما تعانيه روسيا من أزمات إلا انه لا تستطيع أي دولة أوروبية مواجهتها بمفردها, وحتى لو اجتمعت أوروبا فإنه يصعب عليها أيضا مواجهة الهجمات الروسية) . ويقول الكاتب المصري محمد حسنين هيكل في كتابه (المقالات اليابانية) : (إن روسيا لديها الآن فرصة أكبر لعقد تحالفات قوية أفضل من التحالفات السوفييتية السابقة التي كانت تلعب فيها أجهزة المخابرات الدور الأكبر) . هذه المقولات وغيرها الكثير الذي لا يتسع المجال للاسترسال في سردها تدعمها وتؤيدها معطيات الواقع والتاريخ, وليست الحرب العالمية الثانية ببعيدة عن ذاكرتنا, وقد خاضتها روسيا وهي تعاني أزمات اقتصادية أقوى بكثير مما تعانيها الآن ولم يكن لديها ولا عشر القوة العسكرية التي تملكها الآن, واستطاعت أن تقهر النازي الذي كانت تفوق قوته قوة أوروبا كلها. ويبقى السؤال: هل تستطيع روسيا بما هي عليه الآن أن تتطلع لتكوين التحالف القوي القادر على مواجهة الهيمنة الأمريكية وكسر قاعدة القطب الواحد؟ وهل تجد لها من الحلفاء الأقوياء من يساعدها على ذلك؟ الواقع على الساحة الدولية يقول إن روسيا تستطيع ذلك, وانها بالفعل هي الدولة الوحيدة المؤهلة لهذا الدور بما لديها من تراث تاريخي متراكم من العداء والمواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية, والتناقض معها في المصالح والأهداف والاستراتيجيات سواء في ظل الصراع الأيديولوجي السابق أو بدون هذا الصراع في ظل معطيات الوضع الدولي الحاضر. والخطوات التي اتخذتها روسيا بعد الأزمة العراقية الأخيرة تعكس ذلك بوضوح خاصة تجاه الهند والصين وتوقيع اتفاق التعاون العسكري مع الهند صاحبة القوة النووية الصاعدة التي تعتمد في الأساس على التكنولوجيا العسكرية والنووية الروسية, والتي رغم توجهاتها الرأسمالية كانت وما زالت من أقرب الدول المتعاونة مع موسكو سواء في زمن الاتحاد السوفييتي أو بعد انهياره. أيضا الصين التي تعتمد في قوتها العسكرية والنووية بشكل أساسي على التكنولوجيا الروسية حاليا والسوفييتية سابقا, وما زالت روسيا تمدها بأحدث الأسلحة وآخرها محركات الصواريخ البعيدة المدى والمدمرات الروسية البحرية من طراز (سوفريمني) التي تشكل تهديدا كبيرا للأسطول السابع الأمريكي في المحيط الهادى, ويربطها بروسيا اتفاقات تعاون عسكري وشراكة استراتيجية حديثة آخرها اعلان بكين عام ,1996 واتفاق ابريل عام 1997 في مواجهة سياسة القطب الواحد وتوسعات حلف الناتو. ورغم ان فكرة تحالف ثلاثي بين روسيا والهند والصين يعوقها عدم استقرار العلاقات بين بكين ونيودلهي, إلا ان المحللين السياسيين لا يستبعدونها على المستوى الاستراتيجي العالمي خاصة وان الدول الثلاث تربطهم مصالح مشتركة في هذا المجال بحكم مصالحهم الآسيوية المشتركة في مواجهة الضغوط القادمة من واشنطن, وتطلعهم الثلاثة للقيام بدور متميز وفعال على الساحة الدولية, وهذا ما يعكسه تصريح رئيس الحكومة الروسية بريماكوف في زيارته الأخيرة لنيودلهي حيث قال (ان روسيا والهند والصين قادرون معا على تحقيق استقرار أكبر ليس في آسيا وحدها ولكن في العالم كله) , ووافقه الهنود على هذا الرأي ولم يستبعدوا الفكرة رغم ما يشوب علاقاتهم مع الصين من شوائب الآن. ولا يقتصر حلم روسيا في تكوين الأحلاف في القارة الآسيوية على الهند والصين فقط, بل لديها أطروحات أخرى للتحالفات في القارة سواء مع دول صغيرة مجاورة لها من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق مثل روسيا البيضاء التي يربطها بالفعل شكل من أشكال الوحدة مع روسيا, أو أرمينيا التي ترتبط مصالحها الأمنية والاقتصادية بشكل كبير مع موسكو. وهناك أيضا إيران إحدى المرشحتين للتحالف مع روسيا, وهي تعتمد منذ ثورتها على السلاح والتكنولوجيا من الدول الشيوعية وخاصة روسيا والصين وكوريا الشمالية, وقد ساعد الانفصال الجغرافي بين إيران وروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي التي كانت تربطه معها حدود مشتركة بطول 2000 كيلو متر على نمو الثقة المتبادلة وعدم الخوف في التعامل بين البلدين, وظهرت عوامل كثيرة تدفع للتقارب واتحاد المصالح بين البلدين ومنها عداء ايران لواشنطن, ومساعدات روسيا ودعمها النووي لايران في ظل الحصار الغربي رغم الاعتراضات الشديدة من الغرب وواشنطن, ونمو حجم التبادل التجاري بين البلدين, والتوافق في السياسات الخارجية في قضايا كثيرة مثل قضية أرمينيا وأذربيجان, وقضايا الخلاف على نفط بحر قزوين, وموقف إيران من النزاع في الشيشان, وموقفها من النزاع في طاجكستان وعدم تأييدها للمعارضة الإسلامية هناك ضد الحكومة الموالية لموسكو, كل هذه الأمور وغيرها تؤهل الدولتين للتقارب وتعطي امكانية للتحالف الاستراتيجي بينهما. أما على الساحة الأوروبية الغربية فإن روسيا لا تعدم أيضا فرصة تكوين أحلاف في المستقبل هناك خاصة وان العديد من المراقبين والمحللين لا يتوقعون مستقبلا مزهرا لحلف شمال الأطلسي ويروا ان مهام ومبررات وجوده قد انتهت بالفعل بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وغياب التهديدات الشيوعية الذي تكون في مواجهتها الحلف منذ تأسيسه. وقد بات مناخ الثقة بين واشنطن وأوروبا مهددا باستمرار خاصة مع فرنسا التي لا تنفك تبدي اعتراضاتها على سياسات واشنطن على الساحة الدولية, وألمانيا صاحبة التطلعات والطموحات للقيام بدور عالمي بارز تعترضه دائما واشنطن ولندن وتأتي روسيا لتلعب على هذه الأوتار مستغلة المعارضة الفرنسية الدائمة للهيمنة الأمريكية في أوروبا بداية منذ اعتراض الرئيس الفرنسي الراحل ديجول وسحبه للأسطول الفرنسي عام 1959 في قيادة حلف الناتو ورفضه لاتفاق (ناسا) بين لندن وواشنطن, وتصريحه بأن استراتيجية الناتو تستند إلى مفاهيم أمريكية بحتة تتعارض مع مصالح أوروبا, ولديجول تصريح شهير قال فيه: (إن نهضة أوروبا سوف تتم بعد أن ينهار الاتحاد السوفييتي وتعود روسيا إلى أوروبا) , وقد صرح وزير الخارجية الفرنسي (هيرفي دي شاريت) في العام الماضي بأنه (لو أتيح لفرنسا أن تقوم بدور دولي فلا بد أن تستفيد من وجود روسيا وتتقرب إليها وتقدم لها المساعدات الاقتصادية من الآن لتساعدها على استعادة مكانتها على الساحة الدولية) . أما ألمانيا فهي تعلم جيدا ان واشنطن ولندن سوف يحولان دائما دون بروزها كقوة جديدة على الساحة الدولية في حين ان روسيا (على حد قول بعض المحللين) تسعى للتكفير عن خطئها الكبير الذي ارتكبته منذ نصف قرن عندما تحالفت مع الحلفاء ضد ألمانيا, ثم تحالف الحلفاء ضدها بعد ذلك على مدى النصف قرن, في حين لو كانت وافقت هتلر وتحالفت معه منذ البداية ربما كانت في وضع أفضل بكثير مما هي عليه الآن, وما زال عرض التحالف قائما بين البلدين الآن وفي ظروف أفضل وبعيدة عن التعصب الايديولوجي والصراعات الطبقية, وقد صرح الرئيس الروسي يلتسين أكثر من مرة بأن (التحالف الروسي الفرنسي الألماني هو أفضل ضمان للأمن الأوروبي ولاستقرار السلام العالمي) . كل اقتراحات التحالف هذه التي تمثل روسيا محورا أساسيا فيها تعكس بشكل واضح مدى حاجة المجتمع الدولي لتعددية قطبية تحفظ له توازناته وتخدم مصالح الجميع وليس مصلحة قطب واحد أو دولة واحدة, ويبقى العقد الأول من القرن المقبل كفترة مؤكدة على حد اجماع العديد من الخبراء لظهور قطب جديد على الساحة تشغل روسيا فيه مكانا محوريا.