لم يبق من ميراث الحرب الباردة والاحلاف العسكرية التي ولدت من رحمها سوى حلف (الناتو) وخلافا لنقيضه الايديولوجي حلف (وارسو) الذي دفن تحت انقاض سور برلين , وانقاض المنظومة الاشتراكية اثر زلزال انهيار الاتحاد السوفييتي, ظل (الناتو) يتمدد ويتوسع عند الاطراف ضاما دول اوروبا الشرقية ودول البلطيق, باحثا في سعيه للتمدد عن اعداء جدد, للحفاظ على مهماز البقاء, ولدعم الرابطة الامنية لدول الحلف الاطلسي, برباط ايديولوجي لم تستنفذ صلاحيته بعد الحرب الباردة. وبقاء حلف الناتو وتمدده في مرحلة مابعد الحرب الباردة يطرح العديد من التساؤلات حول مستقبل النظام العالمي, الذي مازال في طور التبلور والتشكل ويثير تكهنات كثيرة حول أفق المرحلة الانتقالية التي ما زال النظام الدولي حبيسا في قفص الهيمنة الأمريكية وانفرادها بصنع القرار الدولي. واستشراف مستقبل التحالفات الدولية وتلك الاقليمية التي تقوم على هامشها وتستقر على ضفافها, لايمكن التعامل معه وفقا لرؤية عربية إسلامية إلا من خلال تقاطع أهداف واستراتيجيات تلك الأحلاف مع المصالح العليا للأمة العربية الإسلامية. ومن هنا ليس بمقدورنا مناقشة مستقبل (حلف الناتو) والتحالف الأطلسي الأمريكي وما يدور في فلكه من معاهدات دفاع أمريكية يزيد عددها عن الأربعين معاهدة, إلا من خلال الرؤى الغربية الأمريكية لمستقبل وطننا العربي, ومستقبل الأمة الإسلامية بوجه عام. وتنطلق قراءتنا لسيناريوهات مستقبل حلف الناتو والتحالف الأمريكي الأطلسي, والتحالف الاسرائيلي التركي, بوصفه أحد الأفراخ الاقليمية لهما, من انعكاسات هذه التحالفات على القضايا العربية الرئيسية وفي مقدمتها الصراع العربي الاسرائيلي, ومستقبل النظام العربي وعلاقته بالقوى الإسلامية في العالم. الناتو والبحث عن دور مفقود منذ انتهاء الحرب الباردة انشغل المفكرون في الغرب بالبحث عن مبرر ايديولوجي لبقاء حلف الناتو حيويا, يلبي حاجة حقيقية لأعضائه, وليس مجرد مظلة وهمية, قد تصبح عبئاً, يسعى البعض للتحلل منه. وهكذا اجتهد عدد من المنظرين الأوروبيين والأمريكيين لإيجاد قاعدة جديدة لصياغة علاقات تعاون مع دول شرق أوروبا, والتي انطلقت منها الدعوة (لشراكة من اجل السلام) كعنوان ليس لبقاء (الناتو) بل لتوسيعه وتمدده, باتجاه المجر وبولندا والتشيك كمجرد بداية, فهناك قائمة انتظار تحفل باسماء الدول الراغبة في كسب عضوية الحلف. وتتضمن الشروط الاوروبية الامريكية للانضمام للناتو معايير تعكس الرغبة في تسيير النموذج الامريكي الغربي في السياسة والاقتصاد. ووفقا لاطروحة صمويل هنتينجتون مؤسس نظرية (صراع الحضارات) كقانون حاكم لمسار العلاقات الدولية في مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي, فإن الحلف الاطلسي هو المنظمة الامنية للحضارة الغربية, وهدفه الرئيس هو الدفاع عن هذه الحضارة والحفاظ عليها. ففي مقاله (الغرب متفرد وليس كونيا) بمجلة (فورين افبرز) ينادى هنتينجتون بتمكين الدول ذات التاريخ والدين والثقافة الغربية. (يقصد دول شرق اوروبا) من الانضمام للناتو وان تكون عضوية الحلف من الناحية العملية مفتوحة لدول البلطيق وسلوفينيا وكرواتيا. وتعبيرا عن جوهر نظريته في صراع الحضارات واعتباره ان الصراع بين الحضارة العربية الاسلامية وحضارات الميراث الشرقي او الميراث الثالث بتعبير الفيلسوف المسلم روجيه جارودي, يشدد هنتينجتون على اغلاق عضوية الناتو بوجه الدول الاسلامية, وحتى المسيحية الارثوذكسية تاريخيا. ويرى هنتينجتون ان روابط دول مثل تركيا (الاسلامية) واليونان (الارثوذكسية) سوف تضعف مع حلف الاطلسي, وتنتهي او تصبح بلا معنى ففي رأي هتنجتون الغرب يمر بالطور الامريكي الذي ساد القرن الحالي, وان طورا امريكيا اوروبيا مرهون ظهوره بتوثيق العلاقات بين امريكا الشمالية واوروبا, وتشييد ثقافة مشتركة, وانشاء اشكال للتكامل الاقتصادي والسياسي لاكمال تعاونهما في حلف الاطلسي. ويرى هنتينجتون ان الطور الاوروبي الامريكي وبقاء حلف الاطلسي ضروري لتحقيق رفاهية الغرب واستمرار نفوذه السياسي على المسرح العالمي, فالناتو ستكون مهمته تعويض الغرب عن تراجع نصيبه من سكان العالم والانتاج العالمي والقدرات العسكرية. الا انه يضع ركيزة اساسية لتوقعاته تتمثل في ضرورة تبني الولايات المتحدة لسياسة اطلسية وتعاون وثيق مع حلفائها الاوروبيين لتعزيز مكانتها الدولية كقطب اوحد. ولمعرفة مدى خطورة اطروحة هنتينجتون وانعكاسها على مصالح ومستقبل وطننا العربي وامتنا الاسلامية نسترجع تعريفه للغرب من الوجهة الحضارية والذي يضعه كنقيض لمستودعنا الحضاري العربي الاسلامي. ففي رأي هنتينجتون ان الموروث الحضاري الكلاسيكي (الفلسفة الاغريقية, والقانون الروماني, واللغة اللاتينية) هي احدى ابرز السمات التي تجعل الغرب غربا, بالاضافة الى المسيحية الغربية الكاثوليكية, والعلمانية او بتعبيره انفصال الدين عن الدولة. إذن فالحرص على ابقاء الناتو وتوسيعه, وتمتين علاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية, يهدف أساسا إلى تحويله من منظمة أمنية, خلقت أساسا للدفاع عن أوروبا الغربية ضد التهديدات السوفييتية, وحصار النفوذ السوفييتي خلف الستار الحديدي أو (ستار الخيزران) وجعله (أي الناتو) منظمة أمنية للدفاع عن الحضارة الغربية والنموذج الأمريكي ضد حضارات الميراث الثالث وخصوصا الحضارة العربية الإسلامية. ويصب في هذه القناة عدد من المشاريع التي أفرخها الناتو مؤخرا, مثل طرح مشروع لتشكيل قوة تدخل عسكري سريع لحل الأزمات المشتعلة في الدول العربية المتوسطية والأفريقية. المثلث الاستراتيجي كمؤشر على تصاعد خلل النظام الدولي تظهر الأوضاع الدولية السائدة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي, والطنطنة الأمريكية حول النظام الدولي الجدي, ان الانفراد الأمريكي كقطب أوحد لن يدوم طويلا وسيعقب المرحلة الانتقالية الراهنة تبلور نظام دولي متعدد الأقطاب, لاستحالة استمرار حالة الخلل في موازين القوى, وغياب قطب فاعل يوازن الجموح الأمريكي. ففي أي قراءة للخريطة السياسية الدولية عقب انهيار الاتحاد السوفييتي, يظهر ان زوال خطر الكتلة الشيوعية دفع الولايات المتحدة إلى خوض غمار العديد من الصراعات المسلحة عبر العالم, بدون كوابح من القانون الدولي, فضلا عن اشتعال الصراعات المسلحة في اجزاء عدة من العالم, ثلثيها يقع خارج أوروبا وأخطر تلك الصراعات التي نشبت في قلب اوروبا كانت الاقليات الاسلامية ضحيتها. في هذا السياق يمكن تفهم الدعوة التي اطلقها يفجيني بريماكوف لرئيس الوزراء الروسي والخبير في الشؤون العربية, من نيودلهي لانشاء مكتب استراتيجي يضم روسيا والصين والهند لمعالجة الخلل الدولي الناجم عن الانفراد الامريكي بالساحة العالمية. وتستجيب دعوة بريماكوف الطموحة الى تصاعد موجة العداء العالمي للهيمنة الامريكية, وضرورة ايجاد قوة جديدة تملأ الفراغ الذي اوجده انهيار المنظومة الاشتراكية. وتشير دعوة بريماكوف الى موجة قادمة من التحالفات في دول العالم الثالث في قارتي اسيا وافريقيا للدفاع عن مصالح الشعوب التي عانت من ميراث الاستعمار الغربي, وتعاني مع اقتراب القرن الحادي والعشرين من مساع اوروبية وامريكية لفرض النموذج الغربي وطمس ميراثها الحضاري. صحيح ان دعوة بريماكوف لن تجد ترجمة عملية لها في المستقبل القريب, الا انها تكتسب اهميتها كمؤشر على رغبة جارفة, وادراك عميق لاصلاح خلل النظام الدولي الجديد, وضرورة اقامة تكتلات غير اوروبية لمواجهة الهيمنة الامريكية. وليس بمستغرب ان يستلهم بريماكوف دعوته للمثلث الاستراتيجي من مقولة اطلقها فلاديمير ايليش لينين مؤسس الاتحاد السوفييتي اكد ان (الطريق الى لندن تمر عبر شنغهاي وكلكتا) . وعربياً, ليس جديداً, ان يستعيد الوطن العربي عافيته عبر طريق وحيد وهو استعادة تضامنه, واحياء معاهداته للدفاع المشترك ضد مهددات الأمن القومي العربي, ونسج علاقات تعاون مع دول الجوار الاسلامي. بقلم: سيد زهران