يعتقد الدكتور محمد المسفر أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر ان أمر نشوء أحلاف عسكرية جديدة في العالم وارد, بالنظر للحركة الحثيثة التي تشهدها الأحداث الدولية.. لكن مهما أفرزت هذه الحركة من مبادرات.. فإنها لن تنازع الدور الطلائعي لحلف شمال الأطلسي خلال بداية الألفية الثالثة على الأقل.. ويعتقد المتحدث ان ارتباط العالم بواشنطن, وانخراطه في الحقبة الأمريكية, سيعطل ظهور كما في المشهد الآسيوي النووي الحديث. مؤشرات على احتمال ظهور جديد ما قد يعيد نوعا من المواجهة الباردة بين أكثر من قطب في العالم... ويرسم الدكتور المسفر, صورة متشائمة لوضع دول الشرق الأوسط وسط هذا الخضم, خصوصا وان جميعها سلمت الأوراق كاملة إلى الولايات المتحدة الأمريكية من خلال الاتفاقيات طويلة الأمد.. مما يضيق على هذه الدول نطاق الحركة والمناورة.. وفيما يلي نص الحديث: * على ضوء ما تراه الآن.. هل يتجه العالم إلى بناء أحلاف عسكرية جديدة؟ - أعتقد ان حقبة الأحلاف انتهت, فابان الحرب الباردة كان هناك صراع وسباق بين الدول المتنفذة, وعلى وجه التحديد الكتلة التي تقف وراء الاتحاد السوفييتي.. ونظيرتها التي تسبح في الفلك الأمريكي.. وكان مدار ذلك الصراع, أرض العالم الثالث, والمنافسة تتمحور حول المنافذ البحرية.. وكانت الأحلاف في ذلك الزمن, في محاولات مستمرة لتطويق الآخر.. أما الحقبة الراهنة, فتشهد هيمنة قوة واحدة, تفرض ارادتها على العالم كما تشاء, وهي الولايات المتحدة الأمريكية, التي تعمل على توسيع نطاق حلف شمال الأطلسي, كنوع من تكتل جديد منظور, ليس لمواجهة قوة أخرى, وإنما لفرض الهيمنة, وبسط اليد الطولى على أرجاء العالم تحت مظلة الحلف الأطلسي. * هل تعتقد في امكانية بروز قوى دولية جديدة, مع دخول الألفية الثالثة؟ - لا شك, بأن هناك قوى دولية صاعدة.. كاليابان, والصين والهند.. والتكتل الأوروبي.. بالاضافة إلى محاولة روسيا إحداث حركة تكتلية جديدة من خلال تكثيف التعاون مع كل من الهند والصين, لخلق قوة دولية مواجهة للقوة الوحيدة الآن, أي الولايات المتحدة الأمريكية - وبمعنى آخر, فإن الألفية الثالثة, ستشهد بالفعل مولد قوى عالمية جديدة أكثر فاعلية, وأكثر تأثيرا في مجرى العلاقات الدولية.. وأقصد بذلك, البلدان التي ذكرتها آنفا وهي تحاول جاهدة الافلات من قبضة نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية كما ان لدى أغلبها الامكانيات الذاتية التي تؤهلها لذلك.. كما يتضاعف هذا الاحتمال عندما تتجه بعض هذه القوى إلى بعضها الآخر.. لانشاء نوع من التحالف الجديد, الذي قد يضع بداية توازن دولي جديد. * .. وهل يستمر حلف الأطلسي في الصدارة خلال العقد المقبل على الأقل؟ - أعتقد ان استمرار حلف شمال الأطلسي في المستقبل المنظور, أمر مفروغ منه, تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية.. فإلى حد الآن لم يظهر في الأفق الدولي, أي مؤشر على بروز منافس قوي له, بمدلول القوة.. أما التكتلات, أو القوى التي أسلفت الحديث عنها.. فلن تكون على نفس درجة فاعلية الحلف الأطلسي, رغم تأكيدي بأن نفوذها سيكون أشمل وأعم.. وقد يغير نفوذها الحياة الاقتصادية أساسا.. لكن من العسير جدا تخيل هذه التكتلات المحتملة, وقد أصبحت تنافس حلف شمال الأطلسي على المستوى العسكري. * لكن قد تبدو التوجهات الروسية الجديدة مبشرة ببعض التغييرات... هل يمكن لهذه التوجهات أن تعزز حلفا عسكريا ما؟ - في روسيا الآن يدور صراع داخلي بين قوى متعددة.. قوى الجيش الذي ورث تكوينه من المدرسة الشيوعية العالمية, فكانت له الصدارة, على مستوى العالم, لكنه بات مفككا, ومشلولا إلى حد كبير.. في الوقت الحاضر.. إلا أن ذلك لا يمنع أن نراه يتململ في الأزمات الدولية, مثلما حصل أخيرا مع العراق بعد العدوان الأمريكي البريطاني خلال شهر ديسمبر الماضي. وهذا التململ, يمكن أن يشرح لنا الحالة الروسية العامة وهي تبحث عن دور.. فقد رأينا الحركة الروسية السريعة التي تلت ذلك. فاتجهت نحو الهند, ثم نحو الصين, في زيارتين على مستوى عال.. وإذا استطاعت روسيا بالفعل, أن تقيم جسر تعاون وثيق مع هذين الكيانين العملاقين, فإنه بلا شك, سيمكننا الحديث, على اعادة بعث للدور الروسي عبر تحالفات, في مواجهة الحلف الأطلسي. فهذه البلدان الثلاث, تملك السلاح النووي, وتملك سعة في السوق وسعة في الموارد. مع كثافة سكانية عالية.. اضافة إلى مواقع استراتيجية خطيرة, تمتد من البحر الأبيض المتوسط, إلى أعماق الصين. هكذا نرى روسيا في وجهها الجديد الذي تحاول ابرازه.. وهي قد لا تقدم على اقامة حلف عسكري بالمدلول الحربي.. لكن قد يكون هناك تحالف سياسي استراتيجي يؤدي في نهاية المطاف إلى نوع من الاتفاق العسكري الذي يحمي هذه الدول من تهديدات حلف شمال الأطلسي. * ... وما هو دور القوة النووية الروسية في هذا الاطار؟ - القوة النووية الروسية, ما زالت أمرا واقعا.. وما زالت روسيا تمتلك مواصفات الدولة العظمى بهذه الترسانة.. وبذلك وفي ظل الظروف المتحركة في داخلها, تستطيع روسيا في أي وقت أن تسحب الورقة النووية للضغط بها في الاتجاه الذي تحدده الأحداث.. إذن لا يمكن الاستهانة بهذه الورقة, رغم حركة المجتمع الروسي, وتقلباته التي لم تستقر على حال إلى حد الآن.. ورغم الواقع الاقتصادي المنكوب, والواقع العسكري الجريح. * حسنا.. هل يمكن لمعادلات توازن الرعب النووي الحالية.. أن تتغير؟ - لا شك ان معادلات توازن الرعب الحالية في طريقها إلى التغيير.. ففيما يحيط بمنطقة الخليج, هناك باكستان التي جربت سلاحها النووي الصيف الماضي.. وهناك الهند.. وهناك تطلعات ايرانية لامتلاك السلاح النووي.. وإذا مددنا البصر إلى ما خلفها سنجد روسيا, والصين.. بمعنى ان كل هذا المجتمع الآسيوي دخل أو بصدد الدخول إلى النادي الدولي النووي.. ومن ناحية أخرى نجد اسرائيل في قلب الوطن العربي, تمتلك سلاحا نوويا.. بما يجعل العالم العربي هو الحلقة الأضعف في هذا المشهد العام. لذلك, أرى ان معادلات توازن الرعب في العالم, تتغير.. بل ان تطورات الأحداث الدولية تفرض عليها هذا التغيير. * أين ترى موقع الصين, كقوة عظمى خلال السنوات المقبلة؟ - أرى الصين منشغلة في الداخل.. بعملية تحسين الأوضاع الاقتصادية, والتركيز على التنمية الداخلية, مع التوجه الحثيث لايجاد أسواق عالمية لانتاجها.. والصين يمكن وصفها بالتنين الصامت, الذي يبدو منكفئا على نفسه, وباحثا عن حلول داخلية.. لكن يبدو ان قوته الخارجية ستظهر تباعا, كلما نجح في الاصلاحات الداخلية. أما دورها وموقعها, كقوة عظمى في العالم.. فهو محفوظ بامتلاكها حق النقض في مجلس الأمن.. وهو يمكنها من لعب أدوار كثيرة على المسرح العالمي.. خصوصا وهي جارة لما يسمى بمجموعة نمور شرق آسيا, التي فتكت بها القوى العالمية, وأدخلت فيها فيروسات الفساد الإداري والاقتصادي والسياسي.. وهي عوامل مهمة جدا بالنسبة للصين التي تجد نفسها من جديد في الصدارة الآسيوية, إلى جانب اليابان. وقد رأينا ماذا كان موقف رئيس وزراء الصين, في عقر دار اليابانيين عندما زارهم, مؤخرا. عندما طلب منهم الاعتذار رسميا.. ان اليابان تحفظت على الطلب الصيني, وانقضت الزيارة بدون اصدار بيان مشترك.. وأعتقد ان الذي حصل في تلك الزيارة, هو حركة صينية مقصودة ورسالة عن الدور الأول الذي تطمح للعبه آسياويا على الأقل. * في وسط هذا الخضم, كيف يبدو موقع دول الشرق الأوسط على خارطة التحالفات المرتقبة؟ - أعتقد ان هذا سؤال جوهري.. فالأيام تتوالى, والأحداث تتسارع من حول دول الشرق الأوسط, وهي تقف كالمشدوهة, بدون أدنى محاولة للمشاركة.. سواء على الصعيد العسكري أو السياسي, أو حتى الاجتماعي, والثقافي.. وهذه الأصعدة كلها تمثل أخطارا وتحديات لها. وهذه الدول, ليست حليفة لأحد اليوم.. وحتى انتماؤها لما يسمى بحركة عدم الانحياز قد سقط بعد أن وقعت اتفاقيات ومعاهدات مع الدول الغربية الكبرى.. وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة الأمريكية. إذن. فإن كل شيء يشير إلى ان دول الشرق الأوسط, ستكون مشتتة على الخارطة المستقبلية للعالم. والصورة, كما نراها الآن, ان أغلب دول الشرق الأوسط, ارتبطت مع الولايات المتحدة الأمريكية باتفاقيات ومعاهدات, أقلها زمنا, عشرون عاما.. أي ان هناك عقدين من الزمن تقريبا, ستكون خلالهما كل المنطقة مقيدة بالحبال الأمريكية, اقتصاديا وعسكريا وأمنيا.. وهذا يقطع الطريق أمام هذه الدول للتحالف مع قوى أخرى صاعدة.. وللأسف, ان كثيرا من دول الشرق الأوسط, رهنت نفسها بالوهم, إذ هي تعتقد ان مثل هذه الاتفاقيات, ستدخل إليها الازدهار الاقتصادي في حين ان مقدراتها وثرواتها الذاتية كافية وزيادة لتحقيق هذا الهدف.. بما يجعلها - منطقيا - في غنى عن ربط نفسها بقوى خارج حضارتها ومصالحها. * وكيف ترى التحالف التركي الاسرائيلي, وآثاره على المنطقة العربية؟ - هذا التحالف العسكري التركي - الاسرائيلي, يرتكز على هدف تحقيق طموح دولة تحت التكوين, وأقصد اسرائيل, بالاعتماد على المتانة الحضارية والتاريخية القوية لتركيا.. ولا بد من الاشارة هنا إلى مفارقة أن الدولة التي تعتمد علىها اسرائيل لاستكمال بنائها, ينتمي أغلب سكانها إلى الحضارة الإسلامية.. كما ان انتماءها شرقي أكثر منه غربي. هذا التحالف.. المقصود الواضح منه, هو تطويق العالم العربي, بدءا من سوريا والعراق, والتحكم في مياه هاتين الدولتين.. وإذا كانت اسرائيل قد تمددت حتى شمال الوطن العربي, أي المرتفعات التركية, فتكون بذلك قد هيمنت على الجزء الجنوبي للوطن العربي. وبالتالي, فإن هذا التحالف يشكل بالضرورة خطرا استراتيجيا على الأمن القومي العربي.. وعلى مستقبل العالم العربي بأسره, اقتصاديا, ومائيا.. وبالتالي عسكريا. وفي المقابل لا يمكن لتركيا أن تتخلص من البراثن الاسرائيلية إلا بجهود عربية مكثفة.. ولكن للأسف الشديد فإن هذه الجهود المطلوبة, نراها أسيرة لقوى أجنبية خارجة عن دائرتها الحضارية. * ما هو دور منظمة الأمم المتحدة, في هذا الخضم؟ وهل تستطيع تنشيط دورها الأممي والإنساني في الدعوة للسلام العالمي؟ - أعتقد انه من السذاجة الاعتقاد بأن الأمم المتحدة تستطيع تقنين التحالفات العسكرية.. بل انه ضرب من الوهم.. فالأمم المتحدة, هي واقعة تحت الهيمنة الأمريكية, والمكتب التنفيذي للأمم المتحدة, الذي هو مجلس الأمن, يدين في قراراته بالكامل للمشيئة الأمريكية.. ولعل الشواهد على ذلك كثيرة.. بدءا مما جرى في أمريكا اللاتينية, مرورا بجنوب شرق آسيا.. وما يجري اليوم في المنطقة العربية.. وصولا إلى افريقيا.. ففي كل هذه الأرجاء من الدنيا, يتم تطبيق القرارات التي تمليها المصلحة الأمريكية, تحت غطاء الشرعية الدولية. إذن, أعتقد ان الأمم المتحدة, وهي مسلوبة الإرادة.. غير قادرة على ضبط ايقاع التحالفات العسكرية, أو تقنينها. بل حتى فيما يسمى بالاجراءات الإنسانية, من اغاثة, وتدخل في الكوارث, إلى غير ذلك.. فإن منظمة الأمم المتحدة, قد تصبح عاجزة عن ضبطها, نظرا للعجوزات المالية المتتالية.. إذ ان الولايات المتحدة الأمريكية لوحدها, مدانة للمنظمة الدولية بما يزيد على مليار وخمسمائة مليون دولار, لم تدفعها. وإذا لم يكن هناك تمويل كاف للمنظمة من أجل لعب دورها كضابط ايقاع للسلام العالمي, فإنها لن تستطيع فعل شيء في هذا المضمار. * في الخلاصة.. ألا تعتقد ان تعدد بؤر التوتر في العالم, تشكل حافزا لبناء تحالفات عسكرية جديدة؟ - أعتقد اننا جئنا على هذا السؤال في أكثر من موقع في حديثنا هذا.. لكن إذا استعرضنا الأوضاع في منطقتنا العربية, فالأمور محسومة, ذلك اننا ارتبطنا بالهيمنة الأمريكية.. وأعتقد انه سر شبه المستحيل تغيير الارتباطات وإذا نظرنا إلى العالم من حولنا, فإننا سنرى تقاتلا بين الاخوة الأعداء في افريقيا.. وانتحارا اقتصاديا في آسيا.. وعدوى ذلك وصلت إلى البرازيل, وربما تنتقل إلى دول أمريكية لاتينية أخرى.. ولذلك ففي ظل توترات اقتصادية بالأساس, وأمنية بالنتيجة يصعب تخيل نشوء تحالفات عسكرية ناجحة, لأن معظم هذه الدول, قد ارتبطت بمعاهدات مع الأقوى.. وقد انخرطت في الحقبة الأمريكية. الدوحة ـ البيان