شن الدكتور اشرف البيومي كبير ملاحظي برنامج النفط مقابل الغذاء في العراق حملة انتقادات ضد لجنة العقوبات الدولية واتهمها بتعمد تعطيل وصول الشحنات الغذائية للمواطن العراقي وسرد البيومي في حواره مع (البيان) تفاصيل العراقيل التي وضعتها اللجنة لتهميش حركة البرنامج للتخفيف من معاناة الشعب العراقي وحرمانه من ادخال سيارات اسعاف وسيارات لنقل تلاميذ المدارس وحتى توفير اقلام الرصاص للتلاميذ. واعتبر البيومي برنامج النفط مقابل الغذاء مجرد مسكن في مجال نقص المواد الغذائية وحمل الحصار مسؤولية تآكل الطبقة الوسطى وظهور طبقة طفيلية تتعيش وتتربح من ازمات الشعب العراقي والى نص الحوار. * في البداية تناول البيومي طبيعة عمل فريق ملاحظة البرنامج وقال ان الفريق كان يعمل في برنامج الغذاء العالمي وهو احد الوكالات التابعة لهيئة الامم المتحدة, وكنا مكلفين من قبل الهيئة بمتابعة توزيع الغذاء في العراق للتحقق من عدالة التوزيع وكفاية الغذاء , وكانت الحكومة العراقية تقوم بتوزيع الغذاء في 15 محافظة بينما (WFB) والتي تعني فريق الملاحظين لتوزيع الغذاء يقع عليها توزيع الغذاء ضمن الثلاث محافظات الشمالية. * لماذا اقتصر عمل الفريق على المحافظات الشمالية دون باقي مناطق العراق؟ - ذلك لان هيئة الامم المتحدة كانت تنحاز الى الاماكن الكردية بدعوى ان حكومة العراق تسيء توزيع الغذاء في هذه الاماكن و كان هناك في الوقت نفسه ادراك للمشاكل السياسية في الشمال التي قد تنشأ بسبب التوغل العسكري التركي على سبيل المثال او بسبب انتشار الالغام في معظم الاماكن, لذلك عندما بدأ توزيع الغذاء في الشمال ساهم ذلك بشكل ايجابي في استقرار الامن وكنا نتابع الغذاء منذ وصوله الى احد المرافىء وهو ام القصر في الجنوب وترابيل على الحدود الاردنية في الشمال ووصول هذه الشحنات الى مستودعات التخزين في المحافظات ثم نتابع وصولها الى وكلاء التموين الحكوميين او القطاع الخاص. * ماهي مواصفات الحصة التموينية التي يحصل عليها المواطن العراقي طوال فترة الحصار؟ - الحصة تحتوي على كميات من الطحين والارز, والزيت النباتي وبعض البقول والسكر والشاي بالاضافة الى الصابون والبان الاطفال, وهذه الحصة قد تكون كافية من حيث سعراتها الحرارية ولكنها خالية من اي بروتين حيواني وتنقصها العناصر الاساسية مثل الحديد والكالسيوم وبعض الاملاح المعدنية. وبالتالي هي ليست كافية حتى نظريا بالاضافة الى التعطيل المتعمد من قبل لجنة العقوبات (661) لوصول الشحنات الغذائية الى العراق . * ماهي المعوقات التي كانت تضعها لجنة العقوبات امام عمل الفريق؟ - كانت اللجنة تتعمد تعطيل وصول الشحنات الغذائية في موعدها وبالتالي لم يحصل المواطن العراقي على الحصة التموينية المقررة بالرغم من ان الحكومة العراقية كانت احيانا تستكمل بعض الكميات من المخزون الاستراتيجي واظهرت التقارير الرسمية لهيئة الامم المتحدة ان الموافقة على العقود الغذائية المبرمة بين الحكومة العراقية والشركات كانت تأخذ 68 يوما لموافقة لجنة العقوبات , وعندما تسربت هذه المعلومات للصحافة الفرنسية والامريكية تم اختصار هذه الفترة الى 25 يوما ولكن استمر تعطيل الشحنات الغذائية والدوائية عن طريق تأخير اعتماد البنك وهو بنك باريس فرع نيويورك المسؤول عن ذلك, ايضا لم تصل قطعة غيار واحدة للمنشآت البترولية العراقية مؤخرا برغم تخصيص 300 مليون دولار للحصول على قطع غيار لضخ العراق كميات اكبر من البترول, وحتى ديسمبر الماضي لم تصل قطعة واحدة وبالنسبة للدواء والمعدات الصحية والتعليمية كان يتم تعطيل وصولها بدعوى الاستعمال المزدوج وعلى سبيل المثال تم الاعتراض على دخول عربات الاسعاف وسيارات المدارس واقلام الرصاص, وحبوب النيترو التي يستخدمها مرضى القلب, واصبح مفهوم الاستخدام المزدوج يشكل ثغرة كبيرة لتعطيل وصول مواد زراعية وتعليمية وصحية حتى انه ذكر في احد الاجتماعات الرسمية للهيئة ان الهواء والماء ممكن ان يقع تحت مسمى الاستخدام المزدوج, وذلك بالرغم من الاعلانات الدعائية الامريكية والانجليزية ان برنامج النفط مقابل الغذاء هو تخفيف لمعاناة الشعب العراقي. * ماهو تقييمك لتطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء في فترة عملك بالعراق؟ - هذا البرنامج قام بدور المسكن في قطاع الغذاء وخفف بعض المعاناة في هذا المجال ولكن من الخطأ الفادح ان نتصور انه لبى الحاجات الدنيا من المستلزمات الانسانية, وكان استنتاج منسق هيئة الامم المتحدة دينيس هاليراي وبعض كبار موظفي الهيئة ان البرنامج لايمكن ان يلبي هذه الحاجات باي حال من الاحوال الا اذا اصبحت الهيئة دولة داخل الدولة لان تلبية هذه الحاجات يتطلب اعادة بناء شبكة المياه من الصرف الصحي والكهرباء وتزويد المستشفيات بالاجهزة المطلوبة والمدارس بالمطابع اللازمة وهذا يتطلب مبالغ طائلة. * ماهي طبيعة تدخلات الاطراف الدولية الامريكية والبريطانية في عمل الفريق؟ - هناك بعض المسؤولين في هيئات الامم المتحدة حاولوا تغيير تقارير اللجان التابعة لهذه الهيئات والعاملة في بغداد وكانت تؤكد عدم كفاية المواد الانسانية, وتطالب بزيادتها ولكن مسؤلو هذه اللجان تصدوا لهذا مما ادى الى تعميق الخلافات بين دينيس هاليراي المنسق العام وبعض المسؤولين الموجودين في نيويورك والتي ادت الى استقالة دينيس هاليراي ... ومن جانبي اعلنت في نوفمبر 97 عن عزمي الاستقالة من الفريق اذا لم ننجح في التعبير الموضوعي عن الواقع وعما يوجد في التقارير الرسمية .. الملفت ان البعض كان يقوم بنزع فقرات معينة من التقارير التي تقدمها الوكالات عن البرنامج لتخدم الصيغة المطلوبة, ولا اخفي سرا اذا قلت ان برنامج النفط مقابل الغذاء لم يخلو من افراد تم وضعهم لخلق عراقيل في سبيل تنفيذه وانه كان يتضمن جواسيس من جنسيات مختلفة يتجولون في انحاء العراق ويظهرون اهتماما خاصا ببدو العراق وبعض فصائل الاكراد. * من خلال عملك في العراق كيف كان الوضع الصحي في ظل الحصار؟ - تعطل برنامج النفط مقابل الغذاء اضر بالمواطن العراقي بشكل مباشر وكانت النتيجة موت مئات الآلاف من المواطنين العراقيين وما قيل عن موت مليون ونصف عراقي هي تقديرات تعتمد على مؤشرات مختلفة مثل زيادة امراض معينة او من خلال عدد الاختبارات المعملية التي تجري وتوضح نقص اجراء هذه الاختبارات لقلة الامكانات كذلك مؤشر احصائيات الوفيات التي اظهرت تزايد هذه الاعداد .. الحصار الشامل كان بمثابة محرقة عراقية وهو مادعى دينيس هاليراي ان يعلن بوضوح عندما قدم استقالته انه لايستطيع ان يعمل تحت علم الامم المتحدة ويدير برنامجا يسمح بموت عشرات الالاف من الاطفال وقد قدرته منظمة الصحة العالمية بـ 6 الاف طفل شهريا, وذلك بسبب نقص الخدمات الصحية وتلوث المياه. * ماذا عن الوضع الاجتماعي هل صاحبه بعض التغيرات نتيجة الحصار؟ - بالفعل شهدت الحياة الاجتماعية تغييرات كبيرة من بينها ظهور طبقة طفيلية منتفعة ولاؤها للكسب السريع على حساب الطبقة المتوسطة التي تآكلت بشكل ملحوظ . الطبقة الطفيلية قامت بالاتجار في الازمة عن طريق تهريب السيارات وقطع الغيار واطارات العربات كما تتاجر في الادوية وخيوط الجراحة والسلع المغشوشة, في المقابل نجد ان بعض المواطنين كان يلجأ الى بيع حصته التموينية لشراء الدواء او نلاحظ ظاهرة التسرب من التعليم لتلاميذ المدارس للعمل والمعاونة في دخل الاسرة فضلا عن انتشار ظاهرة الدروس الخصوصية والرشوة وغيرها من الظواهر السلبية, فنجد مثلا دخل المدرس لايزيد على 10000 دينار شهريا لا تسد حاجته فيضطر الى بيع السجائر على الارصفة, او العمل كسائق تاكسي فضلا عن ظاهرة اطفال الشوارع وصعوبة الزواج والعديد من الامراض الاجتماعية التي تأتي نتيجة الازمات الطاحنة. القاهرة - مكتب (البيان) - ماجدة السيد