بدأت أوروبا تشعر بالملل من سياسة القطب الواحد وسيطرة امريكا الكاملة على مجريات الاحداث العالمية الامر الذي دفعها للتفكير والبحث في طلاق القوة العظمى واعادة الكعكة الدولية بصورة جديدة وعلى ضوء المتطلبات الشعبية الاوروبية . ولا يعتبر اساتذة العلوم الاجتماعية في مختلف الجامعات الاوروبية ان حالة الاسترخاء التي تمر بها الشعوب الاوروبية بسبب الاستقرار السياسي والاقتصادي من الامور الايجابية, التي تدفع للثناء والاطراء على ما توصلت له دول الاتحاد الاوروبي من نتائج متقدمة على كافة المستويات حيث انهت الصراعات السياسية والعسكرية في أوروبا, خاصة بعد الحرب العالمية الثانية كخطوة اولى, الامر الذي كان من نتائجه هو تمهيد الطريق لامريكا لكسر شوكة المعسكر الشيوعي وتحطيم القوى الاشتراكية التي كانت تخضع لقيادة ونفوذ الاتحاد (السوفييتي السابق, وهي مصلحة اوروبية مباشرة حققتها امريكا صاحبة ذات المصلحة ايضاً, ونهاية الحرب الباردة وتحول شعوب اوروبا الشرقية من اعداء للغرب الى (أصدقاء) ــ الذين اصبحوا الآن محل عطف وشفقة لسوء الاحوال الاقتصادية والفقر ــ أفقد شعوب اوروبا الغربية بصورة مؤقتة مساحة الرؤية خارج الحدود, بحثاً عن مناطق على الطرف الآخر للصراع او المنافسة, فمنطق الصراع والمنافسة هو عنصر سيكولوجي متأصل في نسيج التفكير والشخصية الاوروبية على مدار التاريخ, الذي شهد مراحل متعاقبة كانت فيها الشعوب الاوروبية سريعة الاستجابة لنداءات الحركات الاستعمارية لعديد من الدول في افريقيا وآسيا, ولقد جاءت نتائج عدد من الابحاث الاجتماعية التي تقوم بها الجامعات والمؤسسات المتخصصة خلال العقد الاخير لتؤكد ان الشعوب الاوروبية لا يهمها وجود عدو بعينه بقدر ما يهمها وجود طرف آخر يكمل دائرة الطاقة لاحداث التفاعل المطلوب الذي يحتاج دائماً للسالب والموجب, فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية انشغلت الشعوب الغرب اوروبية في كثير من الامور اهمها: ــ اعادة الاعمار الذي دمرته الحرب العالمية الثانية. ــ الاستعداد لمواجهة الاتحاد السوفييتي حالة حدوث صدام عسكري. ــ المشاركة بالعمل في منظومة الارتقاء فوق الصراعات الاوروبية الغربية الداخلية. ــ حالة الترقب للتطورات السياسية الاوروبية خاصة مراحل التحولات السريعة التي مرت بها السوق الاوروبية المشتركة التي افرزت الوحدة الاوروبية الشاملة في اطار الاتحاد الاوروبي. وقد بقيت الشعوب الاوروبية في حالة ترقب الى ان جاءت الفرصة للتحرك عند اندلاع حرب الخليج من اجل تحرير الكويت حيث اشتركت فيها قوات تحالف اوروبية, وتلتها مرحلة الصراع مع العراق الذي شهد خاصة في بدايته تأييداً اوروبياً شعبياً لامريكا وبريطانيا في القضاء على ما سمي بأسلحة الدمار الشامل والاسلحة الكيماوية, وواكبت ايضاً خلال هذه الفترة حرب الصرب والاعتداءات على شعوب البوسنة والهرسك, التي ما كادت ان تنتهي إلا وبدأت حرب صربية جديدة على شعب كوسوفو وألبانيا. اما الآن فيشهد الشارع الأوروبي حالة من الملل حيث انه يعاني من الفراغ, ويفتقد لروح المنافسة او الصراع, فرؤية الاتحاد الاوروبية اصبحت واضحة امامه ولا يوجد فيها جديد, ويبقى الآن امران فقط وهما:- ــ اما ان تتوجه انظار الشعوب الاوروبية للأجانب المقيمين على اراضيها وخاصة من ذوي الاصل العربي والمسلمين. او المطالبة بالتحرر من النفوذ الامريكي الذي يتحكم في مناطق كثيرة من العالم ويحجم قيام دور اوروبي واضح. والارجح هو ان اوروبا تفضل اعادة تقسيم المصالح الدولية ووضع نهاية للقطب الواحد لان هذا هو الاجدى لأوروبا التي لا تريد صراعات داخلية مع الاجانب البالغ عددهم حوالي 10 ملايين نسمة من اصول غير اوروبية, ولن يكون هذا التوجه حباً في الاجانب بقدر ما هو حفاظاً على السلام الاجتماعي الاوروبي, وعلى الرغم أن أوروبا تدين بالعرفان لما قدمته أمريكا لها حينما كانت الفاشية الألمانية تهددها, ثم انقاذها بخطة مارشال التي اعادت بناء الحياة الاقتصادية الاجتماعية بها, واخيراً القضاء على النظم الشيوعية, الا ان الشعوب الاوروبية اصابها الملل والضجر من سيطرة الولايات المتحدة الامريكية وانفرادها بالعالم, واختراقها للحياة الثقافية بداعايات اعلامية تجد لها صداها في نفوس الشباب الاوروبي بما في ذلك مسلسلات تلفزيونية طويلة تدعو للعنف وتشجع على الخيانة والتآمر, كما ان ديزنيلاند حان الوقت لاستبداله بشخصيات اوروبية تتلاءم وعقل وطموح الطفل الاوروبي, وتشترك ايضاً الحكومات الاوروبية مع شعوبها في هذه الحالة, وعلى الرغم ان الحكومات الاوروبية تظهر في مواقفها وردود افعالها منهجاً اكثر دبلوماسية والتزاماً, الا ان هذا لم يمنعها ــ حكومات الاتحاد الاوروبي ــ من الاستعداد لوضع اطار يضمن لها طلاقاً هادئاً للعولمة على الطريقة الامريكية, بحثاً عن تقسيم جديد يكون لها فيه دوراً واضحاً ونصيباً اكبر في المصالح الاقتصادية والثروات خارج بلادها. لاهاي ــ سعيد السبكي