تتصدر قضية ارتداء الحجاب في فرنسا قائمة القضايا التي لم تحسم بالنسبة بالمسلمين هناك, واصبحت إثاراتها تتم بشكل دوري بين الحين والآخر لتضع علامة استفهام كبيرة حول دلالات الموقف الفرنسي الرسمي من حجاب المسلمات في المجتمع الفرنسي . ووجه الغرابة ان فرنسا التي ارتبط اسمها بالتحرر منذ ثورتها التاريخية تضيق بهذه الحرية الشخصية وتنفرد من بين الدول الأوروبية جميعها بهذا الموقف من الحجاب. وتعود جذور المشكلة الى عام 1989عندما قام ارنيست سينير مدير ثانوية غابرييل ــ هافيز بمنع ثلاث طالبات بالمدرسة من ارتداء الحجاب, وبدأ حينها صراع عنيف بين هذا المدير وعائلات الطالبات, وسرعان ما احدثت هذه المشكلة ضجة اعلامية في الصحافة الفرنسية. وقد حاول ليونيل جوسبان الذي كان يشغل منصب وزير التربية آنذاك, تهدئه الأمور ورفع الموضوع الى مجلس الدولة. وفي ديسمبر من عام 1989 صدر قرار يعطى كحق لمدراء المدارس الثانوية في التعامل مع كل حالة من هذه الحالات بشكل منفصل. وفي سبتمبر من عام 1994, قام وزير التربية فرانسوا بايرو بسن قرارات تقضي بمنع أية اشارة تميز تحملها الطالبات في المدارس الفرنسية, ما نحا لكل ادارة مدرسة حرية التصرف مع الموضوع وسرعان ما ارتفع عدد مرتديات الحجاب من المئات الى الآلاف مما دفع المدارس الفرنسية إلى فصل المئات من الطالبات العربيات المسلمات, وتدخلت المحاكم لتعيد نصف الطالبات المفصولات الى مدارسهن. وتقدر الاحصاءات عدد الطالبات اللاتي يرتدين الحجاب في المدارس الفرنسية, 400 طالبة الا أن القوانين التي سنتها وزارة التربية, سواء جاءت من حكومات اليمين او اليسار, فانها لم تضع حلا واضحا لهذه المشكلة التي تفاقمت يوما بعد أخر وانفجرت عندما قامت بعض ادارات المدارس برفض تسجيل الطالبات اللاتي يحملن الحجاب. وتم مؤخرا رفض تسجيل طالبتين عربيتين مسلمتين في ثانوية جان ــ مونيه دي فلور, وقد اعتمد مديرا مدرستين ثانويتين على قانون بايرو ليرفضا تسجيل احدى الطالبات العربيات المسلمات في مدرسيتهما باعتبار أن الحجاب الاسلامي ظاهرة تمييز ديني لا يمكن قبولها في المدارس العلمانية. وتتخوف هذه المدارس من ظاهرة انتشار الحجاب في حالة قبول هذه الطالبة في المدرسة, ومن ناحية أخرى, تعمل هذه الظاهرة على اشاعة التوتر بين صفوف المعلمين الذين يعارضون الحجاب الاسلامي. بعض ادارات المدارس توافق على قبول الطالبات بالحجاب خوفا من تأجيج مشاعر الكراهية والعنصرية للاجانب ومن ناحية اخرى يطالب عدد من الاساتذة والمعلمين بضرورة تعميق العلمانية في المدارس الفرنسية لتتخطى هذه المشكلة. جلبير مايستر, استاذ التاريخ والجغرافيا في ثانوية جان مولان دي ألبير فيل ــ حيث فصلت ادارتها اربع طالبات محجبات في عام 1996 يرفض التخلي عن العلمانية والاستجابة لمطالب (الاسلاميين) بسن قوانين تمنع ارتداء الحجاب في المدارس. ويعلل هذا المدرس ضرورة سن هذا القانون لان الحجاب, في نظره, وكذلك في نظر غالبية المدرسين, (يزيد من ظاهرة تصاعد الاصولية الاسلامية في المدارس الثانوية الفرنسية. وينفي المساواة بين الجنسين, ويرفض الاندماج وفق المبادىء الجمهورية. ولكن هناك طائفة اخرى من المدرسين ممن يدافعون عن (علمانية المعركة) , كما وصفه جومسلين ميزاري الباحث في (المركز الوطني للبحث العلمي) الفرنسي, والكثير ايضا يدافعون عن العلمانية المفتوحة, ويعتبرون ان مهمة المدارس التربوية ليست الاقصاء والعزل بل التكوين والتربية واعادة التثقيف. وقد عينت وزارة التربية الفرنسية الوسيطة حنيفة شريفي لتكون حلقة وصل وتفاهم بين ادارة المدارس وعائلات الطالبات المحجبات لغرض الوصول الى حلول وسطية الا ان هناك حالات مستعصية على الحل, وخصوصا العائلات المتعصبة التي تمارس, تأثيرا ضاغطا على بناتهم ويجبرونهم على ارتداء الحجاب وهناك طالبات يرتدين الحجاب كتعبير عن الايمان. وبعض العائلات تلجأ الى رفع قضية الحجاب الى المحاكم وتسجل بناتها في (المركز الوطني للدراسة عن طريق المراسلة) بانتظار قرارات المحكمة. وتبقى فرنسا البلد الوحيد من بين البلدان الاوروبية التي يعتبر فيها ارتداء الحجاب في المدارس علامة تحد واستفزاز. ففي المانيا وفي المدن الكبيرة مثل برلين وفرانكفورت, ترتدي الطالبات المهاجرات الحجاب الاسلامي وخصوصا الطالبات التركيات, دون اثارة أية مشكلة لا في ادارات المدارس ولا في المحاكم ووزارة التربية كما هو الحال في فرنسا. والقانون الالماني يضمن حرية الاديان ولايوجد اي نص قانوني يؤكد على العلامات الفارقة والظواهر المميزة لكل انتماء ديني. ومسألة الفصل بين الكنيسة والدول أقل مما هي عليه في فرنسا ذلك ان تدريس مادة الدين في المانيا تتم بالتعاون مع احدى الكنائس, كاثوليكية كانت أم بروتستانتية. وذلك لايعني بأن مشكلة الحجاب معدومة في المانيا, اذ انفجرت مشكلة شابة المانية من اصل افغاني منعت من ممارسة عملها كمدرسة في لانددي باد ــ ـويرتنبرغ لانها رفضت نزع الحجاب اثناء التدريس. وهذا ما ادى الى اثارة نقاش ساخن تساءلت فيه مجلة (دير شبيجل) الشهيرة قائلة: (ماهو الفرق بين رسم الصليب على الجدار ووضع الحجاب على الرأس؟ وفي انجلترا لاتوجد أية قوانين تنص على منع ارتداء الحجاب في المدارس فالحرية مضمونة وخاصة في المؤسسات الخاصة بل واكثر من ذلك فان بعض المدارس تخصص زاوية معينة لممارسة الطلاب والطالبات المسلمين لصلاتهم. وقد اعتاد البريطانيون على رؤية النساء المحجبات سواء في البنوك أو في المخازن الكبيرة (السوبر ماركت) . وفي بلجيكا ايضا لاتوجد أية قوانين بصدد ارتداء الحجاب في المدارس, ذلك لان الاديان دستورية ومندمجة في المجتمع, يضاف الى ذلك ان الثقافة البلجيكية ثقافة مصالحة وتسوية. باريس ــ شاكر نوري