حمدي عبدالعظيم: الاهتمام بالقطاعات الأخرى غير البترولية وزيادة حجم التكامل التجاري بين الدول العربية وترشيد الاستهلاك، خلال الأيام القليلة الماضية وصلت أسعار النفط الى أقل من15دولاراً للبرميل وهو أدنى سعر للبترول منذ ارتفاعه عام1973,وهذا الانخفاض الشديد في أسعار البترول اصاب الدول المنتجة والمصدرة له بحالة من الارتباك وخاصة ان معظم هذه الدول تعتمد اقتصادياتها على العائدات النفطية فهي تمثل القاسم الاعظم لدخلها القومي, ومن أهم هذه الدول تأتي الدول الخليجية فهي الأكثر تصديراً للنفط واعتماداً في اقتصادياتها عليه ولذلك كانت هي الأكثر تضرراً من انهيار أسعاره لدرجة ان هناك دولة مثل المملكة العربية السعودية بلغ العجز في ميزانيتها نحو 12 مليار دولار, كما بلغ العجز في ميزانية الكويت نحو ستة مليارات دولار.. ولذلك لم يكن غريباً ان تكون قضية انهيار اسعار النفط هي محور مناقشات واهتمامات الدول الخليجية في اجتماعات مجلس التعاون الخليجي الأخيرة حيث عبر الكثير من المسؤولين عن عدم ارتياحهم وقلقهم من هذا التدهور, ودعا القادة في بيانهم الختامي الى ضرورة استقرار سوق البترول وتحسين الاسعار والتزام الدول المنتجة بتخفيض الانتاج التي سبق وتعهدوا بها في يونيو 98, واتخاذ خطوات اخرى لتحقيق الاستقرار في السوق لما فيه من مصلحة الدول المنتجة والمستهلكة وسلامة واستقرار الاقتصاد العالمي, وتشكيل لجنة للتعاون البترولي بين الدول الخليجية تقوم بتكثيف الاتصالات مع مختلف دول العالم لتحقيق هذه الاهداف, وبدأت الاصوات تطالب بعقد اجتماع طارئ لمنظمة الاوبك قبل المؤتمر الوزاري المقرر عقده في مارس المقبل للتباحث والتشاور حول سبل وقف هذا الانهيار في اسعار البترول, وكان من رأي البعض خلال هذه الاجتماعات ان هذا الانهيار في أسعار البترول وكان رأي البعض خلال هذه الاجتماعات ان هذا الانهيار وراءه مخطط الهدف منه ضرب الاقتصاديات الخليجية, وخاصة ان هناك شكوكاً كبيرة حول سوء نوايا عدد من الدول وبصفة خاصة الولايات المتحدة الامريكية فالارقام التي اعلنت مؤخراً تشير الى استمرارها في خفض انتاجها والذي بلغ 6,1 ملايين برميل يومياً وهو أدنى مستوى انتاج لها منذ عام 1954, بينما بلغت وارداتها من النفط الخام 8,2 ملايين برميل في اليوم وهو مستوى مرتفع عن وارداتها من النفط العام الماضي.. في الوقت الذي بلغ مخزون النفط الخام في نوفمبر الماضي حوالي 339 مليون برميل وهو أعلى مستوى وصلت اليه منذ عام 94.. وهذه الأرقام من وجهة نظر البعض تؤكد ان الولايات المتحدة قد خططت لخفض اسعار النفط في الدول المنتجة له والمستهلكة لمشتقاته في الوقت الذي ضاعفت فيه الضرائب على هذه المنتجات واحتفظت بمخزونها الاحتياطي الاستراتيجي.. وهذا الانهيار الكبير في أسعار النفط جعل الكثير من التساؤلات تطفو على سطح الاحداث الاقتصادية وخاصة في المنطقة العربية وتدور معظمها حول مدى قدرة الاقتصاديات الخليجية على تخطي هذه الأزمة والتعامل مع المعطيات والمتغيرات الاقتصادية الجديدة في ظل الانهيار الحالي لأسعار النفط, وحول طبيعة البدائل الاستراتيجية المتاحة لتنويع مصادر الدخل في هذه الدول, والمدة الزمنية التي يمكن ان تستغرقها هذه الازمة وقبل ان تعود اسعار النفط مرة أخرى الى مستواها المعتاد.. (الملف السياسي) التقى ببعض الخبراء الاقتصاديين في محاولة لالقاء الضوء والاجابة على هذه التساؤلات. تخطي الأزمة الدكتور علي لطفي الخبير الاقتصادي ورئيس وزراء مصر الأسبق يرى أن القدرة على تخطي هذه الأزمة وامتصاص الاثار السلبية الناتجة عنها موجودة في اقتصاديات الدول الخليجية بشرط اتباعها السياسات المناسبة والاجراءات الملائمة ولكل دولة على حدة وذلك من خلال البحث عن بدائل تتيح التعامل مع هذا الموقف المتأزم والتي لن تخرج من وجهة نظره عن: اولاً الترشيد القوي والسريع للانفاق الحكومي, على ان يتم البدء بالترشيد الذي لا يؤثر على الانتاج مثل ترشيد شراء السيارات الحكومية, وسفر المسؤولين الى الخارج, والاقلال من استضافة الوفود والمسؤولين والمهرجانات والفعاليات الاحتفالية واستضافة الوفود الاعلامية, ثانياً: اتباع سياسة اقتصادية انكماشية وهي تقوم على تقليل وضغط الانفاق الحكومي فاذا كانت هناك بعض المشروعات العامة او مشروعات البنية الاساسية يمكن تأجيلها لفترة دون ان يؤثر ذلك على المسيرة الاقتصادية للدولة, فلا مانع من ذلك الى أن يتم تخطي الأزمة وهذه المسألة تخضع لتقدير ورؤية كل دولة خليجية فهي التي تستطيع ان تحدد نوعية المشروعات التي تستطيع تأجيلها. ثالثاً: محاولة زيادة ايرادات الدولة وهذا يختلف من دولة الى أخرى كفرض تعريفة جمركية على السلع اذا لم تكن موجودة أصلاً, وفرض ضريبة على الدخول المرتفعة لمواطني الدولة وبشكل تصاعدي وهذا الأمر معمول به في أغلب دول العالم ومنها مصر, وفرض ضريبة مبيعات على السلع المستوردة من الخارج وزيادة رسوم بعض الخدمات مثل الخدمات الهاتفية على أن يتم ذلك بشكل تدريجي وحتى لا يتم ارهاق المواطن الخليجي.. بهذه البدائل تستطيع هذه الدول مواجهة الأزمة التي يعتقد انها ستستمر لأكثر من عام, فاذا كانت أسعار النفط قد وصلت الى هذا الحد المتدني ونحن في موسم الشتاء الذي من المفروض ان يكثر الطلب فيه على شراء البترول فما بالنا بما سيحدث في الصيف. واوضح الدكتور علي لطفي ان مواجهة هذه الأزمة ستختلف من دولة خليجية الى أخرى فمثلا السعودية يمكن لها ان تتوسع في نشاط العمرة وبحيث تسمح لأعداد أكبر بالزيارة والنظر الى هذا الأمر على أنه مصدر بديل عن البترول وأحد المصادر الهامة للدخل.. وارجع هذه الأزمة من وجهة نظره الى الكثير من العوامل اخرها الانهيار الاقتصادي الكبير الذي حدث في دول شرق آسيا والذي ادى الى ان يقل الطلب على البترول, وهناك ايضا الدول غير الاعضاء في منظمة الاوبك والذين ينتجون كميات كبيرة بهدف زيادة دخولهم مما جعل الكمية المنتجة من النفط تزيد من احتياجات الدول المستهلكة فيزداد بذلك العرض على الطلب فتنخفض الأسعار, كما يجب الا ننسى ان الدول الرئيسية المستهلكة للبترول كأوروبا الغربية وامريكا واليابان قد وعيت الدرس الذي حدث في حرب 73 ولذلك فهي حريصة دائماً على أن يكون لديها المخزون الاستراتيجي من البترول وألا تكون عرضه للأزمات والارتفاع في أسعار النفط. البحث عن بدائل أخرى أما الدكتور حمدي عبدالعظيم عميد مركز البحوث الاقتصادية بأكاديمية السادات للعلوم الادارية فيعتقد ان الأزمة النفطية سيكون لها تأثيرها الكبير على اقتصاديات الدول الخليجية وأنها ستؤثر على كل القطاعات وعلى معدل النمو والدخل القومي وبالتالي على مستوى معيشة المواطن الخليجي, ولكن تأثيرات هذه الأزمة ستختلف من دولة الى أخرى فهناك دولة مثل الامارات على سبيل المثال تستطيع ان تتعامل مع الأزمة الحالية بشكل أفضل من غيرها من الدول الأخرى لأنها تمتلك قطاع تجارة قوي وفي دبي توجد منطقة تجارة عالمية في جبل علي ولديها نشاط صناعي واستثماري تستطيع ان تعتمد عليه.. وفي رأيه أن التعامل مع هذه الأزمة يجب أن يتضمن ترشيد الاستهلاك فالمعروف ان الدول الخليجية دول مستوردة للكثير من السلع والمنتجات فهي مستوردة للغذاء وللسلع الاستهلاكية بأنواعها المختلفة ومن مناطق مختلفة والمطلوب منها الان ان ترشد الاستهلاك وتهتم بالادخار وتقليل النفقات الاستهلاكية ووضع البرامج التقشفية لضغط الانفاق سواء على المستوى الفردي او على المستوى الحكومي, والاهتمام بالقطاعات الأخرى غير البترولية كالسياحة في الامارات والبحرين والسياحة الدينية كالحج في السعودية, والثروة السمكية في عمان فالاهتمام بهذه القطاعات من المؤكد انه سيزيد من الدخل القومي لهذه الدول وبالتالي لن تشعر بحجم الأزمة كغيرها من الدول الأخرى, ايضا الاهتمام بالاستثمار المباشر اكثر من الاهتمام بتداول الاوراق المالية في الأسواق الثانوية وهذا يتطلب من الدول الخليجية تجميع المدخرات الموجودة لدى الكثير من الأفراد وسحب المدخرات المستثمرة في الخارج بحيث يتم استخدامها في إنشاء مشروعات استثمارية داخل المنطقة العربية, والاهتمام بتطوير التكنولوجيا المستخدمة في الانتاج الصناعي والزراعي بصفة عامة لإنشاء صناعات محلية تهتم بالإحلال محل الواردات وبحيث تنخفض واردات هذه الدول بنفس القدر الذي يحدث في انخفاض حصيلة الصادرات حتى لا تضطر الدول الخليجية الى سحب الاحتياطيات الموجودة لدى البنوك المركزية او الاقتراض والمديونية الخارجية وما يرتبط بذلك من أعباء سوف تقع على كاهل الدول العربية الخليجية.. ايضا محاولة جذب الاستثمار الاجنبي من الدول الصناعية المتقدمة والدول الاسيوية لمساعدتها على اقامة مشروعات متعددة الجنسيات في قطاعات مختلفة غير قطاع النفط بحيث تساهم هذه المشروعات في تشغيل الايدي العاملة العربية وتعالج معدلات البطالة التي بدأت معدلاتها في الارتفاع في كل الدول العربية سواء المصدرة للنفط او غيرها من الدول العربية الأخرى, والاهتمام باصدار سندات بالعملة الأجنبية لتمويل برامج التنمية الزراعية والصناعية بمعرفة صناديق استثمار تطرح بالخارج للحصول على رأس المال اللازم للانتاج دون سحب من الاحتياطيات او الاقتراض, وزيادة حجم التكامل التجاري بين الدول العربية جميعها فهناك دول عربية غير نفطية ولكن لديها قطاعات انتاجية اخرى كالزراعة والصناعة واذا زاد حجم التكامل بين الدول الخليجية وبينها فإن هذا سيزيد من حجم التجارة البينية ويؤدي الى تقليل معدل الاستيراد من الدول الاجنبية وبالتالي القضاء على العجز في ميزان المدفوعات مع الدول الصناعية المتقدمة واستقرار العملات العربية بدلاً من اتجاهها نحو التدهور بعد انخفاض عوائد البترول. ارتفاع معدلات البطالة وأكد الدكتور حمدي عبدالعظيم انه اذا التزمت الدول الخليجية بذلك فمن الممكن ان تتخطى هذه الأزمة والتي من المنتظر ان تستمر في رأيه لفترة لا تقل عن ثلاث سنوات والتي تعود الى الكساد العالمي الذي يسيطر على الأسواق الان وارتفاع معدلات البطالة وانخفاض معدلات التشغيل وانخفاض النمو الاقتصادي والسياسات الاقتصادية المطبقة في الدول الصناعية التي اصبحت تهتم بقطاع المال والبورصات ولم تعد تهتم بالقطاع الانتاجي بنفس القدر وهذا أدى الى انخفاض الطلب على البترول وعندما يتبدل الحال ويعود الاهتمام بالقطاع الانتاجي والسلعي مرة أخرى في قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة والنقل والتكنولوجيا فمن الممكن ان يؤدي هذا الى زيادة وتنشيط الطلب على البترول وبصورة تدريجية. .القاهرة: (البيان) تحقيق: صالح الفتياني