امام دول الخليج فرصة للعمل بدلاً من البكاء على اللبن المسكوب، نستطيع ان نرغم الغرب على استهلاك مخزونه النفطي، نعم.. في يدنا اكثر من وسيلة للخروج من الدائرة الخبيثة، المسألة في النهاية هي الصراع بين العرض والطلب عقب انتصار اكتوبر 973 وصل سعر البرميل الواحد الى اكثر من 33 دولارا في الاسواق التعاقدية, و40 دولارا في السوق الفورية. بينما عملت الدول المستوردة للنفط بكل اخلاص من اجل تحقيق اهدافها لم تبد الدول المصدرة اي تحرك عملي للاحتفاظ بمبادرتها. لقد عاشت شعوب هذه المنطقة في غنى عن البترول مئات السنين فلا بأس من التقشف عاما او عامين حتى تستعيد السيطرة على اسعاره. الانخفاض الكبير الذي اصاب اسعار النفط في الاشهر الاخيرة, والذي لا يستبعد بعض الخبراء الدوليين ان يستمر حتى يصل الى خمسة دولارات للبرميل اذا ظل التدهور بمعدلاته الراهنة ليس وليد اليوم. وان كانت الازمة الاقتصادية في دول جنوب شرق اسيا قد ساعدت عليه وعجلت به وزادت من ايقاعاته. حيث تناقص استهلاك هذه الدول للنفط بسبب الكساد فتناقصت وارداتها منه. وهي تمثل اكثر من 25 بالمائة من صادرات الخليج النفطية.. وانما ــ لو رجعنا للتاريخ ــ سنكتشف ان هذا الانخفاض الخطير انما هو محصلة معركة طويلة عمرها خمسة وعشرين عاما, بدأت بالتحديد في أعقاب حرب اكتوبر 1973, حينما اخذت منظمة الاوبك (الدول المصدرة للنفط) بيدها زمام تحديد الاسعار فارتفعت هذه الى اكثر من عشرة امثالها قبل 1973, وظلت لفترة تواصل الارتفاع حتى وصل سعر البرميل الواحد في الأسواق التعاقدية لأكثر من 33 دولارا, وفي السوق الفورية الى اكثر من 40 دولارا في بعض الأحيان.. وكان العامل الحاسم في ذلك هو موقف الدول العربية الأعضاء في الاوبك التي استخدمت سلاح النفط للحد من تواطؤ معظم الدول الغربية مع العدو الاسرائيلي, ولمساندة مصر وسوريا في حربهما الظافرة من أجل تحرير سيناء والجولان. غير ان انتقال المبادرة في السوق النفطية الى أيدي الدول المصدرة كان بمثابة كارثة خطيرة بالنسبة للدول المستهلكة التي اعتادت ان تحدد بنفسها الاسعار التي تناسبها للبترول الذي تستورده بأقل تكلفة, لتستخدمه ليس فقط كوقود لتشغيل مصانعها وادارة محطاتها الكهربائية وتدفئة بيوتها, وانما ايضا كمادة خام للكثير من صناعاتها التي أصبحت تشكل العمود الفقري لاقتصادها. وزاد من وقع الكارثة ان عدوى سيطرة الاوبك على سوق النفط كانت تهدد بالانتقال الى أسواق المواد الخام الاخرى مثل المطاط والبن والقطن والكاكاو والنحاس وغير ذلك من الخامات التي اعتادت الدول الصناعية الكبرى استيرادها بأبخس الاسعار, لاعادة تصديرها بعد تصنيعها بأعلى الاسعار.. وكان هذا على مدى عشرات السنين هو العامل الحاسم في تفوق هذه الدول, واتساع الفجوة بين الشمال المصدر للسلع الجاهزة, والجنوب المصدر للمواد الخام.. وكان من الطبيعي الا تستسلم الدول المتقدمة لهذا الخطر الذي يهدد تقدمها. ولذلك فقد بدأت من فورها باتخاذ التدابير الكفيلة بانتزاع المبادرة من دول الاوبك. وكانت خطوتها الأولى في هذا السبيل تشكيل اللجنة الدولية للطاقة التي مثلت فيها الدول السبع الصناعية الكبرى, الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والمانيا وايطاليا وكندا واليابان, وضمت اليها ممثلين للدول الاوروبية الأخرى.. وفي اول اجتماع قمة لرؤساء الدول الصناعية الكبرى بعد حرب اكتوبر 1973, قدمت اللجنة الدولية للطاقة تقريرها, وكان هذا التقرير هو البند الرئيسي في جدول اعمال القمة, وقد تمت الموافقة عليه بالاجماع.. وتضمن تقرير اللجنة الدولية للطاقة عدة اقتراحات وليس عدة خيارات وانما هي كلها يكمل بعضها بعضا لتصب في النهاية باتجاه واحد, هو القضاء على فاعلية الاوبك والغاء سيطرتها على سوق النفط والتحكم في أسعاره... بالمناسبة دول الاوبك مسؤولة فقط عن اقل من 40 بالمائة من حجم الانتاج العالمي للنفط ولكن هذه النسبة كافية للسيطرة على السوق. وتضمنت هذه الاقتراحات ما يلي: تخفيض استهلاك النفط لدى الدول المستوردة بنسب تتراوح بين 5و7 بالمائة وفقا لحصص متفق عليها. تشجيع البحوث العلمية من أجل ايجاد مصادر بديلة للطاقة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقات المد والجزر والطاقة النووية...الخ. استكشاف حقول جديدة للنفط بعيدا عن سيطرة دول الاوبك.. تكوين رصيد من المخزون النفطي بما يعادل الاستهلاك العالمي لثلاثة اشهر على الأقل بحيث يمكن استخدامه لمواجهة اية محاولة جادة لتخفيض الانتاج من جانب الدول المصدرة. تحسين مستوى الانتاج في الحقول النفطية الموجودة فعلا بالولايات المتحدة او لدى الدول البعيدة عن تأثير الاوبك. ان تستخدم الدول الغربية ــ وخصوصا الولايات المتحدة نفوذها لدى بعض دول الاوبك من أجل زيادة انتاجها النفطي, او على الأقل عدم تخفيضه.. وواضح ان الهدف من كل هذه التوصيات كان زيادة العرض من جهة, وخفض الطلب من جهة اخرى وبذلك تنعدم قدرة الاوبك على التحكم في الاسعار.. وهكذا بدأت المعركة.. غير اننا احقاقا للحق يجب ان نعترف بانها كانت معركة من جانب واحد.. فبينما عملت الدول المستوردة بقيادة اللجنة الدولية للطاقة بكل اخلاص من اجل تحقيق اهدافها, لم تبد الدول المصدرة من جانبها اي تحرك للاحتفاظ بمبادرتها. ففيما يتصل بالتوصية الاولى اخذت الدول الكبرى تتنافس في تخفيض استهلاكها للنفط واتخاذ التدابير اللازمة لذلك. وفي منتصف عام 1975 ــ على سبيل المثال ــ اعلنت المانيا الغربية ان استهلاكها للنفط قد انخفض خلال العام المنصرم بنسبة 7,5 بالمائة اي بزيادة 50 بالمائة من النسبة التي قررتها لها لجنة الطاقة الدولية.. وجاء في تقرير المتابعة للجنة الطاقة الدولية ان جميع الدول الأعضاء قد تجاوزت التزاماتها بنسب تتراوح بين 20 و50 بالمائة.. وهنا ينبغي ان نلاحظ ان هذا الخفض في الاستهلاك الاوروبي والامريكي لم يواجه من جانب دول الاوبك بأية محاولة لخفض الانتاج.. وفيما يتصل بالتوصية الثانية فمع انه حدث توسع ملحوظ في استخدام الطاقة الشمسية الا ان ذلك مازال يجري في اطار محدود.. ربما لان (الشمس) ليست متاحة في معظم ايام السنة في نفس هذه الدول الساعية من اجل طاقتها, ولان تكلفة تخزين هذه الطاقة مازالت عالية التكلفة.. كما ان محاولات استخدام طاقات الرياح والمد والجزر مازالت في دور البحوث والتجارب.. اما عن الطاقة النووية فقد لقيت معارضة شديدة بسبب اخطارها على البيئة.. ومع ذلك, فان سقوط هذه التوصية لم يؤثر في الهدف المطلوب. واما عن استكشاف حقول جديدة للنفط فقط كان النجاح الاعظم في هذا المضمار هو اكتشاف حقول البترول في بحر الشمال بقدرة انتاجية تبلغ 3,5 مليون برميل في اليوم, اي بما يمثل اكثر من 16 بالمائة من حجم الانتاج النفطي لدول الاوبك.. ويبقى بعد ذلك مشروع ايجاد مخزون نفطي يكفي لمواجهة اية محاولة لخفض الانتاج من جانب الدول المصدرة.. ومع ان الاقتراح الاصلي كان يتضمن تخزين ما يعادل حجم الاستهلاك لمدة ثلاثة اشهر, الا ان آخر تقرير في هذا الصدد يقول ان حجم المخزون حاليا يعادل استهلاك ستة اشهر.. وقد استخدمت الدول الصناعية خلال الاشهر الماضية جزءا من هذا المخزون لاغراق السوق.. بعد ان ظهر اتجاه دول الاوبك الى خفض الانتاج, وتعهد عدد منها بالمساهمة في ذلك حتى وصل الخفض المتفق عليه الى 2,6 مليون برميل اعتبارا من يوليو الماضي. ولكن الولايات المتحدة واصلت الضخ من المخزون النفطي بنسبة اكبر. وفي نفس الوقت لم تحترم بعض دول الاوبك للاسف حصص الخفض المتفق عليها, بينما ظل تأثر الازمة الاقتصادية في جنوب شرق آسيا مستمرا خصوصا بعد ان امتدت الى اليابان واستراليا, وبدأت ملامحها تنعكس على الهند وباكستان.. ومع استمرار النقص في الطلب والزيادة في العرض, تنخفض الاسعار. وهكذا نرى ان صورة المستقبل القريب لا تدعو للتفاؤل. وقد تصبح اكثر سوءا عندما يعود الانتاج النفطي العراقي الى السوق بكامل قوته ومستواه المعتاد. ويساعد على ذلك نجاح الولايات المتحدة في الضغط على بعد اصدقائها بالاوبك, مثل فنزويلا والمكسيك من أجل عدم الالتزام بقرارات خفض الاسعار, مثل فنزويلا والمكسيك.. وواضح أن دول الخليج العربية هي اكثر اطراف الاوبك تأثرا بهذا التدهور الخطير في اسعار النفط.. حيث يدخلها ذلك في دائرة خبيثة يحتاج الفكاك منها الى جهود جماعية جبارة وتضحيات لابد منها.. ذلك ان هذه الدول تعتمد اعتمادا شبه كامل على صادراتها النفطية لكي تغطي نفقاتها المتزايدة, والتي تضخمت بنوع خاص خلال السنوات الاخيرة بسبب التوسع في مشروعات التنمية والخدمات المقدمة للمواطنين والوافدين. وهي قد تجد نفسها مضطرة لكي تواجه النقص في دخلها نتيجة انخفاض سعر البترول الى زيادة انتاجها منه لكي تغطي هذا النقص, الأمر الذي يعني زيادة اخرى في العرض على الطلب, وبالتالي مزيدا من انخفاض الاسعار. فهل هناك وسيلة للخروج من هذه الدائرة الخبيثة؟ وقد كان من المفروض ان تستعد دول منظمة الاوبك لمثل هذه الموقف الذي تعانيه الان منذ فتحت الدول المستوردة للنفط نيران معركتها من أجل تصفية دور الاوبك.. اي منذ انشاء اللجنة الدولية للطاقة, خصوصا وان توصياتها, والتزام الدول السبع الصناعية الكبرى بها كانت معروفة ومعلنة.. كما ان سعي تلك الدول من اجل تنفيذ هذه التوصيات كان ملحوظا على رؤوس الاشهاد ومع ذلك فليس الان وقت البكاء على اللبن المسكوب. وعلى جميع الدول المصدرة للنفط ان تدرك انها جميعا في زورق واحد, وان استمرار هذا التدهور في أسعار النفط لا يهدد اقتصادياتها فحسب, بل قد تترتب عليه ازمات اجتماعية هي في غنى عنها. واذا كانت دول الاوبك قد تجاهلت المعركة التي شنتها الدول المستوردة للنفط على مدى ربع قرن حتى وصلنا الى ما نحن فيه الان, فان هذا الوضع يجب الا يستمر.. والمعركة في الاساس هي معركة عرض وطلب.. وكلما كان العرض اكثر من الطلب فينبغي الا نتوقع سوى البقاء اسرى للحلقة الخبيثة, وكلما كانت الاوبك مجرد بطة عرجاء لا تستطيع الحركة ولا تتوقع شيئا سوى الذبح.. اذا فالمطلوب لكي يستعيد سعر البترول صحته ان تتخذ الدول المصدرة للنفط اقصى ما يمكن من تدابير لكي تخفض كمية المعروض. وينبغي اولا ان نأخذ في الحسبان عدة اعتبارات اولها, ان المستهلكين بقيادة الولايات المتحدة سيواجهون مثل هذا الخفض بضخ كميات اضافية من المخزون الاستراتيجي.. ولكننا لا ينبغي ان نفزع لان هذا المخزون ليس خزانا ابديا وانما هو في النهاية محدود, حتى ولو كان يعادل استهلاك ستة أشهر كما يقال. ولكن اي انخفاض فيه سيقنع المستهلكين ان الدول المصدرة جادة في تناولها للمشكلة وبالتالي فمن المؤكد ان ذلك سيدفع بالاسعار مرة اخرى الى الارتفاع. ثانيا, اننا ندرك ان هذا سيتطلب الاخذ بميزانيات تقشف والتنازل عن كثير من اوجه الانفاق, وقد يعني ذلك تحميل المواطنين اعباء كانوا من قبل معفيين منها.. وخاصة في مجال الضرائب المباشرة وغير المباشرة.. ولكننا يجب ان نذكر ان شعوب هذه المنطقة عاشت مئات السنين قبل اكتشاف النفط وهي في غنى عنه وعن عائداته. وحتى بعد اكتشافه عاشت عشرات السنين وهي لا تحصل من عوائد الا على الفتات فلا بأس من أن نتحمل بعض التقشف عاما او عامية حتى تستعيد الاوبك زمام التحكم في الاسعار. وثالثا ان اي خفض في الانتاج يعني زيادة في رصيدنا النفطي المخزون تحت الارض او تحت الماء. اي يعني زيادة في الثروة التي سيتركها هذا الجيل للاجيال القادمة.. بل ان قيمة هذه الثروة سوف تزداد بحكم الزيادة الطبيعية في الاسعار.. رابعا ان هذه الازمة يجب ان ترفع من وعينا بضرورة تنويع مصادر الدخل عن طريق التوسع في المشاريع الصناعية, واذا كان هذا التوسع سيظل محدودا بحكم ضيق السوق الخليجية فاننا نستطيع ان نتطلع بشكل اكثر جدية الى نحو السوق العربية المشتركة التي تتيح فرصا واسعة للاستثمار, والانتاج والتوزيع وللتنمية الاقتصادية بالنسبة للجميع.. واذا كان المطلوب هو شد الاحزمة على البطون لفترة محدودة من الزمن, مع انه لن يكون شدا عسيرا على أية حال, الا ان على شعوب الخليج ان تدرك انها في معركة حقيقية من أجل البقاء ومن أجل غد افضل للاجيال القادمة من بعدنا.. وهي معركة تهون من أجلها كل التضحيات..