الوضع السائد في أسواق النفط الذي نجم عنه انخفاض الاسعار بهذا المعدل ليس الا نتيجة طبيعية لسياسة الانتاج التي اتبعتها جميع الدول المنتجة دون استثناء والتي أدت الى حدوث تحولات مهمة في هذا السوق اقلها انخفاض العائدات النفطية وظهور العجز في الميزانيات . ولعل أبرز الابعاد الاستراتيجية في سوق النفط هو تغير دور منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك). فهذه المنظمة التي كانت تقرر حجم الانتاج وتحافظ على مستوى الاسعار باتت في السنوات الأخيرة غير قادرة على إدارة شؤونها الداخلية ولم تستطع ان تخرج بسياسة موحدة ازاء مسألة الانتاج. ويبدو أن مصالح اعضاء هذه المنظمة قد شابها نوع من التشرذم الأمر الذي جعلها متضاربة الى حد بعيد مما اعجز المنظمة العملاقة عن مواصلة مسيرتها. لقد كان وزن اجتماعات منظمة أوبك بمثابة اجتماعات قمة الدول الصناعية الآن, وكان العالم يحبس أنفاسه في انتظار القرارات التي ستصدر عن اجتماعات أوبك لما كان لها من تأثير على مجريات الاقتصاد العالمي. لقد أدى الانكفاء الذاتي لمنظمة أوبك الى خروج كامل سوق النفط عن سيطرتها مما استتبع تحول هذا السوق من سوق بائعين الى سوق مشترين. وهذا التحول هو في حد ذاته تحول استراتيجي لعلاقات الانتاج. ففي السوق الذي يديره البائعون يتحكم حجم العرض من السلعة في سعرها, وهذا ما كان عليه الوضع في ظل ادارة اوبك. أما في السوق الذي يديره المشترون فان حجم الطلب هو الذي يحدد السعر, وهو الوضع الذي تواجهه اوبك حاليا. وعلى حين ان هذا يصدق كثيرا على العديد من السلع لكن النفط كسلعة استراتيجية تتمتع بمرونة سعر طلب اقل من واحد اي ما يعني ان الطلب عليها غير مرن وأنه يبقى عاليا مهما زاد السعر وذلك للحاجة الماسة اليه كسلعة حيث تتوقف عليه عجلة الصناعة ومن ثم الاقتصاد العالمي برمته لقد أدت سياسة الدول المنتجة الى تحول سلعة استراتيجية الى سلعة اعتيادية مما غير من طبيعة مرونة سعر الطلب عليها. وهذا في حد ذاته تغيرا استراتيجيا في طبيعة النفط كسلعة, وهو أحد التحولات التي نجمت عن السياسة التي اتبعتها الدول المنتجة من داخل وخارج منظمة أوبيك والتي اتسمت بالاغراق. بعد آخر لتأثير اسعار النفط وهو بعد استراتيجي ايضا في هذا الشأن. فالدول المنتجة للنفط, وبالاخص اعضاء أوبك, وخصوصا العربية منها كانت تعتبر دول فائض نقدي حيث كانت عائدات النفط تفوق مصروفات هذه الدول مما خلق وضعا استراتيجيا مواتيا أما الوضع الذي نجم عن السياسات النفطية التي سادت في العقدين الماضيين فقد تغير ذلك الوضع الاستراتيجي للدول المنتجة للنفط وباتت هذه الدول تواجه عجزا ماليا في موازناتها مما اضطرها للاستدانة من الخارج أو من الداخل باصدارها سندات خزينة, الأمر الذي افقدها وضعها الاستراتيجي المؤثر السابق. ان هذا التغيير في وضع الدول المنتجة للنفط من دول فائض نقدي الى دول عجز مالي, هو احد الابعاد الاستراتيجية لانخفاض اسعار النفط. هذا البعد قد يكون له انعكاسات على دور ونفوذ بعض الدول المنتجة للنفط, والتي كان لها دور اكبر في توجيه الاحداث والتطورات في بعض مناطق العالم بل ان هذا التغيير في وضعها الاستراتيجي قد يجعلها عرضة للضغوطات الاقتصادية والسياسية مما يزيد من آثار انخفاض أسعار النفط عليها. وبالطبع فان تحول الدول المنتجة للنفط من دول فائض نقدي الى دول عجز مالي سيكون له تأثيرات عميقة داخليا ايضا بالاخص فيما يتعلق بأثر حجم الانفاق الحكومي على النمو الاقتصادي ومستوى معيشة المواطنين فيها. هذا الى جانب الآثار الاجتماعية المترتبة على تمويل العجز ذاته والذي قد يكون عن طريق فرض رسوم اضافية او رفع الدعم عن سلع وخدمات محددة او جراء الاقتراض من الداخل أو الخارج. أحد الأبعاد الاستراتيجية الاخرى لانخفاض اسعار النفط هو زيادة المخزون الاستراتيجي للولايات المتحدة الامريكية من النفط الخام جراء تسريعها لحجم التخزين بسبب انخفاض الاسعار والانخفاض المقابل في الاحتياطي الاستراتيجي للدول المنتجة للنفط جراء تسريعها لمعدلات الانتاج لمعالجة الخلل في حجم العوائد النفطية والذي نجم بطبيعة الحال أيضا عن انخفاض الاسعار. لقد اعلنت الولايات المتحدة الامريكية في العام الماضي أنها قد توقفت عن زيادة مخزونها الاستراتيجي بسبب مايتوفر في السوق من نفط. وهذا في حد ذاته مؤشر على ما يعتبر تغيرا استراتيجيا للمعادلات السياسية ومدى تفاقم اوضاع العرض والدور السلبي للدول المنتجة ذاتها في اغراق اهم سلعة تنتجها وتعتمد عليها حياتها الاقتصادية. لكن السؤال الذي يلح على الاذهان: لماذا حدث ما حدث وكيف أمكن ذلك؟ لا يمكن للمحلل الا أن يقف مشدوها لما تشير اليه الارقام المتعلقة بانتاج النفط. يقول مصدر مطلع في أوبك انه في عام ,1998 وفي أعقاب ما عرف باتفاق الرياض بين المملكة العربية السعودية وفنزويلا والمكسيك, أن ما كانت تنتجه أوبك بمفردها بلغ 29 مليون برميل يوميا, على حين أن الطلب في الربع الثاني من نفس العام لن يكون اكثر من 26 مليون برميل يوميا, اي ان ما كانت تنتجه دول الاوبك بمفردها كان يفوق الطلب بمقدار 3 ملايين برميل يوميا, فاذا اضفنا الى ذلك ما تنتجه الدول الاخرى من خارج منظمة أوبك فلن يكون مستغربا ما شهدته اسعار النفط من انخفاض. اذ ان قانون العرض والطلب قد فعل فعله رغم كون النفط سلعة استراتيجية تتمتع بمرونة سعر طلب اقل من الواحد. لكن ما الذي حدا بالدول المنتجة بالاخص دول الاوبك لان تخسر دورها المؤثر في الاقتصاد العالمي وتتحول من دول مؤثرة الى دول متأثرة. هل كان ذلك بسبب قناعتها بالفكرة التي كانت الدول الصناعية تثيرها بان الارتفاع في اسعار النفط ستؤدي الى حدوث ركود اقتصادي عالمي وتخوف الدول المنتجة للنفط من تأثرها بذلك الركود. لكن مثل هذا الادعاء ان وجد تفنده الارقام التي يشير اليها تقرير أمريكي صدر عام 1998 والذي يتحدث عن اثر التغير في اسعار النفط على الاقتصاد الامريكي الذي يعتبر أكبر الاقتصادات العالمية المنفردة. يقول تقرير تشيس سيكبورتنير ان العامل السلبي (امريكيا) في تراجع اسعار النفط يتمثل في قيام الدول المصدرة باستيراد كميات اقل من البضائع الامريكية ويلاحظ التقرير ان الولايات المتحدة قد شاركت في الحظوظ الجيدة التي نعمت بها دول الاوبك في السبعينات حيث تعاظمت شهية هذه الدول للصادرات الامريكية. وأن الميزان التجاري الامريكي مع دول أوبك كان في عام 1997 لمصلحة الولايات المتحدة الامريكية بمقدار 20 مليار دولار من البضائع الامريكية او ما يمثل 5% من مجموع الصادرات الامريكية. ومن المؤكد أذن ان الاقتصاد العالمي لم يكن سيواجه ركودا بالدرجة التي أثيرت ولم يكن مؤكدا ان ارتفاع اسعار النفط كان هو السبب الذي سيحدث ذلك الركود المزعوم. بالمقابل فان انخفاض اسعار النفط وتحول الدول المنتجة الى دول عجز مالي يمكن ان يحدث نفس الاثر جراء انخفاض اجمالي طلبها على السلع والخدمات الصناعية, وهو ما يمكن توقعه الآن. لكن المقارنة على هذا النحو قد تكون غير دقيقة, ذلك ان عائدات النفط المتأنية عن ارتفاع الاسعار كانت ستسهم في تمويل الاقتصادات الصناعية وتوسعها كونها مودعة ضمن شبكة البنوك الغربية ولا يمكن تحويلها بسهولة. على حين ان انخفاض تلك العائدات سيؤثر سلبا على الدول المنتجة للنفط لكنه لن يضر كثيرا بالدول الصناعية كونها تستفيد مرتين, الاولى عبر الخفض في سعر النفط والانخفاض المتوقع في اسعار السلع والخدمات المعتمدة عليه, وثانيا كونها تستعيد جزءا من عائدات هذا النفط المنخفض السعر في شكل صادرات الدول المنتجة للنفط, وهذا بالضبط ما أشار اليه التقرير الآنف الذكر حيث اوضح ان فاتورة النفط الامريكية ستتقلص كما سيستفيد الامريكيون العاديون وشركات الطيران والشحن وغيرها من الشركات من تراجع سعر النفط. لقد كان من المتوقع ان تتحول قضية انخفاض اسعار النفط الى قضية مركزية كونها تمس عصب الحياة في العديد من الدول المنتجة, وجلها دول نامية وغير صناعية. فالنفط هو مصدر الدخل الاساسي للعديد منها وكان ينبغي ان تتحول اجتماعات الاوبك الى اجتماعات قمة نفطية تعادل قمة الدول الصناعية. ذلك ان قرارات وزراء النفط من أوبك او خارجها لم تكن تحظى باحترام والتزام جميع الاطراف. وكان ينبغي محاولة معالجة الأزمة عبر اجتماعات قمة تعيد للاوبك بعضا من وزنها الماضي. لكن ذلك لم يحدث وبات على الدول المنتجة ان تواجه تغير مواقعها الاستراتيجية التي لم تدافع عنها بالقدر الكافي. كاتب اقتصادي بحريني