في حوار خاص مع (البيان) اكد الدكتور عصمت عبد المجيد الامين العام للجامعة العربية ان ابرز سلبيات جمال عبد الناصر والتي لم يستطع تحملها بنفسه كانت بالتأكيد انه تسبب في وقوع كارثة يونيو 67 لكنه انجز خطوة تأميم قناة السويس وهي اعظم ايجابية ولو لم يفعل في حياته سوى تأميم القناة فسيبقى ابد الدهر من الخالدين ويكفيه هذا العمل الوطني الرفيع. ونفى عبد المجيد ان يكون سعدون حمادي رئيس المجلس الوطني العراقي قد طرح عليه بعد غزو العراق للكويت خريطة جديدة للمنطقة تحدد فيها حدود العراق والاردن مشيرا الى ان ما قاله حمادي هو ان شمسا جديدة سوف تشرق على الخليج. ومن المعروف ان عبدالمجيد واحد من رواد الدبلوماسية المصرية والعربية , عاصر الكثير من الاحداث الجسام في المنطقة العربية بداية من نكسة يونيو, مرورا بحرب اكتوبر واتفاقيات السلام مع اسرائىل, وحتى الغزو العراقي للكويت, وانطلاقة مدريد والمؤتمرات الشرق اوسطية. وفي كل هذه الاحداث كان عبد المجيد شاهدا فضل الصمت طويلا لكنه فضل الكشف عن هذه الاحداث التي اثرت ولاتزال في تاريخ وحاضر ومستقبل الامة العربية كلها: والى نص الحوار الذي تنشره (البيان) بترتيب خاص مع مجلة (الاهرام العربي) : اتهمت الرئيس جمال عبد الناصر بالخطأ في تقدير القوة العسكرية المصرية قبل نكسة يونيو ,1967 مما سبب لغطاً في أوساط الناصريين... فما نظرتك للرئيس عبد الناصر؟ - عبد الناصر زعيم وطني وبطل عظيم لكن لكل عالم هفوة, وهفوة عبد الناصر كانت كبيرة, فما حدث عام 1967 كان ثقيلاً وضخماً ورهيباً, كما ان الرئيس عبد الناصر ــ من فرط عظمته ــ اعترف بنفسه وبهذا الخطأ الجسيم, وحينما قلت ان عبد الناصر أخطأ في تقدير حجم وقوة القوات المسلحة فقد كنت أعني ذلك بالفعل, الآن هذا الخطأ أدى الى النكسة التي لا نزال نعاني منها الى اليوم. وبنفس الدرجة من الصراحة فأنا لا أنكر على الاطلاق فضل ثورة يوليو على والدي محمد فهمي عبد المجيد, لكن هذا الفضل لا يمنعني أن اقول بأعلى صوت إن عبد الناصر قد أخطأ. وهل كنت تشعر أن عبد الناصر أخطأ كما تقول بعد أن وقعت النكسة... أم قبلها؟ ــ أذكر يوم يوم 3 يونيو اي قبل النكسة بيومين فقد قابلت الكاتب الصحفي الفرنسي المعروف ايريك رولو وكان عائداً من اسرائيل, وأبدى دهشته من تصريحات ناصر في 27 مايو والتي أعلن فيها ان القوات المسلحة المصرية مستعدة لمواجهة اي تحرك عسكري اسرائيلي. قال لي رولو إنه يعتقد أن فخا ينصب في الخفاء لمصر. وكيف ترى قرار عبد الناصر بإرسال قوات مصرية الى اليمن؟ ــ لابد أن ألفت الانتباه الى شيئين: الاول أن عبد الناصر لم يقم بهذه الخطوة إلا استجابة لنداء الرئيس اليمني عبد الله السلال, والثاني أنني لم أكن متداخلاً بالقدر الكافي الذي يسمح لي أن اعطي حكماً قاطعاً جازماً في هذه القضية. وما أبرز سلبيات عبد الناصر والتي قد لا يغفرها له التاريخ؟ - السلبية الوحيدة التي لم يستطع عبد الناصر تحملها بنفسه كانت بالتأكيد أنه سبب في وقوع كارثة يونيو 1967, لكن في المقابل يجب أن نتذكر أن جمال أمم قناة السويس وهي أعظم ايجابياته, ولو لم يفعل عبد الناصر في حياته سوى تأميم القناة, فسيبقى أبد الدهر من الخالدين ويكفيه هذا العامل الوطني الرفيع. ويجب أن أشير ايضاً الى احترام زعماء العالم له وعلى رأسهم ديجول الذي كان يثني في كل مرة ألتقيه فيها على عبد الناصر وحسه القومي العميق, لقد كان هناك تشابه كبير بينهما فكلاهما مخلص وحازم وعسكري. وله رؤية عالمية اكثر شيوعاً. ننتقل الى حدث آخر لايزال ساخنا, يتردد أن سعدون حمادي حينما قابلك قبل مؤتمر وزراء الخارجية العرب بعد غزو العراق للكويت قال إن شمسا جديدة تشرق على الخليج وطرح عليك خريطة جديدة للمنطقة تمددت فيها حدود العراق والاردن... ما صحة ذلك؟ - لم يحدث شيء من هذا على الاطلاق, وبكل أمانة, لم يقل لي سعدون حمادي سوى هذه العبارة (شمس جديدة سوف تشرق على الخليج) وأضاف أن العراق يرى أن من مصلحة مصر عدم تقديم او تبني اي مشروع قرار خاص بالقضية. ويضيف عبد المجيد: يبدو ان سعدون حمادي تصور للحظة ان مصر بحكم ان لها مصالح مع العراق وبحكم عضويتها في مجلس التعاون العربي سوف تغض الطرف عن امر الغزو العراقي وأذكر انني قلت له (كيف تتصورون ان مصر سوف تسكت؟ يبدو انك لا تعرف مصر ولا تعرف مكانتها, وليس امام العراق سوى الانسحاب الفوري) . د. عبد المجيد لقد كنت شريكا في أحداث عصيبة مرت بها المنطقة.. ولنبدأ من زيارة السادات للقدس.. ما صحة الاشتباك الذي وقع بينك وبين موفق العلاف مندوب سوريا في الأمم المتحدة في ذلك الوقت؟ - لقد ترددت طويلاً في أن أذكر هذه الواقعة على وجه التحديد, لأن موفق العلاف كان قريبا مني جدا, لقد كنا صديقين, كما كانت خيوط المودة تربط بين اسرتينا, وخصوصا بين زوجتي وزوجته. ومن دلائل هذه الصداقة اننا كنا نعشق معا سماع اغاني ام كلثوم ــ سواء في سيارتي , او في سيارته وكثيرا ما كنا نقوم بجولات ترفيهية مع بعضنا البعض.. لكن زيارة السادات للقدس, وما سبقها ثم تلاها, كانت مرحلة فاصلة في علاقتنا.. وان كنت انسى أشياء, فلن انسى ما حييت يوم الاربعاء الذي اعلن فيه الرئيس السادات عزمه الذهاب الى القدس مادام في ذلك حقن لدماء جندي مصري واحد.. وأذكر اننا في الأمم المتحدة كنا مشغولين بالمؤتمر الذي ينعقد سنويا في سبتمبر وحتى ديسمبر من كل عام.. وبينما كنت متوجها كعادتي لحضور الاجتماعات, فاذا بصوت مراسلة نيويورك تايمز يأتي من بعيد صارخا: الم تسمع ان الرئيس السادات سوف يزور القدس, وقول الحق, لقد اندهشت, لأنني لم أكن سمعت الأنباء بعد وعندما ابديت دهشتي للمراسلة الامريكية, اخبرتني بان نشرة الاخبار في السابعة مساء قد اذاعت النبأ.. قالت لي ذلك وهي في حالة من الانفعال والحماس لم أعهدها عليها من ذي قبل. في نفس المساء عكفت على تأمل هذا القرار فتولد في نفسي شعور بأن هذا القرار من جانب السادات هو تطور طبيعي للأحداث, لأننا بعد حرب أكتوبر اصبحنا في موقف قوي موقف المنتصر ــ فلقد اعطينا اسرائيل درسا لا ينسى, وعبرنا القناة, وحطمنا خط بارليف, واخذنا من الاسرائيليين اسرى.. واستقر في عقلي وقلبي ان كل مصري في القاهرة, هو بالضرورة سعيد, ومنتش بقرار الرئيس السادات.. على أية حال ذهبت في اليوم التالي الخميس الى الاجتماعات التي تجرى في مقر الأمم المتحدة, فاذا بي اجد صديقي موفق العلاف وبجواره مندوب فلسطين في حالة من الهياج لا حد لها وعدد من المندوبين العرب.. نعم وجدتهم في ثورة حقيقية يقودها موقف العلاف الذي ابتدأ قائلاً: ان الشعب المصري يرفض هذه الخطوة, وان هناك تحركات عسكرية في مواقع الجيش المصري في الاسماعيلية, وان اسماعيل فهمي سوف يقدم استقالته.. قال كل ذلك, ليبرد ثورته من ناحية ويسمع وجهة نظري من ناحية أخرى. وفي صعوبة بالغة, قلت له: اسمع يا موفق, اليوم الخميس, وغدا الجمعة, وصلاة الجمعة التي تجرى عادة في الميادين والشوارع هي الترمومتر الحقيقي لموقف الشعب المصري.. فاذا مرت بسلام فمعنى ذلك ان الشعب المصري موافق على قرار السادات, اما اذا لم تمر بسلام, فقد يكون كلامك صحيحا.. وقلت له أيضا: لا الجيش ولا البوليس يستطيعان ان يفعلا شيئا في مواجهة جحافل المصلين على كل حال.. فكان ان قال لي سامحه الله: انت تقول ذلك لانك صوت سيده! دارت الأيام, بعد ذلك ترأس العلاف وفد سوريا في التفاوض مع اسرائيل كيف كان موقفك؟ - عندما سمعت ذلك قلت في نفسي: لله في خلقه شؤون.. وعندما جاء موفق العلاف ــ يرحمه الله ــ لكي يعمل امينا عاما مساعدا لجامعة الدول العربية اشهد الله أنني استقبلته بكل الود, واحتفيت به حفاوة بالغة, وفتحت له صدري, وكأن شيئا لم يكن. اختاركم الرئيس السادات لتكونوا في صحبة محمد ابراهيم كامل وزير الخارجية في مباحثات القدس.. وفي صباح اليوم التالي لوصولكم صدرت الاوامر بعودة الوفد المصري من اسرائيل بعد المواجهة بين بيجن والوزير المصري. ترى ما حقيقة مشاعركم وأنتم تطأون أرض العدو الاسرائيلي لأول مرة؟ ــ صحيح هي المرة الأولى التي أزور فيها اسرائيل, قلت لا تنسى انني ذاهب مع اعضاء الوفد المصري الى هناك وبداخلي شعور بالقوة أسبغه علي ــ كما أسبغه على كثيرين غيري ــ انتصار اكتوبر. سنجلس معهم لنتحدث, ولنتفاوض ولكن من موقع القوة لا الضعف, وللانصاف يجب ان اذكر ان هذا الشعور كان يلازمنا جميعا ولا أنكر اننا اعضاء الوفد المصري كنا محتاجين في تعاملنا مع بعضنا البعض فلم نكن مطولا داخل حجراتنا أو عبر الهاتف, دائما ــ اذا اقتضت الضرورة للتشاور - كنا ننزل الى الحديقة لنتحدث كما نشاء. وأشهد ان محمد ابراهيم كامل وزير الخارجية كان دبلوماسيا من الطراز الرفيع, وعندما اساء مناحم بيجن رئيس الوزراء الاسرائيلي التعامل معه, كان رده قويا انسحب من مائدة العشاء, ونحن كذلك. وعندما رجعنا الى الفندق شددت على يديه محييا وقلت له كما ذكرت.. (أنت راجل ابن راجل فعلا لا قولا) وكان محمد ابراهيم كامل قد انزعج من طريقة بيجن معه, وهو يربت على كتفه وكأنه طفل صغير, قائلا له انه لا يزال في حاجة الى بعض الوقت لكي يفهم أشياء كثيرة, وهو ما يعني ان بيجن كان يراه صغيرا لم تصقله السنون بعد, وفي هذا ما فيه من اهانة وعدم اكتراث. وأضاف د. عبدالمجيد قائلا وعندما حاول سايروس فانس وزير الخارجية الأمريكي في ذلك الوقت والذي كان موجودا ضمن المباحثات إثناءنا عن عزمنا عندما انسحبنا من العشاء, وكذلك عندما تهيأنا للعودة الى القاهرة بعد ان قرر الرئيس السادات ذلك, وعندما ألح في ذلك قلنا له: ان قرار مصر لا رجعة فيه. دائما يطلب الاسرائيليون أكثر مما يقدمون.. هكذا عهدناهم منذ بداية الصراع العربي الاسرائيلي ــ وفي هذا الاطار تردد انكم لقنتم احد المسؤولين الاسرائيليين درسا عندما سألكم في شبه مزاح ثقيل: متى ستقبلون انضمام اسرائيل الى جامعة الدول العربية.. من هذا هو المسؤول الاسرائيلي, وفي أي سياق جرت هذه الواقعة؟ ــ جرت هذه الواقعة في المغرب اثناء انعقاد القمة الاقتصادية الشرق أوسطية في عام 1994 والتي حضرها نحو عشر دول عربية وكان الملك الحسن قد وجه اليّ دعوة رسمية بالحضور, وأذكر انني كنت وقتها في نيويورك, وهناك, وحتى دون ان استشير احدا قررت ــ بعد تفكير عميق ــ المشاركة قائلا لنفسي ليس عندي ما أخفيه واذا كان لدي ما أقوله فيمكن ذلك أمام الجميع, وأذكر انني اوضحت في كلمتي في المؤتمر موقف الجامعة العربية من الأوضاع السائدة في ذلك الوقت وحذرت من استمرار وضع العربة امام الحصان على نحو ما تفعل اسرائيل في تناولها لحقوق الشعب الفلسطيني, وقضية الشرق الأوسط برمتها. وفي حفل عشاء ضيق جدا دعا اليه الملك الحسن وشارك فيه عدد محدد من رؤساء الوفود, اقترب مني شيمون بيريز وبعد ان بادرني بالتحية, سألني قائلا: متى ستدخل اسرائيل جامعة الدول العربية؟ فقلت له: عندما تتكلم اسرائيل اللغة العربية. وكيف تتقبل فكرة الشرق أوسطية؟ ــ أنا بطبيعتي اتعامل مع الاشياء والمفاهيم والاشخاص على المكشوف وهنا أسأل: هل الشرق أوسطية تلغي القومية العربية او الجامعة العربية, وما دامت الاجابة: لا.. فليس هناك مبرر للتحرج في التعامل معها. ذكرت في مذكراتك الشخصية انك اثناء مرحلة الدراسة في باريس قد التقيت مع بائع موز فرنسي, وأخرج من جيبه صورة عبدالرحمن عزام أول أمين عام للجامعة العربية.. هل راودتك احلام الشباب في اعتلاء مقعد الأمين العام؟ ــ أبدا لم تقترب أحلام شبابي المبكر من هذه النقطة على الاطلاق رغم انني كنت من المتحمسين للجامعة العربية. وما الشيء الذي ندم عليه الدكتور عصمت عبدالمجيد؟ ــ لم أندم على شيء في حياتي وهذه نعمة من الله أشكره عليها. هل أنت سعيد بلقب الدبلوماسي الهادىء الذي يطلق عليك؟ ــ الدبلوماسي الهادىء حسبما أتصور وأعتقد , جزء من طبعي عندما أمارسها أو أؤديها فليس لكي يقال عني كذا وكذا, وإنما لأنني مسير بشأنها لا مخير.. ثم لا تنس ان هذه الخصال يمكن ان نجدها في أشخاص كثيرين غيري.. فالدنيا ــ هكذا هي قناعتي ــ مليئة بكل الخير والنوايا الطيبة والأفعال البناءة. وفي بداية حياتي كنت دائما أتصرف بما يمليه علي ضميري وقناعاتي انطلاقا من الجوانب النظيفة والأمينة التي نشأت منذ الصغر عليها واستمرت معي حتى اليوم. وبنفس القدر الذي أجزم فيه بأنني لم أندم على شيء في حياتي أستطيع ان أقول أيضا انني لم اتغير على مدى سنوات العمر, وظل طبعي كما هو.. ثم يستطرد أمين عام جامعة الدول العربية قائلا: إياك ان تتصور ان الدبلوماسية الهادئة هي الدبلوماسية المستسلمة.. فهذا غير صحيح بالمرة.. وأذكر انه قد قيض لك ان تحضر بنفسك معي واقعة في مرسيليا عندما اعتلت سيدة فرنسية المنصة لتهاجم المرأة العربية والمسلمة وتلصق الاسلام بتهمة هو منها براء.. فكان ــ بعد تردد ــ ان توليت الرد عليها في دبلوماسية هادئة لكن حاسمة ولعلك تذكر كيف اقتنعت هذه السيدة بكلامي وجاءتني مهرولة مع آخرين لتقديم اعتذارها, وبأن هناك من غرر بها ودفعها لقول ما قالت.. ثم هناك أكثر من موقف عشته مع مناحم بيجن رئيس الوزراء الاسرائيلي لم يكن لي من سلاح معه سوى دبلوماسيتي الهادئة.. وأحمد الله انني انتصرت فيها جميعا, وعندما واجهته بمغالطاته التي زعم فيها انه شارك في صياغة القرار الشهير 242, وبأنه فلسطيني يهودي.. ثم فصله بين الحكم الذاتي, وتقرير المصير بعد ان كان تحدث عنهما كأنهما شيء واحد... وأذكر ان ردودي عليه كأنت حازمة في حضور الرئيس السادات, ونائبه وقتئذ الرئيس حسني مبارك. حوار: د. سعيد اللاوندي ينشر بالاتفاق مع (الاهرام العربي)