لم يعد الحديث عن الرشوة في المغرب يحاط بالكتمان, كما كان الأمر قبل سنوات قليلة, فاستفحال هذه الظاهرة وانتشارها كوسيلة للتعامل من المستويات الدنيا إلى الأعلى, واختراقها للحياة العامة والمؤسسات على مختلف أشكالها, جعلتها تتصدر اهتمام الأحزاب والأوساط السياسية والاقتصادية والرأي العام المغربي . ويأتي الاحتفال, للعام الثالث على التوالي, باليوم المغربي لمحاربة الرشوة, ليؤكد ديناميكية المجتمع المدني ومنظماته وجمعياته المتنوعة لجهة مقاومة ظاهرة الرشوة والتحذير من مخاطرها, كما طالت أيضا بعض وسائل الاعلام, حيث يجري الحديث علانية عن (أقلام مأجورة) لا علاقة لها بالصحافة إلا كمصدر لتسييد منطق الزبونية والمحسوبية. ويعكس قرار توقيف عدد من القضاة في الفترة الأخيرة حجم الفساد الذي تغلغل داخل مجال حيوي يفترض فيه الحرص على الاستقامة والشفافية والنزاهة والعدالة, إذ بلغ الأمر حدا جعل صاحب الحق يؤدي الرشوة للحفاظ على حقه مهما بلغت حججه من المشروعية, وكان المستثمرون الأجانب أبرز الضحايا على هذا الصعيد, لذلك جاء استحداث محاكم إدارية خاصة كاجراء لابد منه لاستعادة ثقة الفاعلين الاقتصاديين بالعدالة المغربية بعد ضياع العديد من فرص الاستثمار نتيجة تورط المحاكم في مخالفات صريحة. وتجدر الإشارة إلى أن الترتيب الدولي للمغرب في مجال الرشوة وصل إلى 3,1 على ,10 ليحتل الصف السادس والثلاثين من أصل 52 دولة, على مستوى تفشي الرشوة. وهي أرقام تكشف مدى الخطورة التي أضحت تشكلها هذه الآفة الاجتماعية, مما دفع أكثر من 35 جمعية وهيئة غربية, في السادس من الشهر الجاري, إلى تبني ميثاق (من أجل مغرب بدون رشوة) . وتقدم مذكرة إلى رئيس الحكومة تسلط الضوء على الملفات الكبرى للرشوة واستغلال المال العام, فضلا عن الدعوة إلى تدقيق الحسابات وضبط عمليات التفتيش المتعلقة بالجماعات المحلية (البلديات), و(مواجهة ثقافة الخوف بكل جرأة وكرامة حتى يدخل المغرب عهدا جديدا من العدل والحرية) . وإذا كان البنك الدولي قدر النشاط الاقتصادي للرشوة بحوالي 80 مليار دولار سنويا, أي ما يعادل المبالغ المخصصة من صندوق النقد الدولي لانقاذ الاقتصاد الآسيوي من أزمته الأخيرة, فإن من الصعب اعطاء أرقام وتفاصيل مادية عن (اقتصاد الرشوة) في المغرب, الا أن هناك من المؤشرات ما يكفي للتدليل على تضخم حجمه, سواء عبر الصفقات العامة التي تعد مجالا مفتوحا على كل أشكال الاستغلال اللامشروع والاغتناء الشخصي, أو خرق القوانين المتعلقة بالجمارك. ومن هنا, كان تركيز برنامج الحكومة الحالية على (تخليق الحياة الإدارية والعامة) . وقد اتخذت في هذا السياق جملة اجراءات في مقدمتها تفعيل قانون (التصريح بالممتلكات) واقرار وثيقة مرجعية لتطوير وتحسين السلوك الإداري تقوم على منطلقات ثلاثة: أخلاقية وترشيدية وتواصلية. ولعل المرسوم المتعلق بشروط ابرام الصفقات العامة الذي وافق عليه مجلس الوزراء, في اجتماعه الأخير, يمثل خطوة متميزة باتجاه ضمان الشفافية. ولكن رغم هذه القرارات وغيرها من الاجراءات, تبدو ظاهرة الرشوة أكثر صعوبة وتعقيدا لتجذرها في المجتمع المغربي, يضاف لذلك ان دول العالم الثالث, والمغرب من بينها, تواجه تحديات خطيرة أقلها البطالة والفقر والأمية. ويرى الخبراء ان هناك ثلاثة محاور للتصدي لهذه الآفة, يتمثل الأول في التحسيس الذي هو من صميم عمل منظمات المجتمع المدني, ويكمن المحور الثاني في الوقاية, حيث يتعين على الحكومة العمل على دراسة تقنيات وأساليب محاربة الرشوة, بينما يكمن المحور الثالث في تطبيق القانون وذلك بالضرب على أيدي الراشي والمرتشي. ولا شك, فإن تكريس الاحتفال بيوم وطني لمحاربة الرشوة خطوة في الاتجاه الصحيح, فهي تساعد على اسقاط الأقنعة وفتح الملفات والتأشير على مراكز الخلل ومظاهر التخلف والفساد الإداري, مثلما تساعد على التفكير المشترك في بلورة اصلاحات عاجلة, وفي الأسس التي يجب أن تقوم عليها هذه الاصلاحات. الرباط ــ رضا الأعرجي