دافع الدكتور مصطفى خليل رئيس وزراء مصر الأسبق عن حقبة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر, قائلا انها كانت تتضمن انشاء نظام ديمقراطي يسعى عبدالناصر لتحقيقه وفق مفهوم خاص, د. خليل الذي كان أحد الشخصيات المقربة من الرئيس الراحل أنور السادات , وأحد مهندسي اتفاقية كامب ديفيد والسلام مع اسرائيل كما اختاره عبدالناصر عام 1956 وزيرا للمواصلات, قال في حواره لمجلة المصور.. ما فعله عبدالناصر كان خطوة نحو انشاء نظام يتضمن تعدد الأحزاب وديمقراطية صحيحة بركنيها. وعن شخصية صلاح نصر رئيس جهاز المخابرات, قال خليل: لم يكن لي صلة به من خلال معاملاته الوظيفية, ولكن بالنسبة لعلاقاته الإنسانية على المستوى الشخصي كان شخصية مقبولة جدا, لديه وعي مثقف ومعقول في كل تصرفاته, ولكن ربما كانت للجهاز الذي يديره تصرفات خافية على الدولة نفسها, وهذا ما حدث ويحدث في كل مكان في العالم فليس الأمر مقصورا على مصر. وقال خليل: انه لا يمكن أن يجرؤ إنسان على القول بأن لعبدالناصر علاقة بقتل المشير عبدالحليم عامر, فقد يختلف الكثيرون حول شخصية ناصر بالنسبة لأسلوب الحكم, وطريقة معالجته للمعارضة, فلقد كان مدفوعا بشعور يسيطر عليه هو عدم اتاحة الفرصة لأحد للقضاء على الثورة, ولكن لا أعتقد انه كان مسؤولا عن قتل أي انسان فهذه ليست شخصيته. وانتقد خليل ما ردده البعض من ان عبدالناصر اكتسب عقلية تآمرية, وقال: هو أبعد ما يكون عن ذلك.. رأيناه كثيرا في اجتماعات مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء يستمع إلى مختلف الآراء.. لم يصادر رأيا. ولم يمس إنسانا بكلمة تخدش كرامته.. كان يتمتع بشخصية جذابة.. كاريزما تدفع من أمامه إلى القبول بآرائه ولكنه لم يحدث وان تبنى سياسة فرض الأمر الواقع.. وكان ولاعا بالقراءة.. وفي مجلس الوزراء كان يقرأ التفاصيل ليكون على علم بها.. وأضاف د. خليل ان عبدالناصر لم تكن له حياة اجتماعية.. بل انه أمضى حياته في مكتبه وفي حضور الاجتماعات الرسمية. ويتذكر الدكتور خليل واقعة تثبت وجهة نظره ان عبدالناصر كان أبعد ما يكون عن الديكتاتورية, تتعلق برفض هيئة السكك الحديدية قضبانا من تصنيع مصنع الحديد والصلب لانها غير مطابقة للمواصفات, وأخبره عبدالناصر بذلك, الا انه أصر على رأيه وأحضر له عينة فاقتنع عبدالناصر ولم يفتح الموضوع ثانية ولم يتدخل فيه. وعن تأميم قناة السويس والوحدة مع سوريا وحرب اليمن والتي يثير حولها البعض لغطا واتهامات لعبدالناصر ونظامه بأنه كان نظاما مغامرا, يفسر خليل الأسباب التي دفعت عبدالناصر إلى الاقدام على كل من تلك الخطوات, بالنسبة لقناة السويس قائلا ان مصر لم تكن على يقين بأن القناة ستؤول إليها مع سنة 1968 وكانت لديها مخاوف من أن تعمد الشركة المالكة لأسهم القناة إلى خلق مشاكل وربما تدعي افتقار مصر للكفاءة اللازمة لدى المرشدين العاملين بالقناة, أما العدوان الثلاثي في 1956 فيراه مصطفى خليل انه لم يكن مبررا على الاطلاق, كان عدوانا مائة في المائة استهدف في الأساس شخص عبدالناصر الذي صمد وبذل الكثير من الموارد والوقت لمؤازرة حركات التحرير في افريقيا وغيرها من المناطق وهو ما يحسب لعبدالناصر. فان تأييد مصر للجزائر في حرب التحرير حدا بفرنسا أن تنتقم من مصر, واتفقت مع اسرائيل على العدوان.. ويتذكر خليل أزمة 1956 فيقول (وزعت علينا الأسلحة كي نتدرب على القتال والدفاع عن النفس, وخصصت ساحات من أجل ذلك, لم أشعر بالخوف على الاطلاق ولم أتوقع أن تصاب مصر بأي أذى.. كنت على يقين بأننا سنصمد وبأن الله معنا.. في مجلس الوزراء اقترح عبدالناصر أن يسافر إلى لندن في أعقاب العدوان مباشرة لكي يشرح الموقف لهم, ووقع الاقتراح على أعضاء مجلس الوزراء الـ 17 وقتها موقع الصاعقة, واتفق الجميع على انه يعرض نفسه لمخاطر كبيرة, فمن الممكن أن يقوموا بعمل ضده كاغتياله أو القبض عليه واستجاب عبدالناصر لوجهة نظر مجلس الوزراء. أما بالنسبة للوحدة مع سوريا فكان من الطبيعي ألا يرفضها عبدالناصر وهو الذي طالما دعا إلى الوحدة العربية, ويدافع د. خليل عن هذه الخطوة بقوله: الوحدة كانت حلما يداعب كل دولة عربية في ذلك الحين. كانت كل دولة تفكر في مستقبل الوحدة وفي الوقت نفسه تخشاها لانها قد تضر بمصالحها الخاصة.. وكان عبدالناصر واقعيا من الناحية السياسية عندما فكر في الوحدة مع سوريا بوصفها خطوة نحو تحقيق وحدة أشمل في المستقبل.. ويتذكر د. خليل في اجتماع مجلس الوزراء: أخبرنا الرئيس عبدالناصر بالعرض السوري الذي جاء به رئيس جمهورية سوريا شكري القوتلي وكان واضحا ان هناك بيانات ومعلومات كثيرة يتم بموجبها الاتفاق على الوحدة بحيث نتفادى رد الفعل بالانفصال كما حدث.. أما السبب الرئيسي الذي أملى الوحدة ــ كما يراه د. مصطفى خليل ــ فهو ان سوريا كانت ترى انها الركيزة التي يمكن أن تقف حائلا دون المد الشيوعي, وكان القوتلي يهمه عدم وجود نظام شيوعي, كما ان عبدالناصر كان يحارب الشيوعية تماما كما حارب الاتجاه الديني في ان يتحول إلى اتجاه سياسي في مصر. فالتقى الاثنان على قاسم مشترك. وعن حرب اليمن يرى مصطفى خليل ــ خلافا للمنتقدين ــ ان حرب اليمن كانت مبررة ولها أسبابها بل انه يقرن بين حرب اليمن وموقف الجزائر في سعيها لتحرير نفسها من الاستعمار الفرنسي, في ذلك الحين كان حكم الإمام في اليمن حكما ديكتاتوريا مطلقا, ورأى عبدالناصر انه إذا كان ينادي بتحرير الشعوب فيجب ألا يقتصر التحرير على التخلص من الاستعمار الأجنبي فقط, وإنما يشمل التحرير من الأنظمة التي ترفض أي تطور للظروف التي تمر بها الشعوب. ولكن ما حدث بعد ذلك من نتائج لم يأت من جراء حرب اليمن في حد ذاتها ولكن من جراء وجهة النظر السعودية في هذه الحرب التي رأت فيها تهديدا لأمنها. ووقع اتفاق مرض بين عبدالناصر والملك فيصل. كان الاتفاق يدعو إلى انسحاب القوات المصرية من شمال اليمن. أما اليمن الجنوبي فكان تحت الاستعمار البريطاني يومها, وانسحبت بريطانيا بالفعل منه وبعد ذلك تأسس في اليمن حكم سيطر عليه الشيوعيون, وتأخر عبدالناصر في سحب القوات المصرية, ورأت السعودية وأمريكا ان وجود الجيش المصري في اليمن يهدد أمن مناطق البترول في الخليج. القاهرة ــ البيان