انها صفقة, تتنازل بمقتضاها دول المجموعة الاوروبية عن اجزاء من سيادتها الوطنية في مقابل مزيد من التقدم والرخاء الاقتصادي لشعوبها. في ظل العملة الموحدة لن تستطيع اية دولة من الدول الاعضاء معالجة العجز في ميزانيتها عن طريق طبع مزيد من اوراق البنكنوت. اكبر تجمع اقتصادي على ظهر الارض قوامه 350 مليون نسمة, حجم انتاجهم نحو ستة تريليونات دولار, اي اكبر بنحو 29 بالمائة من اجمالي الانتاج الامريكي. المفروض ان العمل بالعملة الاوروبية الموحدة (اليورو) سوف يدخل في حيز التنفيذ ــ وفقا لنصوص اتفاقية ماستريخت الموقعة من جميع دول المجموعة الاوروبية ــ اعتبارا من العام المقبل 1999, على ان يجري التعامل باليورو بالتوازي مع العملات المحلية, وبشكل متصاعد على حسابها, وخاصة في المعاملات البنكية وحسابات المناقصات المصرفية والتحويلات المالية عبر الحدود, بحيث يتسنى استبدال كل العملات الاوروبية الراهنة باليورو مع مقدم عام 2002.. هذا هو المفروض. ورغم كل ما يبدو على السطح من خلافات او تناقضات طارئة او موروثة, فان الخلاف ليس حول المبادئ المتفق عليها, وانما الخلاف حول المدى الذي يمكن ان تتحقق معه عملية استبدال العملة المحلية بالعملة الاوروبية الموحدة.. وحول طول او قصر فترة الانتقال.. واكثر المراقبين يعتقدون ان التعجيل بالعملة الموحدة يعني اتخاذ خطوة عملية واسعة ومضمونة في اتجاه الوحدة الاوروبية الشاملة او بمعنى اصح اقامة الولايات المتحدة الاوروبية على الجانب الشرقي من المحيط الاطلسي على غرار او في مواجهة الولايات المتحدة الامريكية على جانبه الغربي.. وبالتالي فان اي تباطؤ في اتخاذ هذه الخطوة قد يؤدي الى تعزيز النعرات القومية, ومن ثم تعطيل الوحدة او ربما ارجاؤها الى اجل غير مسمى. غير ان المسألة في الواقع اكثر تعقيدا من هذه المقابلة البسيطة ولعلنا نستطيع ان ندرك بعض ابعاد هذا التعقيد عندما نستعيد للذاكرة تعليقا لواحد من كبار الاقتصاديين البلجيكيين, يقول فيه (يبدو انه لا يوجد امامنا في موضوع (اليورو) سوى احد خيارين, اما ان نرفض الامر برمته, وكاننا نهدم المعبد فوق رؤوسنا جميعا, وإما ان نشجع الانتقال بسرعة للعملة الموحدة.. وحتى لو كان معنى ذلك ان يصبح (البوندزبنك) اكبر مصارف المانيا والذي يقع مقره الرئيسي في فرانكفورت, هو البنك المركزي لكل اوروبا وهذا امر مفيد لكل شركاء المانيا في المجموعة الاوروبية, لانه سيتيح ان يكون لهم ممثلون في مجلس الادارة, وبالتالي يكون لهم رأي فيما يتخذ من قرارات, والعلم بما سيجري في المستقبل, بعد ان كانت هذه القرارات تتخذ سرا في فرانكفورت, ويجري تنفيذها عمليا دون التشاور معهم) (!!). ومع ان حجة الاقتصادي البلجيكي تبدو مقنعة, الا انها واضحة المرارة.. فالاستسلام للقيادة المركزية لمصرف بوندزبنك يجدد لدى كثيرين ذكريات الغزو الهتلري لاوروبا اثناء الحرب العالمية الثانية ويجعلهم يرددون (اليس هذا هو ما كان هتلر يريده.. اي توحيد اوروبا كلها تحت قيادة المانيا؟) . ولكن هذا القول, وان بدا صحيحا على السطح, الا انه يتجاهل حقيقة لعلها اليوم اكثر وضوحا من أي وقت مضى, تلك هي ان هتلر لجأ للعنف والحرب واستخدام اساليب القرن التاسع عشر, من أجل تحقيق غاية لم تتوفر لها بعد شروطها الموضوعية ونحن في عشية القرن الحادي والعشرين, ومن ثم كان محكوما على محاولته بالفشل.. ثم تبقى بريطانيا تمثل خميرة العكننة الكبرى في مسيرة (اليورو) . ومع ان رئيس الوزراء العمالي توني بلير وعد الناخبين اثناء الحملة التي انتهت باكتساحه المشهود لحزب المحافظين المنافس بان يحقق مزيدا من التقارب مع (القارة) الا ان الايام اثبتت ان بريطانيا ما زالت تعتبر نفسها اكثر قربا مع امريكا التي يفصلها عنها المحيط الاطلسي على اتساعه, من اوروبا التي لا يفصلها عنها سوى بحر المانش الصغير, والذي اصبح من الممكن الان ان تجتازه بالسيارة ــ في النفق ــ في اقل من ثلث ساعة.. وبالمناسبة, في ملفات وزارتي الخارجية البريطانية والامريكية مشروع قديم للوحدة بين البلدين كان رئيس الوزراء البريطاني الاسبق ونستون تشرشل قد طرحه في سنة 1943 ــ أثناء الحرب العالمية الثانية كجزء من تصوراته للمستقبل بعد انتهاء الحرب.. *** كان الاصل في العملة الاوروبية الموحدة ان تكون مجرد عملة حسابية, اي مجرد ارقام في الدفاتر.. دون ان تكون على شكل نقود او اوراق بنكنوت يمكن ان تتعامل بها مع الفنادق ومعارض السيارات ومراكز التسوق, او تكنزها تحت البلاطة بعيدا عن تقلبات البنوك ومهالك شركات توظيف الاموال.. وكان تقديرها على أساس سلة من العملات الاوروبية, يمثل المارك الالماني فيها نحو 33 بالمائة, والفرنك الفرنسي اقل من 20 بالمائة, والجنيه الاسترليني 13 بالمائة, والليرة الايطالية 10 بالمائة, والجيلدر الهولندي 9 بالمائة, فضلا عن نسب مئوية متواضعة للعملات الاقل شأنا مثل الدراخمة اليونانية والفرنك اللوكسمبورجي.. واعتبارا من 1978, اتسع العمل الى حد ما بالعملة الحسابية الاوروبية الموحدة ليشمل اعتمادات المشروعات المشتركة, وتوحيد الاسعار القياسية للمنتجات الزراعية, وصرف التعويضات, واصدار السندات, وفي السنوات الاخيرة اصبح متاحا للبلدان خارج المجموعة الاوروبية ان تتعامل مع دولها وتشتري سنداتها باليورو, حتى اصبحت هذه تمثل نحو 6 بالمائة من حجم السوق العالمي.. وهي نسبة كما نرى كبيرة خصوصا لو اخذنا في الاعتبار انها تخص عملة لا وجود حقيقي لها الا على الورق! وفضلا عن ذلك, يشغل اليورو حاليا جزءا كبيرا من المعاملات المتبادلة بين بنوك ومصارف دول المجموعة الاوروبية, كما يشكل نحو 30 بالمائة من ارصدة البنوك المركزية واحتياطيها في الصندوق الاوروبي للتعاون النقدي وتستخدم البنوك المركزية هذه الارصدة للتدخل في اسواق النقد كلما دعت الحاجة لتدعيم العملات المحلية.. *** غير ان المسألة الجاري بحثها الان في كواليس المجموعة الاوروبية هي: هل يمكن, مع قدوم سنة 2002 الاستغناء تماما عن العملات الوطنية, بحيث يصبح اليورو هي عملة التداول والبيع والشراء في جميع اسواق اوروبا؟ ام لابد من فترة انتقال طويلة نوعا ما, تجري خلالها العمليات اليومية بالتوازي.. على ان يتم سحب العملة المحلية من السوق تدريجيا.. حتى يصبح اليورو هو العملة الوحيدة المتداولة بين البائعين والمشترين, وفي شيكات المصارف وسندات البنوك؟ الواقع ان خبرة (التقدم التدريجي المدروس) التي عهدناها في تجربة الوحدة الاوروبية ترجح الاتجاه الأخير. ولكن هذا ايضا لا يخلو من مشاكل.. منها على سبيل المثال العلاقة بين العملتين المحلية والاوروبية خلال فترة الانتقال. وهل تكون على أساس تحديد سعر ثابت لا يتغير ام يترك ذلك لآليات السوق؟ والخيار بين هذا وذاك ليس سهلا كما يبدو لاول وهلة فالاخذ بفكرة السعر الثابت يفتح الباب للسوق السوداء والسوق السوداء تمثل خطرا على العملات المحلية بقدر ما هي خطر على اليورو.. وفي نفس الوقت, فان ترك الامر لآليات السوق يفتح الباب للمضاربين على مصراعيه, الامر الذي يمكن ان يؤدي الى ازمات قد يعجز عن حلها البنك المركزي.. او على الاقل قد يضطر الى خسائر ضخمة ليست في الحسبان.. كذلك يرجح الاقتصاديون ان يسبب الانتقال الى اليورو مشكلة مستعصية للدول التي اعتادت ان تعوض العجز في ميزانيتها العامة عن طريق اصدار كميات اضافية من اوراق النقد. وفي هذا الصدد يجري الان التفاوض من أجل انشاء صندوق مشترك (لموازنة الميزانيات) بحيث يمكن من خلاله معالجة العجز لدى أية دولة من الدول الاعضاء بدلا من اضطرارها لطبع اوراق نقدية اضافية. وتنحصر الخلافات في هذا الشأن حول نصيب كل دولة من دول المجموعة الاوروبية في هذا الصندوق المقترح. ويرجح العارفون ان يكون توزيع الانصبة بنفس النسب التي سبق الاتفاق عليها في السبعينات فيما يتصل بسلة العملات.. *** وايا كان الامر, فان الذي لاشك فيه ان نجاح المجموعة الاوروبية في اقرار عملتها الموحدة انما هو خطوة كبرى قد تكون بالفعل آخر خطوة كبيرة في طريق الوحدة السياسية الكاملة. وحتى قبل انجاز هذه الوحدة السياسية فإن المجموعة الاوروبية توطد باليورو اقدامها كأكبر كيان اقتصادي على ظهر الارض, يملك سوقا قوامه 365 مليون نسمة ويقترب حجم انتاجه من ستة تريليونات دولار.. اي بزيادة اكثر بنحو 25 بالمائة من حجم انتاج السوق الأمريكية بما فيها كندا والمكسيك.. وهذا امر كفيل بأن يبعد الولايات المتحدة عمليا عن عرش الزعامة العالمية, ولابد آجلا أو عاجلا من أن يدفع بالدولار عدة خطوات الى الوراء, ليحل اليورو كله كعملة دولية تقيم على أساسها كل العملات. ولنا ان نتصور بالطبع ان صناع القرار في واشنطن لن يكونوا سعداء بالمرة بهذا التطور.. ليس فقط لانه يسحب منهم صفة القطب الاوحد الذي استوى على قمة العالم منذ انهيار الاتحاد السوفييتي, ولكن وهذا هو الاهم لان بروز اوروبا القوي على هذا النمو سيؤثر اقتصاديا على الولايات المتحدة ومؤسساتها التي تجني مكاسب طائلة في العالم الثالث بنوع خاص نتيجة لانفرادها بزعامة العالم.. ولكن, من الطبيعي ان نتوقع من السياسة الامريكية ان تبذل كل ما تستطيع من جهد من أجل تفادي النزول الى المرتبة الثانية بعد اوروبا على صعيد زعامة العالم.. وفي هذا السبيل, فإن واشنطن تطبق استراتيجية ذات شقين: الشق الأول, هو محاولة الاستفادة من وضع بريطانيا المتأرجح على أمل أن تكون حصان طروادة الذي يمكنها من غزو المجموعة الاوروبية وعرقلة مسيرتها من الداخل.. والشق الثاني هو محاولة الالتفاف من ناحية الشرق, عن طريق كسب اليابان والصين وكتلة جنوب شرق آسيا كحلفاء اقتصاديين في مواجهة اوروبا.. غير ان احتمالات فشل السياسة الامريكية في كلا الاتجاهين اكبر كثيرا من احتمالات النجاح.. وقد يعجل باحتمال الفشل في عرقلة مسيرة الوحدة الاوروبية من الداخل. ان امريكا ستضطر عاجلا او آجلا إلى تصفية وجودها العسكري في اوروبا, خصوصا وان الاوروبيين لم يعودوا بحاجة الى (مظلة امريكية) بعد زوال الخطر السوفييتي.. اما عن السعي لكسب الشرق الاقصى كحليف في المنافسة المحتدمة مع اوروبا فانه يتجاهل حقيقة ان الشرق الاقصى في حد ذاته يشكل قطبا ثالثا له مصالحه وطموحاته المصطدمة حتما بطموحات ومصالح الولايات المتحدة عبر المحيط الهادي.. بينما لا تكاد توجد اية ميادين للمواجهة مع اوروبا.. وتبقى بعد ذلك حقيقة ان الشرق الاوسط ــ بما في ذلك منطقة الخليج ــ وافريقيا, سيكونان أهم ميادين الصراع بين أوروبا الموحدة والولايات المتحدة الامريكية. وهذا وضع يتطلب منا ان تكون لنا استراتيجية واقعية واضحة حتى لا نكون مجرد سمكة يتصارع على اصطيادها الصيادون من هنا او هناك.