تزداد حدة الشكوك حول امكانية استمرار العملة الاوروبية الموحدة (اليورو) وقدرتها على الصمود في وجه التحديات الكبيرة التي تواجهها سواء من داخل اوروبا او من خارجها . ويأتي الموقف البريطاني الممتنع عن الدخول في العملة الجديدة ليشكل اكبر التحديات التي تواجه (اليورو), وتختلف الآراء وتتعدد التحليلات حول موقف بريطانيا السلبي من العملة الاوروبية الموحدة بشكل خاص ومن الوحدة الاقتصادية الاوروبية بشكل عام, وخاصة ان هذا الموقف ليس وليد مشاريع العملة الموحدة فقط بل هو قائم منذ سنوات طويلة مضت, ويذكر في الستينات حينما وصف الزعيم الفرنسي (شارل ديجول) بريطانيا بأنها مثل (الصورة النشاز في اوروبا) وقال بأن بريطانيا تشعر بانتمائها لما وراء الأطلسي اكثر من انتمائها لأوروبا. ويأتي الموقف البريطاني من اليورو ليشكل تهديدات جادة للوحدة الاقتصادية الأوروبية, ويتوقع العديد من المحللين تغيرات حادة على الساحة في اوروبا بسبب موقف بريطانيا وخاصة خلال السنوات الأربع المقبلة قبل استبدال اليورو بالعملات المحلية, وقد صرح عالم الاجتماع الفرنسي الشهير (ايمانويل توود) صاحب كتاب الانهيار الأخير الذي تنبأ فيه بانهيار الاتحاد السوفييتي صرح بأن الوحدة الاقتصادية الاوروبية مشروع فاشل وان العملة الأوروبية الموحدة نظرية كاذبة لأنها تناقض الوضع الأوروبي المتناقض وغير المتجانس والمليء بالمصالح المتضاربة بين أعضائه, ويتوقع ايمانويل اختفاء اليورو قبل عام 2005. ويقول الخبير الاقتصادي من جامعة هارفارد (مارتن فالدشتاين) ان العملة الاوروبية الموحدة سوف تزرع الخلافات في الاتحاد الاوروبي وتزج به في صراعات حادة داخلية فيما بين الدول الاوروبية وبعضها, وخارجية مع الدول الأخرى خاصة الولايات المتحدة الامريكية. ولكن ما السر وراء كل هذه المخاوف ووراء الموقف البريطاني؟, وما هو دور واشنطن في كل هذه المسائل؟ يذهب البعض الى ان سبب معارضة بريطانيا للدخول في العملة الموحدة هو السياسة المالية التي تتبعها لندن والتي تميل الى رفع الجنيه الاسترليني فوق كل العملات واستقلال البنك المركزي البريطاني عن البنك المركزي الاوروبي في فرانكفورت الذي كثيراً ما يتعرض لتقلبات واضطرابات يخشى على الاسترليني منها, البعض الاخر يعتقد ان بريطانيا لا تريد ان تنضم لليورو بهدف حماية سوق المال البريطاني المنتعش دائماً في شارع (سيتي) والذي تصل عمليات التداول اليومي فيه الى 400 مليار دولار. رأي اخر يرى ان بريطانيا تخشى ضياع مكانتها في اوروبا امام التقارب والتفاهم الواضح بين فرنسا وألمانيا وانتقادهما الدائم لسياسات بريطانيا ومحاولاتهما المستمرة لاستبعادها من ريادة اوروبا خاصة بعد الحرب العالمية الثانية عندما طالب كلاً من الزعيم الفرنسي (ديجول) والمستشار الألماني (أديناور) باستبعاد بريطانيا من كل أشكال التعاون السياسي والاقتصادي في أوروبا. ايضاً هناك رأي اخر يبرر بشكل تاريخي موقف بريطانيا المضاد من أشكال التوحد الاقتصادي الاوروبي, ويقول انصار هذا الرأى ان الأمر يرجع الى عام 1914 عندما قدمت الولايات المتحدة الأمريكية دعماً مالياً كبيراً الى بريطانيا عن طريق شركة (جى بى مورجان) بلغ انذاك اربعة مليارات دولار وهو مبلغ كبير اذا ما قورن بالظروف انذاك, وقد ساعد هذا الدعم الضخم بريطانيا على التفوق على ألمانيا عسكرياً, وبعد الحرب واعترافاً بفضل الولايات المتحدة الأمريكية وضعت لندن وواشنطن سياسة اقتصادية مشتركة اقتسمتا فيها الاحتكارات النفطية الكبرى وأسستا معاً عام 1927 أقوى مؤسسة عالمية للنفط استطاعت ان تتحكم في السوق العالمية للنفط حتى بداية الحرب العالمية الثانية, وبدأت المصارف البريطانية والأمريكية توحد نشاطها مع شركات النفط الكبرى ضمن السياسة الاقتصادية الأنجلوسكسونية المشتركة القائمة على ثلاث محاور رئيسية هي: * السيطرة على النظام النقدي والمصرف العالمي. * السيطرة على المنافذ والممرات البحرية. * السيطرة على مصادر الطاقة من النفط والمواد الخام. وبعد التقارب والتفاهم الاقتصادي بدأ التقارب السياسي بين الأنظمة الحاكمة في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وتوطدت دائماً علاقات الحكومتين رغم اختلاف الأحزاب التي توالت عليها ابتداء من عهد تشرشل وروزفلت وصولاً إلى ريجان وتاتشر ثم بوش وميجور ثم كلينتون وبلير, وكلما زادت بريطانيا اقتراباً من واشنطن كلما زادت في نفس الوقت ابتعاداً عن اوروبا, وربما كان هذا هو المبرر الرئيسي للموقف البريطاني المعارض دائماً للوحدة الاقتصادية الاوروبية والذي تقف وراءه واشنطن بشكل واضح منذ (معاهدة روما) عام 1958 التي اتفقت فيها المانيا الغربية وفرنسا وايطاليا وهولندا ولوكسمبورج وبلجيكا على إنشاء سوق اوروبية مشتركة وكانت بريطانيا دائماً تعترض على توسيع وزيادة رقعة الوحدة الاقتصادية الاوروبية, ولم يكن هناك طيلة نصف قرن مضى اي مجال لتصعيد حدة الخلافات بين اوروبا من جهة وبريطانيا والولايات المتحدة من جهة اخرى نظراً لأنهم جميعاً كانوا في جبهة واحدة ضد المعسكر الشيوعي الذي كان يقوده الاتحاد السوفييتي والذي كان يجيد الى حد كبير استغلال الخلافات التي تحدث داخل هذه الجبهة, ولهذا السبب كانت واشنطن تعبث في الصفوف الخلفية في اوروبا الغربية في الخفاء وبدون اثارة مشاكل حتى لا تعطي الفرصة لموسكو, ولكن رغم هذا كانت اوروبا وخاصة فرنسا وألمانيا دائماً على وعي بما تفعله واشنطن ولندن في اوروبا. وقد كتبت صحيفة (الاندبندنت) البريطانية في مطلع اكتوبر الماضي تتهم واشنطن ولندن بأنهما يلعبان الدور الأساسي في تقويض دعائم الاقتصاد العالمي بسبب تحالفهما ضد أوروبا منذ مطلع الثمانينات, وقالت الصحيفة ان هذا التحالف هو الذي سوف يؤدي الى زيادة تفاقم حدة الأزمات الاقتصادية في العالم وسوف يقوض دعائم سيطرة الغرب على الاقتصاد العالمي, وأضافت بأن ادارتي ريجان وتاتشر أعطتا أهمية أكبر من اللازم لنظام السوق الحرة ودفعتا بهذا النظام خارج حدود الغرب بشكل عشوائي وغير منظم ولا يتلاءم مع حجم ومستوى الأسواق الأخرى الضعيفة وذلك بهدف جعلها أسواقاً تخدم السوق الغربية, وسوف تتسبب هذه السياسة في توالي الأزمات العالمية التي سوف تصل في المستقبل القريب الى أوروبا وتغمرها, وحينذاك لن تمد واشنطن يدها لبريطانيا لتنقذها من الأزمة بل ستتركها تغرق مع أوروبا وتذهب تحمي اقتصادها وحدها حتى لا تلحقها الأزمة. وطالبت صحيفة الاندبندنت الحكومة البريطانية بالتخلي عن سياساتها الموالية دائماً لواشنطن على حساب وضد مصالح اوروبا. ولكن ما هو مدى تأثير موقف بريطانيا على الوحدة الاقتصادية الاوروبية وعلى بقاء ونمو العملة الاوروبية الموحدة اليورو, وهل يستطيع التحالف الامريكي البريطاني ان يصنع شرخاً عميقاً في جدار هذه الوحدة ويقوض دعائمها في المستقبل. يذهب بعض المحللين الى أن تقويض دعائم الوحدة الاقتصادية الاوروبية وفشل العملة الموحدة (اليورو) في سنواتها الأولى سوف يحدث ولكن ليس بفعل دسائس واتفاقات لندن وواشنطن وحدها ولكن بفعل تداعيات الأزمات الاقتصادية العالمية التي بدأت في جنوب شرق آسيا ثم روسيا ووصلت امريكا اللاتينية وتنخر الان في عظام العملاق الياباني وسوف تصل الى اوروبا الشرقية بعد أيام ثم تنتقل منها الى معقل الرأسمالية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الامريكية, ويتوقع لها الخبراء هذا النمو والتطور قبل بداية القرن المقبل اي في خلال عامين, ويستدلون على ذلك بفشل كل الحلول المطروحة حالياً لحل الازمات القائمة, ويقول الخبراء انه لو طرقت الازمة ابواب اوروبا الغربية فسوف تهرب كل الدول من الاتحاد الاوروبي وتسعى كل دولة من أعضاء الاتحاد وخاصة الغنية منها الى التخلي عن التزاماتها تجاه باقي الدول أعضاء الاتحاد, وسوف تتمسك كل دولة بعملتها المحلية التي سوف تكون بالنسبة لها قارب النجاة الصغير عندما تصبح سفينة العملة الموحدة الكبيرة مهددة بالغرق. وبجانب هذه النظرة التشاؤمية هناك رأي يذهب الى أن الموقف البريطاني الامريكي تجاه الوحدة الاقتصادية الاوروبية سوف يضر بريطانيا نفسها والتي سوف تصيبها العزلة, وربما يتسبب موقفها من العملة الموحدة في طردها في المستقبل من كل أشكال التجمعات الاوروبية السياسية منها والاقتصادية, وفي هذه الحالة سوف تكون هي الخاسرة ولن تعوضها الولايات المتحدة عن كل هذه الخسائر, بل ربما تذهب واشنطن نفسها لتحسن علاقاتها مع دول الاتحاد الاوروبي وتبحث التنسيق معها لمواجهة مخاطر من مصادر اخرى, وتبقى بريطانيا في منتصف الطريق. اما الرأي الأخير فيرى ان العالم على وشك الدخول في عصر الانهيار الرأسمالي الذي تنبأ به ليس فقط فلاسفة الشيوعية ولكن أيضاً العديد من علماء وخبراء الرأسمالية انفسهم امثال (جوزيف استيجلتز) كبير خبراء البنك الدولي الذي قال بأنه (لا يوجد اي دليل علمي او عملي يقول بإن سياسة الاقتصاد الحر وتحرير الأسواق المطبقة في الغرب ممكن ان تطبق في باقي دول العالم, وسوف تفشل هذه السياسة وتتسبب في أزمات اقتصادية عالمية تصل تداعياتها الى داخل الدول الرأسمالية الكبرى وتخلق فيما بينها صراعات وخلافات سوف تنمو بمرور الوقت لتقويض دعائم وأركان النظام الرأسمالي الذي لم تستطع الشيوعية تقويض دعائمه طيلة القرن العشرين. وهكذا يمكن القول بأن الموقف البريطاني من العملة الموحدة في اوروبا هو بداية لتقويض دعائم النظام الرأسمالي وشرخ عميق في جدار الوحدة الاوروبية ينبئ بعصر جديد من الصراعات وربما من الحروب, وكما يقول المستشار الألماني السابق هيلموت كول بأن قرار العملة الموحدة في اوروبا يعني بالتحديد قرار الحرب أو السلام في القرن المقبل, وسوف يرتبط استقرار الأمن والسلام في أوروبا الغربية في القرن المقبل بمدى نجاح هذه العملة الموحدة.