منذ انبثاق الولايات المتحدة دولة عظمى قائدة على اثر الحرب العالمية الثانية, ظلت عملتها الوطنية الدولار, هي العملة العالمية السائدة . اكتسح الدولار كل العملات الأخرى التي حاولت منافسته بعد ان تمكن من تصفية نفوذ الجنيه الاسترليني على الاقتصاد العالمي, وتمكن من أن يصمد امام النفوذ المتنامي للمارك الهولندي والين الياباني, وهو النفوذ الذي أخذ يتصاعد خلال الثمانينيات, الى الحد الذي اوهم الكثير من محللي الاقتصاد العالمي بأن النظام الاقتصادي العالمي على وشك ان يصبح ثلاثي القطبية ولكن عجز كل من المارك والين عن مواصلة تناميهما خلال التسعينيات, عزز مجددا من مكانة الدولار, وهو الامر الذي اوهم فريقا اخر من المحللين بأن النظام الاقتصادي العالمي سيصبح مثله مثل النظام السياسي العالمي, احادي القطبية. كانت عبقرية النظام السياسي الامريكي والقدرات الابتكارية للشركات الامريكية وراء النجاحات المتزايدة للدولار, وهنا فإن الحديث عن القدرات الاقتصادية وحدها ـ وهو الامر الذي يقصر بعض المحللين الاقتصاديين تركيزهم عليه ـ لا يفسر لنا بالكامل اسباب تفوق الدولار. والا فكيف يمكن تبرير سيادة الدولار عالميا مع ان اسهام الولايات المتحدة في التجارة العالمية لا يتعدى العشرين بالمائة من حجم تلك التجارة, وهو الامر الذي لا يتماشى مع حقيقة ان الدولار ظل العملة المستخدمة فيما بين اربعين الى ثمانين بالمائة من مختلف انواع التعاملات النقدية العالمية. هذا بينما كانت الدول الاوروبية مجتمعة تتفوق على الولايات المتحدة من حيث اسهامها في التجارة الدولية, الذي وصل الى نحو خمسة وعشرين بالمائة, بينما ظل استخدام العملات الاوروبية في التعامل النقدي العالمي يتأرجح ما بين عشرة الى اربعين في المائة من حجم التعامل النقدي العالمي. المقارنة الماضية اذا حصرناها على اطار الاقتصاد وحده, يمكن ان تبطل قاعدة اقتصادية راسخة مؤداها ان قوة العملة عالميا تستمد من حجم اسهام مصدرها في التجارة العالمية. ولكن الواقع ان نفوذ الدولار عالميا مستمد ايضا من قوة النظام السياسي الامريكي, كما هو مستمد من دقة ومهارة وعمق وتعقد الابحاث الاقتصادية والنقدية في الاوساط الاكاديمية والتجارية الامريكية. وهي الأبحاث التي يستفيد منها المستثمرون والاقتصاديون العالميون فهي تنير امامهم طرق التعامل الاقتصادي, وتخفّض لهم تكاليف البحث المستقل, الذي كان ينبغي ان يقوموا به لخدمة مشاريعهم الاقتصادية, وبالتالي اضحوا يفضلون التعامل بالدولار, اي العملة المترافقة مع مصدر البحوث الاقتصادية الرفيعة القيمة. هذا بالطبع لا يعني تجاهل العوامل الاقتصادية الصرفة, وهي المحددات الخمسة, التي تحكم اداء العملات العالمية, وهي: (1) حجم الاقتصاد الذي تمثله تلك العملة واسهامه في التجارة العالمية من حيث التصدير والاستيراد. (2) مدى استقلالية ذلك الاقتصاد عن الضغوط والقيود والسيطرة الخارجية. (3) سهولة تبادل العملة مع العملات الاجنبية. (4) سعة وعمق وسيولة اسواق رأس المال الذي تمثله العملة. (5) استقرار وقوة الاقتصاد الذي يقوم على التعامل بتلك العملة لاسيما على الصعيد الخارجي. هذه محددات لابد من تحققها بدرجة عالية حتى تكتسب العملة الوطنية مصداقية كافية وتنال ثقة المتعاملين دوليا في أسواق المال. وقد ظلت اوروبا تتفوق على امريكا في بعض تلك المعايير, غير أنها بسبب عدم تحقق وحدة الاصدار النقدي لديها ظلت عملاتها الوطنية اقل مصداقية بكثير من الدولار, وهو ما اتضح في انخفاض نسبة التعامل بها على المحيط الدولي بأقل من التعامل بالدولار بكثير. في هذا المدى يحدثنا البروفيسور فريد بيرجستون مدير معهد الاقتصاد العالمي بواشنطن حاليا, ومساعد وزير الخزانة الامريكي لشؤون الاقتصاد الحالي, ومساعد مستشار الامين القومي الامريكي لشؤون الاقتصاد العالمي سابقا, فيقول ان اوروبا تتفوق على امريكا كثيرا في اطار المعيارية الاولية. فحجم الانتاج الاجمالي الداخلي لاوروبا هو في حدود 8,4 تريليونات دولار مقارنة بــ 7,2 تريليونات دولار للولايات المتحدة. اما مساهمة اوروبا في التجارة العالمية فهي بحدود 1,9 تريليون دولار مقارنة بــ 1,7 تريليون دولار للولايات المتحدة. اما في مجال التبادل النقدي العالمي, فلأوروبا كما للولايات المتحدة تقاليد اقتصادية راسخة تحول دون اللجوء الى فرض قيود التحويل النقدي, وطالما ان الامر يتصل هنا بتقاليد عميقة تحكم هيكل الاقتصاد برمته, فمن المستبعد ان يلجأ اي من الطرفين الى فرض قيود على التبادل النقدي في المستقبل الوشيك, حتى ولو طرأت ظروف ضاغطة على الاقتصاد سواء محليا او عالمياً. بقي على أوروبا ان تلحق بالولايات المتحدة في مجال التأمين سعة وعمق وسيولة اسواق رأس المال. فالأسواق الاوروبية لا تزال في طور عدم الاتحاد والمركزية. ولاتزال اوروبا تفتقر الى مؤسسة حكومية مركزية مثل وزارة الخزانة الامريكية لتوفير نقطة ارتكاز لاسواق رأس المال, وربما احتاجت الاسواق الاوروبية الى زمن طويل لتلحق بالاسواق الامريكية في هذا المضمار. اما على مستوى المعيار الخامس فان الاقتصاد الاوروبي مثله مثل الاقتصاد الامريكي يتمتع باستقرار وقوة ملحوظتين, حيث لا تلوح في الافق محاذير التضخم او الاضطراب التي يُخشى منها على اضعاف وضع العملة في الاسواق العالمية. وبمضي الزمن ينتظر ان يؤدي تكامل الاسواق النقدية الاوروبية, الى أن تتضاءل تكاليف التبادلات النقدية الى طور التلاشي, وان تنخفض تدريجياً اسعار الفائدة وهو الامر الذي بدأ يتحقق فعلا حتى من قبل موعد اصدار (اليورو) , وان تتسع اسواق رأس المال, ويزداد التعامل العالمي بعملة اليورو, انتقالا اليها من سيطرة وهيمنة الدولار. على المدى القريب ينتظر ان تعاني البنوك الاوروبية كثيرا من تكاليف مرحلة الانتقال. ولأخذ فكرة مبسطة عن ذلك فان مجرد تغيير شيكات تلك البنوك وماكينات الصرف فيها قد يكلف اكثر من مائتي مليون دولار, هذا بالاضافة الى تكاليف التدريب ومعاناة العمل مع المستثمرين والجمهور, وما قد تتعرض البنوك من دعاوى قضائية بسبب ما قد تنجم عنه اضطرابات اعمالها في الفترة الأولى. ومما يزيد عناء الاجهزة المصرفية الاوروبية ما يتوقعه اكثر المحللين من انهمار ارصدة كثيرة على تلك المصارف, واتجاه جهات استثمارية عديدة الى استبدال اليورو بالدولار.. وهنا يتوقع ان يتوجه ما قيمته اكثر من تريليون دولار الى المصارف الاوروبية خصما على قيمة التعاملات العالمية بالدولار. على المدى الوسيط ينتظر ان تتوطد قيمة اليورو, وتستعيد به اوروبا موقعها الصحيح في خريطة العلاقات الاقتصادية الدولية, وتستقوي به سياسياً. اما على المدى الطويل فإن اصدار اليورو هو البداية الأكيدة لمسار الوحدة الاوروبية, فوحدة الاصدار النقدي تتطلب قيام اجهزة وميكانيزمات وحدوية تمارس نفوذها في كل الاقطار التي يمثل اليورو عملتها الوطنية. وهذه هي الأجهزة والميكانيزمات التي سيعهد اليها بوضع الأنظمة الاقتصادية والتجارية والضريبية, واجراءات التوظيف والعمالة.. الخ ولابد ان يكون لها حضور قوى في كل تلك الاقطار فهي مؤسسات وحدوية حاكمة بمعنى الكلمة, اذ انها تحكم عصب الحياة الاوروبية المتمثل في دنيا المال والاقتصاد, فلم يبق لاوروبا ــ وقد نفدت من اجوائها الثقافية الايديولوجيات والرومانسيات ــ الا دنيا المال والاقتصاد بحقائقها الصلبة, التي توائم التكوين العقلي والسياسي الاوروبي الحديث. هذه هي الصورة التي ستتحقق عليها وحدة اوروبا في اغلب الاحتمالات.. انها الوحدة الاقتصادية والمعيشية التي تتجه بالاوروبيين نحو مزيد من الثراء والرفاهية وضمان العمالة لكل راغب.. ومن الصعب التنبؤ باتجاه الوحدة اتجاهاً سياسيا صرفا لخلق فدرالية اوروبية شبيهة بفدرالية الولايات المتحدة, ولذا فان تخوف الانجليز يبدو وكأنه نوع من (الفوبيا) او (الهستيريا) او (الشوفونية) الفارطة.. فكل دعواهم هي الخوف من النجاح الكاسح لعملة اليورو. الى الحد الذي تتمكن به تلك العملة من اكتساح وجود (الدولة القومية ذات السيادة) , وتذويب كل الدول الاوروبية تدريجيا في دولة قارية فدرالية واحدة. نفس المخاوف تراود الامريكيين وليس أبلغ من صوت هنري كيسنجر عندما يتعلق الامر بالمصالح القومية الامريكية او الامن القومي الامريكي, فهذا المهاجر الالماني الذي لايزال يتحدث بلكنة اوروبية ثقيلة, جعل همه الاكبر طوال نصف القرن الماضي منحصراً في تأصيل مبادئ السياسة الخارجية الامريكية على اساس المصلحة المادية, ولم يكن عجباً ان يرتفع صوته اليوم كأعلى ما يكون في مناهضة اليورو والتحذير من مآل امره, وتوحيده لاوروبا في كتلة جديدة, تنخلع من سطوة امريكا, بل قد تبادلها التنافس المشوب بالعداء, فالدول الكبرى ــ شأن اوروبا الموحدة في المستقبل ــ لا يمكن ان تكون حكومة حليفة لامريكا, ولا تقبل بأن تتلقى منها الأوامر.. بل ربما لا تتفق معها في مجرد زاوية الرؤية السياسية للشؤون العالمية.. هكذا حذر كيسنجر امريكا! وهذا صحيح فاوروبا الآن ليست في نفس حاجتها القديمة للحماية الامريكية ضد الخطر السوفييتي ولذلك اخذت تتجرأ ــ حتى قبل اصدار اليورو ــ على امريكا وتتحدى اوامرها بفرض الحصارات الاقتصادية على الدول الاخرى, غير آبهة بإمكانات واشنطن في معاقبتها هي الاخرى. ان امريكا هي المطلوبة الآن لتتفهم مجمل التحولات العالمية, ولتقلل من هيمنتها المطلقة, ولتقدم مذكرات الوفاق والتنازل للقوة الاوروبية الصاعدة. والا فان الاتجاه السياسي لاوروبا الموحدة, نحو امريكا, سيكون اتجاه العداء الصريح, والصراع المكشوف, والاعتراض الكامل على السياسات الخارجية الامريكية, لاسيما في اوروبا (البوسنة وكوسوفو) والشرق الاوسط (فلسطين والعراق) واسيا والصين وكوريا الشمالية وايران) . هذه المخاطر هي التي تمنع امريكا الان من تأييد اتجاه الوحدة الاوروبية, الذي كانت تنادي به سابقا ايام سطوع الخطر الشيوعي.. وهي التي تمنع امريكا ايضا من اعلان اعترافها بالوحدة الاوروبية, فالاعتراض العلني يكشف عن ازدواجية مواقف السياسة الخارجية الامريكية, ويؤلب عليها الرأي العام الاوروبي.. وربما فات الوقت على امريكا, لتقوم بالمناورة الماهرة, التي يمكن بها ان تقطع طريق الوحدة الاوروبية, او ان تشترك عن طريقها في قطف ثمارها, وذلك بإعلان وحدة تجارية اقتصادية اوروبية امريكية على غرار (نافتا) !! كل المعطيات السابقة تشير الى ان العلاقات الاقتصادية الدولية, ستتمخض عن ثنائية نقدية قاطعة ربما ادت تدريجيا على مدى بعيد الى ثنائية سياسية متقاطعة.. استاذ العلاقات الدولية ــ المسيسبي