منذ عامين, عملت الحكومات والمؤسسات المالية وسلطات الأسواق واللاعبون الاساسيون في الاسواق المالية على تهيئة كل الأوضاع اللازمة لدخول اليورو (العملة الاوروبية الموحدة) الى الاسواق المالية وتصريف العملات في الاول من يناير 1999 . وكانت الخطوة الأولى التي تبنتها المفوضية الاوروبية في 25 مارس الماضي هي اعلانها عن قائمة الدفعة الاولى للدول المنضمة الى (اليورو) وهي: بلجيكا, ولكسمبورج, وهولندا, والنمسا, وايطاليا, وفنلندا, وفرنسا, والبرتغال, واسبانيا. وهذه الدول المذكورة تستجيب لمقاييس ومعايير الاندماج النقدي كما وضعتها القمة الاوروبية في ماستريخت عام 1992 كشرط للانتقال الى استخدام وتطبيق العملة الاوروبية الموحدة. بريطانيا والدانمارك أعربتا عن عدم مشاركتهما في الوقت الحاضر في الوقت الذي اجلت السويد دخولها الى النظام النقدي الاوروبي الى عامين ــ وبسبب العجز العام والتضخم لن تتمكن اليونان من الدخول الى هذا النظام الا في عام 2001. معاهدة ماستريخت نصت على جملة من القوانين والمعايير منها: خفض مستوى العجز الى 3 بالمائة من اجمالي الناتج المحلي, انخفاض معدل التضخم عن 3 بالمائة, مقاربة الدين العام 60 بالمائة من اجمالي الناتج المحلي, عدم تجاوز معدلات الفوائد الطويلة الامد باكثر من 2,7 في المائة كمعدل افضل ثلاث دول اوروبية, والشرط او المعيار الاخير هو المشاركة لمدة عامين على الاقل في هذا النظام النقدي الذي يتم تطبيقه وفق الاسس التالية: تحديد يوم 31 ديسمبر الحالي لمعرفة قيمة العملات الاوروبية المختلفة بالمقارنة مع اليورو, تصبح معدلات الصرف الثنائية وقيمة العملات الوطنية بالنسبة لليورو محددة وبشكل ثابت لا يمكن تعديله. سيتم تسعير اليورو يوميا بالنسبة للعملتين العملاقتين (الين) و(الدولار) اضافة الى الفرنك السويسري. بامكان المواطنين الاوروبيين فتح حسابات باليورو اعتباراً من اول يناير الا ان الاوراق والقطع النقدية لن تتوفر للجمهور قبل يناير عام 2002. التحضيرات والمعلومات واعادة تنظيم العمل الكمبيوتري والامور التقنية الاخرى جارية على قدم وساق في أنحاء اوروبا التي ستطبق العملة الاوروبية المشتركة. فاليورو كما يتوقع الخبراء سيصبح عاملا فعالا في توحيد السلوك والقوانين, في جميع الميادين وعلى الخصوص في ميدان العقوبات الجزائية. الا ان المخاطر تكمن في اختلاف القوانين من بلد الى اخر, على سبيل المثال ان تزوير العملة الفرنسية, كما تنص القوانين, تفرض عقوبة السجن المؤبد, 30 عاما, وهذه عقوبة لا تطبق في انحاء اوروبا فاليورو عندما تحل محل المارك, والفرنك والفلورون.. فان مزيفي النقود بامكانهم الاستقرار والانطلاق من هولندا لان قوانينها تفرض عقوبة على الجاني قدرها (و) اعوام. والسؤال المطروح هو: ماذا يفعل الفرنسيون.. هل سيخفضون مدة هذه العقوبة الجزائية أم ان الدول الاخرى المنضمة الى منطقة العملة الاوروبية المشتركة سوف تخضع الى القانون الفرنسي. واذا كانت العملة الفرنسية تحذر من مسألة التزييف من خلال طبعها على الأوراق النقدية فان اليورو لا تحمل اي تحذير من هذا النوع. من خلال تطبيق استخدام اليورو في تحديد الاسعار وحسابات الضريبة ومنح الرواتب, فان الاوروبيين سيدخلون في عملية حسابات مقارنة طويلة. ان لجنة لوكسمبورج تنشر كل عام تقريرها الذي تدين به اختلاف اسعار البيع, خارج الضريبة, للسيارات في اوروبا, على سبيل المثال ان سيارة طراز xantia تباع بنسبة 29,5 اغلى في فرنسا منها في البرتغال, ويتوجب على الفرنسيين منح نسبة 21 بالمائة اكثر من شراء الهولنديين لسيارة فرنسية من طراز Safrane وفي الحالة هذه طلبت لجنة بروكسل تنسيق الاسعار. لذلك تسعى شركة (رينو) الفرنسية لصناعة السيارات ان تقلص من فروقات الاسعار الى ما بين 5 و7 بالمائة حتى عام 2000. بنك Lehman Brothers الامريكي يؤكد بان (المنافسة ستعمل على تقليص جزء من فروقات الاسعار) , وتستنتج دراسته بان فروقات الاسعار في اوروبا تصل الى 10 بالمائة في الادوات المنزلية و22 بالمائة للهواتف النقالة (المحمولة) و42 بالمائة للمشروبات الكحولية و53 بالمائة لتكاليف الحسابات المصرفية. ان الاسعار المعروضة في الواجهات الزجاجية او على جهاز الانترنت بالنسبة للمستهلكين ما هي الا الجزء الظاهر من جبل الثلج العائم. ومعركة الاسعار ستظهر بشكل حاد بالنسبة لعمليات استثمار الشركات. مؤسسة الاحصاء Cap Gemini اجرت دراسة على 130 شركة اوروبية اكدت على ان 62 بالمائة من هذه الشركات تتمنى توسيع الممولين الاجانب للمواد الاولية بفضل العملة الاوروبية المشتركة اليورو. وزير الاقتصاد الفرنسي دونيك ستراوس ــ كان يترأس حاليا حركة تنسيق وموازنة الاسعار في اوروبا, وعلى الخصوص فيما يتعلق بالضرائب المفروضة على الادخار. وزراء مالية الاتحاد الاوروبي لم يتفقوا بعد على أمور كثيرة وخصوصاً حول الضرائب المفروضة على المداخيل التي وصلت الى نسب متنوعة اليوم, 60 بالمائة في هولندا, و54 بالمائة في فرنسا و40 بالمائة في البرتغال وبريطانيا. وكذلك الامر مع ضريبة القيمة الفائضة التي تنتظر هي الاخرى تنسيقا موحداً للاسعار حيث بلغت 15 بالمائة في اللوكسمبورج و26 بالمائة في المانيا و25 بالمائة في السويد, ان استخدام وتطبيق العملة الاوروبية الموحدة (اليورو) وتنوع الاسعار واختلافها في دول الاتحاد الاوروبي يجعل المواطن الاوروبي ينظم حياته بطريقة يستفيد من المميزات التي تطرحها كل دولة, على سبيل المثال ان يعمل في لندن, وان يتشافى ويعالج في فرنسا, وان يودع امواله في اللوكسمبورج, ويأخذ تقاعده في اسبانيا. لذلك فان الحكومات الاوروبية مضطرة الى التقريب بين قوانينها وتشريعاتها. ان عملية تطبيق العملة الاوروبية الموحدة عام 1999 تعتبر حدثا مميزاً في العلاقات الاقتصادية العالمية مع نهاية القرن العشرين ذلك لانها تؤدي الى دمج الاسواق السلعية والخدماتية والمالية لتصبح من اكبر الاسواق المالية العالمية على الاطلاق لانها ستتحكم في حوالي 35 بالمائة من التجارة العالمية و30 بالمائة من حركة رؤوس الاموال. اذن اننا الان امام منطقة نقدية عالمية جديدة تؤثر على البلدان التي تتعامل مع الدول الاوروبية المنضمة الى الاتحاد الاوروبي وفي المقدمة البلدان العربية التي ستكون مضطرة الى الدخول لهذه المنطقة النقدية كطرف او شريك نظرا لاهمية وحجم المبادلات الاقتصادية بينها وبين دول الاتحاد الاوروبي. ان اليورو او العملة الاوروبية الموحدة ستصبح, بلاشك, عملة قوية ومستقرة في العالم, لذلك تصبح ضرورية في عملية الاستثمارات في البلدان العربية. سلبيات (اليورو) الاجتماعية والاقتصادية بالرغم من جميع الايجابيات التي تقدمها العملة الاوروبية المشتركة في تنشيط الاقتصاد العالمي الا ان ثمة سلبيات تعتريها كما حددها استاذ الاقتصاد التونسي الخبير عبدالفتاح العمومي كالتالي: * لم تتمكن كل الدول الاوروبية من السيطرة الاجمالية على معدلات تضخمها مستقبلا ولا على نسب عجز موازنتها العامة ودينها الخارجي نظرا لتباين السياسات الاقتصادية والاجتماعية فيها. * تختلف الدول الاوروبية فيما بينها بالنسبة لدرجة النمو فهناك دول تشهد معدلات انمائية مرتفعة كالمانيا وفرنسا وبلجيكا ودول اخرى تعرف نسب تنموية متوسطة كايطاليا وهولندا, ودول ذات مستويات انمائية ضعيفة ومشاكل اقتصادية واجتماعية عويصة كاليونان والبرتغال على سبيل المثال, الشيء الذي جرّ العديد من الخبراء الى التأكيد بأن بناء اوروبا الموحدة نقديا واقتصاديا يتطلب مراحل زمنية طويلة, لاسيما وان الاتحاد الاوروبي يشتمل على دول متعددة السرعة في بنائها الاقتصادي وتكاملها مع بعضها البعض. * لابد من اقامة ترتيبات مع المنظمات الاقتصادية الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي الذي يحتاح الى التشاور مع البنك المركزي الاوروبي بشكل دائم حول مسائل السياسة النقدية. وكذلك تقاسم البنك المركزي الاوروبي ومجلس وزراء الاقتصاد والمال الاوروبي مسؤولية وضع سياسات الصرف في الاتحاد النقدي. وعلى الاعضاء التقيد بالتزاماتهم العامة مع صندوق النقد الدولي ومع نظرائهم في الاتحاد الاوروبي لضمان وجود نظام صرف مستقر اضافة الى التشاور مع المنظمات الدولية حول السياسة النقدية المطبقة في منطقة اليورو التي ستكون مستقبل العملة العالمية الثانية الى جانب الدولار. ومما لاشك فيه ان استخدام العملة الاوروبية وتنفيذ الوحدة النقدية والاقتصادية الاوروبية سيكون له انعكاسات على عمل صندوق النقد الدولي وسياساته المطبقة حاليا. ولعلنا نضيف الى كل ذلك ملاحظة هامة وهي ان المعارضين للعملة الاوروبية المشتركة التي تحقق لبلدان اوروبا الاندماج السياسي والاقتصادي والاجتماعي, يرون في غياب العملات المحلية وتلاشي دور البنوك المركزية وتدخل البنك المركزي الاوروبي في صياغة السياسات الاقتصادية لدول الاتحاد, التخلي عن السيادة الوطنية لكل دولة. ادمون جوف, خبير شؤون التنمية والتعاون الدولي واستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس يؤكد على سلبيات من نوع اخر لتطبيق استخدام العملة الاوروبية المشتركة قائلا الخشية تظل حقيقية من ان تتنصل اوروبا من التزاماتها تجاه الجنوب ورغم العلاقات الأزلية بين اوروبا وكل من افريقيا والعالم العربي, فانه يوجد تخوف موضوعي من ان تتركز اهتمامات اوروبا على اليورو وعلى عملية التوسيع. ان مخاوف شركائنا التقليديين هي مخاوف شرعية وعلى الاوروبيين الحذر وتجنب التضحية بالجنوب قربانا للشرق ولليورو من هنا ضرورة احياء الاتفاقيات الموقعة والدفع بها. ان مستقبل اوروبا يرسم جنوبا ايضا.. انها مسألة ثقافة وحضارة والعملة الواحدة بمفردها عاجزة عن صياغة التاريخ. (اليورو) .. المنافس القوي للدولار لأول مرة, ومنذ انتهاء الامبراطورية الرومانية, تصبح للاوروبيين عملتهم الخاصة الموحدة. وهي رهانهم على الوحدة والسلام. وكما نرى ان يوغسلافيا تمزقت لكنها رغم ذلك تشترك بعملة واحدة وهي الدينار. وفي هذا الاطار سيصبح اليورو العملة الصعبة القادرة على منافسة الدولار. والسؤال المطروح هو: لماذا يتمتع الدولار بكل هذه القوة وهذه الهيمنة؟ فمن بين 1578 مليار دولار او ما يعادلها التي تشكل احتياطي البنوك العالمية فان 66 بالمائة منها تتكون من الدولار حسب تخمينات البنوك العالمية. كما ان حوالي نصف المبادلات التجارية العالمية تتم من خلال عملة الدولار, وبموجب صندوق النقد الدولي ان هناك 375 ملياراً من الدولار يتم تداولها في الخارج اي نصف الكمية المتداولة في الولايات المتحدة نفسها. وهكذا فان اوروبا هي الاخرى ستصبح قارة اقتصادية كما يؤكد خبراء الاقتصاد, وذلك من خلال درجة انفتاح اوروبا الموحدة على العالم الخارجي, اهمية صادراتها بالمقارنة مع الناتج المحلي الاجمالي في الوقت الذي تنخفض فيه معدلات الناتج المحلي الاجمالي بنسبة 10 بالمائة في كل من الولايات المتحدة واليابان. لذلك فان عملة اليورو لن تتأثر بنسب سعر الصرف. وهذا يعتمد على البلدان الاوروبية وتنسيق موازناتها المالية, وحتى لو تتحول ديون البلدان الاوروبية الى اليورو فانها تحافظ على تميزاتها الوطنية. ومن أجل ان يحافظ البنك الاوروبي المركزي على استقلاليته يجب ان يضع في احتياطياته الذهب بدلا من الدولار كما لاحظ ذلك محافظ البنك المركزي الفرنسي. المسؤولون السياسيون الامريكيون يعتبرون ان انشاء وتكوين عملة اليورو ليس لها تأثيرات كبيرة على اسعار القروض للولايات المتحدة في المرحلة الاولى. كما ان قوة الدولار حسب الخبراء هي التي تمنح الولايات المتحدة قوتها في التدخل العسكري. ان الاسس الدستورية والقانونية التي صاحبت انشاء وخلق العملة الاوروبية من شأنها ان تمنحه الاستقرار والثبات. كما ستتمكن اليورو من خلق سوق نقدية مما يجعلها على نفس مستوى العملة الامريكية. اضافة الى ان الدول الاوروبية التي لم تدخل في هذه العملة ستضطر الى التعامل والاستثمار بها, وخصوصا البلدان الاوروبية الشرقية التي ستضطر الى تمويل عجزنا الخارجي بالعملة الاوروبية الموحدة. الا ان اليورو ليس بامكانه ان ينافس الدولار على المدى القصير والمتوسط لاسباب اهمها: يمثل الدولار عملة احتياط بالنسبة للدول والمؤسسات النقدية والشركات والخواص, يمثل الدولار وسيلة دفع وتسديد للمبادلات او لتدخلات المصارف المركزية. يمثل الدولار وحدة حسابية لتحديد اسعار المواد الاولية او التعامل مع الديون او تحديد قيم وفواتير الصفقات العالمية. النتائج والتوقعات المستقبلية من الواضح ان دول الاتحاد الاوروبي الخمس عشرة تحاول توسيع رقعة تطبيق العملة الاوروبية الموحدة والمسألة الاولى تطرح على الدول الراغبة في الانضمام الى منطقة اليورو وهي تواجه مشكلة الميزانية واسعار الصرف. فمن الناحية العملية ان جميع البلدان الاوروبية (الاتحاد الاوروبي), باستثناء اليونان, تحترم معيار عجز الميزان الذي هو 3 بالمائة من الناتج المحلي الاجمالي. وباستثناء اليونان, فان فرنسا تجاوزت معيار العجز بــ 3,02 بالمائة. ان النتائج والتوقعات المستقبلية ستبدأ في 31 ديسمبر في الساعة 11,30 ظهراً اي توقيت استخدام اليورو: ومن هنا عندما تختفي العملات الاخرى الفرنك والمارك والليرة وغيرها من التعاملات التجارية, انذاك تبدأ عملية الحسابات. ومن هنا تبدأ عمليات شبكات الكمبيوتر الحسابية التي تعمل تحت اشراف البنك المركزي الاوروبي ووزراء المالية للدول المعنية. الفرنسيون هم من اوائل الاوروبيين الذين حددوا سعر اليورو بــ 6,63 فرنكات فرنسية. ولأول مرة في اوروبا وعن الطريق السلمي, يقرر 290 مليون اوروبي ان يتوحد مصيرهم وذلك بالاشتراك في عملة موحدة. ولذلك فقد اشار وزير الاقتصاد الفرنسي بأن اليورو لم يظهر عن طريق الغزو العسكري او عن طريق وقوع كارثة اقتصادية بل نتج وتحقق عن طريق المفاوضات الدبلوماسية التي بدأت في عام 1989. والسؤال المطروح هو: * كيف سيتعامل اليورو في حالة وقوع الازمات المالية والاقتصادية؟ ** من الوهلة الاولى نستنتج بأن وقوع ازمة مالية في بلد معين من بلدان الاتحاد الاوروبي يستوجب نجدة وتنسيق البلدان الاخرى دون قيد او شرط. ويرى الخبراء ان استجابة اليورو للازمة الاقتصادية والمالية ستكون ضعيفة او على الاقل انها ستكون اضعف من استجابة الدولار وذلك يتعلق بالناتج المحلي الاجمالي ومدى صموده او عجزه ونسبه ومعدلاته التي هي 3 بالمائة في الوقت الحاضر, كما بينا ذلك فيما سبق. والسؤال المطروح: هل ان البنك المركزي الاوروبي قادر على توفير السيولة النقدية اللازمة في حالة الازمة. ان البنوك المركزية في كل من الولايات المتحدة واليابان اثبتت قدرتها على الاستجابة السريعة لمثل هذه الازمات. لنفترض ان دولة اوروبية معينة تعاني من عجز داخلي اقليمي.. كيف يتمكن البنك المركزي الاوروبي من التدخل في توفير السيولة للديون العامة في هذا البلد في حين يعتبر ذلك شأنا اقليميا. الا ان حركة وعمل البنك المركزي الاوروبي ستكون اكثر فاعلية في السنوات 1999 ــ 2002 لانه سيوقف سعر الفائدة الذي استخدمه حتى بداية العام المقبل ــ وهو سعر الفائدة الذي قرره الالمان عبر بنك Bundesbank. والحقيقة ان هذه الفترة ستشهد صعوبات على الصعيدين الاقتصاد والميزانية. ان سياسة الميزانية ستكون ثابتة ومستقرة بحيث تمنع تجاوز نسبة 3 بالمائة من عجز الناتج المحلي الاجمالي. على اية حال, ان اسعار الصرف مع اليورو ستكون ذات اهمية كبيرة اذ ان العملة الاوروبية الموحدة الجديدة لا تزال ضعيفة بسعر صرفها مع الدولار ومع الجنيه الاسترليني, والذي يؤثر بالتالي على عملية التضخم وطلب النقد في منطقة اليورو والذي سيوجه بدوره سياسة اسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الاوروبي. ان ثبات واستقرار اليورو سيعتمد بالدرجة الاولى على معدلات التضخم في كل دولة من دول الاتحاد الاوروبي والتي تشهد انخفاضا ملموسا في الدول الخمس عشرة باستثناء اليونان بالمقارنة مع الناتج المحلي الاجمالي. اليورو سيغّير من عادات المستهلكين في غضون مدة قصيرة اي بعد انتهاء هذا الشهر وبداية السنة الجديدة, ستصبح العملة الاوروبية المشتركة اليورو حقيقة ماثلة ولكن هذه الحقيقة ستجلب معها الكثير من الاضطرابات. ما هي مشاعر الاوروبيين ازاء هذه العملة الجديدة؟ هل ستكون مفرحة ام باعثة على القلق؟ العملات والقطع النقدية من اليورو لن تكون متداولة في الأسواق قبل ثلاث سنوات الا ان النظام النقدي والأسواق والميادين الاخرى ستتغير في القارة القديمة فالعملة الاوروبية المشتركة ما هي الا اداة للاندماج الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لاوروبا. وهذه العملة الموحدة ستحول اوروبا الى اكبر سوق في العالم. اضافة الى انها تجنب منطقة اليورو جميع مخاطر اسعار الصرف ومن الممكن ان ينتظر الاوروبيون تخفيضا في الاسعار ذلك لان الاختلافات بين البلدان الاوروبية لن تكون منظورة. اما الشركات فستشهد حركة منافسة شديدة. وفي دراسة حديثة اجريت مؤخراً انه حتى عام 2003 ستشهد الاسعار انخفاضاً بنسبة 20 بالمائة كما ان ضريبة فائض القيمة او ما تسمى بــ TVA ستتراوح بين 15 بالمائة في اللوكسمبورج الى 22 بالمائة في فنلندا. وستساعد العملة الاوروبية المشتركة ــ اليورو ــ في تنشيط عمليات المبادلات التجارية بين البلدان الاوروبية ذاتها. فالشركات ستتبع استراتيجيتين: الاولى تطوير النمو الانتاجي المشترك لكل اوروبا, وتنسيق اسعار البيع وموازنتها من بلد الى آخر. لكن المستهلكين الاوروبيين سيواجهون تحدياً نفسياً الى حين تعميم كل الاسعار بعملة اليورو ــ ذلك لانهم سيواجهون قيمة نقدية ستقلب عاداتهم في البيع والشراء والمعاملات التجارية والخدمية رأساً على عقب وهذا ما يحتم اعادة تربية نهج الاستهلاك. وفي دراسة ظهرت في فرنسا تؤكد أن المستهلك يرى بأن ليتراً من الزيت بسعر 9,20 فرنكات يعتبر غاليا بينما سعر المادة نفسها عندما تتحول الى اليورو تصبح 1,42 يورو تبدو رخيصة الثمن في نظر المستهلك ذاته ايضا. وماذا سيفكر الايطاليون والبرتغاليون الذين يسددون ثمن فنجان القهوة بآلاف الليرات؟ فالمستهلكون سيقعون ضحية لما يطلق عليه الخبراء بــ (الوهم النقدي) ومن الواضح ان اوروبا بأكملها بدأت عملية التطبيع مع عملتها الجديدة من خلال الاعلان عن اسعار البضائع والسلع بالعملتين اليورو والعملة الوطنية لكل بلد من بلدان الاتحاد الاوروبي وذلك لفرض تعميم الاعتياد على استخدام العملة الجديدة. انها فترة التحول نحو نظام نقدي جديد كانت اوروبا تحلم به منذ انهيار الامبراطورية الرومانية.