مع اقتراب موعد بدء التعامل بالعملة الأوروبية الموحدة, التي وافقت عليها احدى عشرة دولة من بين دول الاتحاد الاوروبي الخمس عشرة, مايزال الجدل محتدماً في الأوساط البريطانية بشأن انضمام المملكة المتحدة للوحدة النقدية الاوروبية من عدمه . فالحكومة البريطانية الحالية التي شكلها حزب العمال بعد انتصاره في الانتخابات البرلمانية التي جرت في مايو 1997, لم تتخذ موقفاً مختلفاً عن حكومة المحافظين السابقة فيما يتعلق بالانضمام للعملة الاوروبية الموحدة وحتى فيما يتعلق بالعديد من القضايا المرتبطة بالاتحاد الاوروبي. ورغم ان هناك ــ داخل حزبي الحكومة والمعارضة ــ من يدعو الى عدم الابتعاد نهائياً عن العملة الأوروبية الموحدة, الا ان هؤلاء يبدون في موقف أضعف من أن يتمكنوا من اقناع الطرف الاخر المعارض تماماً للوحدة النقدية الاوروبية. وهذا ما جعل فكرة طرح القضية في استفتاء عام تكون الكلمة الأخيرة فيه للشعب البريطاني.. ويأمل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير, هو وعدد من اعضاء حكومته المتحمسين لفكرة انضمام بلادهم للوحدة النقدية الاوروبية, ان يتمكنوا من حسم هذه القضية عقب الانتخابات البرلمانية المقبلة التي يأملون ان ينتصر فيها حزب العمال مرة أخرى, دون ان يستبعدوا فكرة الاستفتاء العام, وعلى أمل أن تثبت السنوات المعدودة الأولى لليورو الاوروبي نجاحه أو على الاقل استحالة فشل هذا المشروع الاوروبي الطموح. بحيث لا تتكرر كارثة انضمام بريطانيا لآلية تبادل العملات الاوروبية او ما يطلق عليها (اي. أر. إم) خلال عام 1992 وما نتج عنها من خسائر مالية كبيرة تكبدتها الخزانة البريطانية ودفعت الحكومة حينها الى اتخاذ قرارها بالانسحاب من تلك الآلية في عام 1993. مجلة الايكونومست البريطانية واسعة الانتشار اعتبرت ان العملة الاوروبية الموحدة التي سيبدأ العمل بها في الاسواق التجارية وأسواق الاسهم الاوروبية لا ينتظرها مستقبل واعد كما يتوقع البعض. بل انها ستعاني من التقلب والنتوءات اللذان سيضعفان الاقتصاد الاوروبي. وأضافت المجلة في تحليل لها عن مستقبل أسواق المال الأوروبية بعد بدء التعامل باليورو مع بداية العام المقبل ان العملة الاوروبية الموحدة ستكون متقلبة بسبب عاملين رئيسيين على الأقل, الأول هو ان حجم التجارة الخارجية لمجموعة الدول المشتركة في اليورو ونسبته من اجمالي الناتج المحلي سيقل عن حصتها وهي منفردة, وان الحكومات الاوروبية والبنك المركزي الاوروبي لن يكونا قادرين على التدخل لدعم قيمة اليورو مقابل بقية العملات. اما العامل الثاني فهو اسعار الصرف التي سيؤثر تقلبها على اليورو بطريقة تجعله غير قادر على ضمان استقرار الاسعار المحلية, وهو واحد من الاهداف الرئيسية التي من أجلها تقرر انشاء البنك المركزي الأوروبي. واعتبرت المجلة الاقتصادية انه سيكون من الصعب على صانعي القرار الاقتصادي الاوروبي ضمان تحقيق معدلات نمو متشابهة في الدول الاعضاء في العملة الاوروبية الموحدة, لان اقتصادياتها ليست نسخة طبق الأصل.. وهكذا فان عدم تمكن بعض هذه الدول من تحقيق النمو المطلوب اسوة بغيرها, قد يؤدي الى ارتفاع ديونها ونسب العجز في موازناتها العامة. وهنا لن يتحقق هدف آخر من أهداف اليورو وهو الحد من نسبة العجز والديون او التخلص منها نهائياً. ورغم تأكيدات رئيس البنك المركزي الاوروبي فيم داوسينبرج لاسواق المال مؤخراً بانه سيهتم بالقيمة الخارجية لليورو الاوروبي, لكن الخبير الاقتصادي ريتشارد اولسن اعتبر انه كلما توحدت اسواق السندات في اوروبا كلما أدى ذلك الى توحد سلوك المستثمرين, وهذا ليس في مصلحة الاقتصاد الاوروبي, اما بول دونوفان فقال بان اليورو قد يوفر بعض الاستقرار الى حد ما لكنه قد ينتهي كما هو حال بعض الزيجات مهترئاً ومتقلب المزاج. على ان وجهة النظر البريطانية المتشائمة تجاه العملة الاوروبية الموحدة لم تمنع ميتشل هوج الاستشاري الاقتصادي البريطاني من التأكيد على أهمية ان تستعد الشركات البريطانية لاستقبال اليورو والتعامل معه كأمر واقع, مشيراً الى ان العديد من الشركات البريطانية الكبرى تخطط بالفعل لتعديل أنظمتها المحاسبية والعمل بموجب العملة الاوروبية الموحدة. وذلك اسوة بالشركات التي تنتمي للدول المشتركة في اليورو والتي ستتوفر لها حرية الاختيار بين التعامل بعملتها المحلية او باليورو وخلال الفترة الانتقالية التي بدأت من أول يناير عام 1999 وحتى 31 ديسمبر عام 2001, قبل ان تستبدل جميع عملات الدول الاعضاء في الوحدة النقدية والاقتصادية الاوروبية باليورو. ومع اشتداد حدة الخلاف حول انضمام بريطانيا من عدمه والتحضير للاستفتاء المنتظر تستعد الحكومة العمالية لسن عدد من التشريعات التي تمهد للمرحلة المقبلة من العلاقات البريطانية الاوروبية. ومن بين هذه التشريعات قانون يحدد سقف نفقات الحملات الدعائية التي تسبق الانتخابات والاستفتاءات بحيث لا يتجاوز المبلغ الذي ينفقه احد المعسكرات المتنافسة خمسة ملايين جنيه استرليني. ومن المتوقع ان يشمل هذا القانون المنتظر نصاً يمنع الحكومة من استغلال نفوذها أو استخدام ما يتوفر لها من المال العام لصالح الموقف الذي تتبناه.. وفي هذا الاطار يستعد طرفا الموقفين البريطانيين المؤيد والمعارض للانضمام للوحدة الاوروبية النقدية لحشد قواهما وامكانياتهما مبكراً.. فالمليونير بول سايكس تعهد بانفاق 20 مليون جنيه لاقناع الرأي العام البريطاني برفض الانضمام لليورو. اما انصار الانضمام الذين يتقدمهم اللورد هوليك رئيس شركة يونايتدنيوز اندميديا (الاعلامية) فقد حذر من عدم نجاح معسكره في توفير الاموال اللازمة لحملته. ومهما اختلفت الاراء هذه الايام, وقبل ان يتم العمل بالعملة الاوروبية الموحدة, فان عدداً كبيراً من المراقبين يجمعون على أهمية ان يتريث القرار البريطاني وأن يكون مدروساً ومبنياً على حقائق وارقام مؤكدة, بحيث لا يكون الامتناع أو التردد في الانضمام لليورو مجرد موقف عاطفي تغلب عليه الطبيعة البريطانية التي مازالت حتى اليوم تعتبر انه ليس من مصلحة بريطانيا العظمى الانصهار اكثر من اللازم في الهوية الاوروبية. بقلم: ناجي الحرازي