رغم ما شهدته الفترة المنصرمة من مخاوف وتردد, لم يعد هناك من يشكك في الانطلاق الفعلي لليورو, اذ لم يعد مجرد حلم. فابتداء من يناير الحالي, سيكون للاسواق المالية موعد مع عملة جديدة نتجت عن زواج اوروبي فريد .. زواج كان اصله رغبة (قادة الاوطان) وهو اللقب الذي اطلقه الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديجول على اوروبا في ان تصبح عملتها الجديدة وحدة النقد الاولى في العالم, وان تنافس الدولار الامريكي كعملة عالمية لاحتياطات الدول. وباقتراب موعد تداول اليورو, تبرز الاختلافات الشاسعة في نظرة مختلف الشرائح الاجتماعية والاقتصادية الاوروبية لهذا الضيف الجديد, وفي كيفية تعاملها مع هذا القادم المجهول, فبعد ان كان مصدر الخلافات بين الدول الاوروبية هو تصميم العملة, لونها, شكلها او تحديد المعايير والشروط التي يجب الايفاء بها لكسب العضوية ضمن لائحة اليورو, اصبحت فرنسا اليوم تواجه مشكلا يتعلق بمدى تأثير التعامل المالي الجديد على الحياة اليومية للمستهلك العادي. ونظرا لضخامة الاعمال والتدابير التي على الدول الاعضاء القيام بها لادماج اليورو في الحياة اليومية لمواطنيها, فان اللجنة الاوروبية قررت تحديد فترة انتقالية, بتعبير اخر سيصبح اليورو عملة فرنسا انطلاقا من اول يناير المقبل, الا انه وبالموازاة مع ذلك بامكان الفرنسيين التعامل بالفرنك الى غاية يونيو 2002 الذي حددته اللجنة كآخر اجل للانطلاق الفعلي للعملة الاوروبية الموحدة بالنسبة للجميع. وهكذا يبقى لكل فرد فرنسي حرية اختيار موعد انطلاق تعامله الشخصي مع اليورو, اعتباراً من 1999 ولغاية 2002. وبامكاننا تصور كل السيناريوهات.. بما في ذلك ما اشار اليه الفرنسي هرفي جيفان في كتابه (استراتيجيات اليورو) , وهو ان تنفرد الطبقة المقررة بالتعامل مع العملة الجديدة في الوقت الذي ستمنع فيه العامة من حق فتح حساب باليورو او أي تعامل آخر مع العملة الجديدة قبل حلول 2001. طبعاً يقول القانون غير ذلك فهو يشير الى انه انطلاقاً من 1999 لن يكون هناك لا منع ولا فرض بالتعامل باليورو. بالمقابل, ابدت الشركات الالمانية رغبتها الفورية في انطلاق تعاملاتها المالية بهذه العملة, وهذا يعني مبدئياً انها سترفض التعامل مع كل من تحمل فواتيره ارقاماً بالفرنك أو بأية عملة اوروبية اخرى, ففترة الانتقال هذه ستكون لها سلبيات كثيرة, فالمحللون يرون ان الفوز سيعود على من يبادر بالشراء باليورو, البيع باليورو, التفكير باليورو, او بصفة عامة العيش باليورو. وتستمر المخاوف الواضح, ان الدول الاوروبية واعية تماما ومتأكدة من مدى قدرتها على توقع وتحمل نتائجه. صحيح ان الانتقال الى اليورو سيكون له قيمة مرتفعة بالنسبة للمؤسسات الفرنسية. وفي هذا الصدد. هناك من يحدد النسبة في 1,5 في المائة او 2 في المائة من رقم المعاملات, في وقت يرى فيه آخرون ان النسبة ستصل الى 3 في المائة. الا ان تغير العادات الناتج عن التعامل باليورو ستكون له عواقب وسلبيات على بعض المؤسسات, خاصة ان احصاء اجرته هيئة متخصصة بالتحليلات المالية اوضح عدم اهتمام عدد كبير من الشركات الفرنسية بدراسة, او على الاقل التفكير جديا بتأثيرات التعامل باليورو. من جهة اخرى, يبدو ان الادارات المالية للشركات الكبرى ستكون اول المستفيدين من التعامل باليورو. اذن, عملة موحدة ستسهل الكثير من الاجراءات, وللاشارة فان الشركات المسجلة بالبورصة ستصبح, انطلاقا من 4 يناير 1999 مسهمة باليورو, ذلك ان مبادرة مؤسسة ما بتبن سريع للعملة الاوروبية الموحدة يعكس مدى انتعاشها وحيويتها, وهذا ما يبحث عنه المستثمرون والزبائن او الممونون. بالنسبة للشركات المتوسطة المتخصصة في التصدير, وايضا بالنسبة للشركات الكبرى, فان تجاوز العملات الاوروبية والاستغناء عنها مقابل عملة موحدة هو قطعا امر ايجابي, فبعدما كان صندوق مالية هذه المؤسسات مجبراً على التعامل مع عدد قد يتجاوز 23 من العملات المختلفة, اصبح بامكانها اليوم الاستغناء عن سبع عملات او ثمانية. وعلى الرغم من كون اختلاف الصرف قد اختفى بالنسبة لبعض العملات منذ عدة سنوات فان المعطى الجديد مهم جدا. اذ ان وصول اليورو وبداية التعامل بدلا يعني تبسيط العمليات وتقليص المشاكل التقنية فقط, بل هو عبارة عن تغيير جذري وهيكلي في التكوين المالي للشركات, فمثلا سيصبح تسيير المالية بالنسبة لمجموعة دولية اكثر تمركزاً, وتحديد الحاجيات سيتم على المستوى الاوروبي بدل الاهتمام بكل بلد على حدة. وعلى العموم ستتقلص كلفة التسيير بالنسبة للمالية. وبصفة اخرى ستعكف الشركات على دراسة تسيير مخاطر الصرف بدل الاهتمام بعمليات الصرف. ولكن التأثير المباشر لهذا سيكون تخلخل العلاقات بين البنوك والمؤسسات. ولا يجب في مثل هذه الحالة تصور ان تقلص عدد العملات المتعامل بها يعني تقلص اعداد البنوك, فهذه الأخيرة واعية جداً بمدى عمق التغير الذي تعيشه الساحة الاقتصادية الاوروبية بحلول اليورو, وهي لذلك تستعد لخوض غمار المنافسة, فنظرياً, ستجد المؤسسات الفرنسية نفسها امام عروض متعددة لخدمات بنوك اوروبية في الوقت الذي ستسعى فيه الى تقليص عدد المؤسسات المالية التي تتعامل معها. وهذا ــ مبدئياً ــ في صالح الشركات التي ستستفيد من تقلص كلفة القرض الناتج عن المنافسة الشرسة بين البنوك. بالمقابل, ستسعى بعض المؤسسات الى الاستفادة من خدمات مؤسسات مالية كفيلة بتسيير دولي لخزينتها. فهذه المجموعات المالية نادرا ما تفرض في المؤسسة التي ترغب في التعامل معها بشروط معقولة, حيازتها لنظام اعلامي جديد ومتطور يسمح لها بتحديد دقيق لعدد الشيكات التي تتعامل بها, عدد حركات الخزينة, حجم قروض كل فروعها, وبهذا تصبح خزينة الشركة عبارة عن مشتر صناعي للخدمات المالية من أجل تلبية حاجيات ومتطلبات مجموعته. معاناة البنوك انطلاق التعامل باليورو سيمكن المؤسسات من احتلال مركز القوة بالنسبة للبنوك, ولكنها في المقابل ستصبح اكثر هشاشة في الاسواق لأنه لن يعود هناك مجال للتفرقة بينها, اذ ان سوق الاوراق النقدية ستشهد انطلاق مرحلة من المنافسة المكثفة, فكل الفاعلين الاوروبيين سيتنافسون في نفس السوق, لن يعود هناك وجود للاسواق التقليدية التي كانت تتميز بكون كل اعضائها يتعارفون, فباستثناء بعض المجموعات الكبرى, تبقى كل المؤسسات الاخرى مجهولة خارج حدود بلدها, اما على صعيد اسواق الاسهم, فان تأثير اليورو يبدو مختلفا جدا, اذ ان أغلب الشركات المسهمة متعودة على التعامل مع عملات اجنبية, بالمقابل سيمكن تداول عملة موحدة من اجراء مقارنة بين شركات كبرى ومختلفة الجنسيات. والاكيد, ان المجموعات الفرنسية الكبرى تسعى جاهدة وتبدي رغبتها الملحة في اعطاء الانطلاق لتواصل مالي باليورو فور حلول العام المقبل, فرغم كون الحسابات المالية ستشهد بعض الصعوبات في الفترة الانتقالية, الا ان تداول اليورو في المؤسسات سيتم بسرعة تخالف توقعات السياسيين. ماذا عن المستهلك؟ طوال الفترة الانتقالية الممتدة من اول يناير 1999 الى اول يناير 2002 سيعيش المستهلك بعملتين مختلفتين, وهذا سيؤدي حتما الى مشاكل متعددة, فبالنسبة لعدد كبير من الفرنسيين لن يكون من السهل تعلم التعامل باليورو, وفي احصاء نشرته مجلة (60 مليون مستهلك) اتضح ان 51 في المائة من الاشخاص الذين تم استجوابهم يؤكدون امكانيتهم في التعامل مع اليورو, خاصة وان 38 في المائة تعودوا السفر الى الخارج, وبالتالي اضطروا غير ما مرة الى التداول بالدولار, اما بالنسبة للمجموعات الاجتماعية المتوسطة او الهشة كالعمال الاجانب, الاشخاص المسنين, الشباب الذي يعاني من البطالة, فان المشكل سيكون اكثر حدة, وحسب احصاء اجرته بعض الجمعيات, فان 25 في المائة من الفرنسيين لن يعتادوا بسهولة على التعامل مع اليورو. ولعل النتيجة المباشرة لهذه الصعوبات ستكون تقلص الاستهلاك, الا ان هناك نتيجة اخرى هي زيادة التعامل بالشيكات وبطاقات القرض, اذ انه يمكن عبر حساب مصرفي بالفرنك الاستهلاك باليورو, وذلك الى غاية 2002 فقط. فكل عمليات التسيير الجارية سيتم تحويلها في كشف حساب بالفرنك. ويبدو جليا ان الانتقال الى اليورو سيخلق بعض المشاكل الاقتصادية اهمها اضراب المستهلكين عن اقتناء اي شيء الى غاية استيعابهم لهذا التغيير, ولكن تقول اخصائية نفسية فرنسية: (صحيح ان اغلب الناس تتخوف من التعامل باليورو ولكنها تتمكن بسرعة مذهلة من تحديد معالمها الجديدة) مضيفة (ان التراجع النسبي للاستهلاك امر وارد) . عودة الى الوراء لنتذكر بداية العام الماضي, وخلافا لكل التوقعات التي أكدت ان العملة الاوروبية الموحدة ستساهم في توحيد الاوروبيين اكثر من أية سياسة ماضية. فقد تسبب التصميم المقترح لليورو في انتقادات متواصلة من لندن الى اثينا ومن باريس الى فرانكفورت, وكانت بريطانيا اكثر الدول المنتقدة, حيث اعتبر التصميم اهانة لاعتزازها الوطني خاصة ان الصحيفة البريطانية (ديلي ميل) كانت قد وصفت العملة بأنها (قصاصة ورق ملونة وباهتة) , واضافت (اهذا كل ما تمخض عنه تاريخنا الذي يعود الى 1100 عام, اما (ديلي اكسبريس) فقد قالت ان الورقة الجديدة (ورقة انتحار لكل ما هو عظيم في بريطانيا) . اما الرئيس الايطالي فقد وصف التصميم حينها بــ (الفوضى) بينما اعلن المستشار الالماني السابق هيلموت كول (ان الألوان ليست زاهية بما يكفي, والمسنون الذين ضعف بصرهم قد لا يميزونها) . ثم انطلقت صيحات الاستهجان من اليونان, حيث اكدت وسائل الاعلام هناك ان عدداً من الجزر اليونانية قد تم حذفها من الخريطة البارزة على وجه اليورو, وظلت الاصوات المنتقدة تتعالى وتتصاعد. ولم يكن التصميم محور الخلافات الوحيد, حيث ان بعض الاقتصاديين الاوروبيين كانوا قد أبدوا قلقاً بشأن الخطوات التي اتخذتها بعض البلدان بهدف الابقاء على معايير ماستريخت. كما اكدوا ان بعض الدول ستلجأ لكل الألاعيب بهدف الابقاء على مقاييس المعاهدة, والامر الذي خالف التوقعات خلال العام الماضي هو تخوف ألمانيا بشكل جدي بخصوص ضمان انضمامها. ان كانت الارقام الاحصائية المتعلقة بــ 1996 تشير الى ان العجز الالماني قد بلغ 3,9 في المائة من الناتج المحلي الخام, بينما تحدد اتفاقية ماستريخت العجز الاقصى في 3 في المائة, وقد أدت تلك الوضعية الى تشكيك بعض المحللين في رغبة ألمانيا للانضمام الى الوحدة النقدية في موعدها المحدد, خاصة وان معدل البطالة كان في ارتفاع مستمر. نجاح رهين باتفاق منذ بداية المفاوضات والاجتماعات بخصوص اليورو, والجميع متأكد من ان نجاح العملة الموحدة رهين باتفاق فرنسا وألمانيا ان الجميع كان متأكداً من مدى الاختلاف الكبير بين النظريتين الفرنسية والالمانية لهذا الزواج الاوروبي, فاذا كانت فرنسا تطمح في تغيير كلي لعملتها او لعلها كانت تبحث عن عملة اخرى لا تسعى ألمانيا الا الى تغيير اسم عملتها ليصبح (يورو) بدل (مارك) ان اي المعاملات التي كانت تجري في البورصة الالمانية في بداية العام الماضي, وكذلك الارباح التي حققتها ولا تزال تحققها الشركات هناك, خير دليل على ان ألمانيا ليست بحاجة الى عملة رخيصة, اي سياستها النقدية بصحة جيدة, وهي لذلك كانت تخشى ان يؤدي طرح اليورو الى تبنيها لعملة ضعيفة, او على الاقل ذات قيمة اضعف من قيمة المارك, اضف الى ذلك انه باليورو ستضطر ألمانيا الى التخلي عن دور القيادة الذي كانت تتميز به. فبعد عقود من التنافسية النقدية تمكنت (الباندسباك) ان تجعل من (الدوتش مارك) العملة المثال, لهذا السبب أبدت المانيا تحفظها ازاء انضمام ايطاليا للاتحاد في تاريخه المحدد, وكانت ايطاليا قد احتجت ضمن مجموعة اخرى من دول جنوب الاتحاد الاوروبي على امكانية بقائها على هامش الاتحاد النقدي, وهنا نتذكر تحذير عضو مجلس ادارة بنك (دوتيشيه) اورلش كارتليري (اذا انضمت ايطاليا ودول اخرى معينة فستكون هناك قنبلة موقوتة داخل الوحدة النقدية الاوروبية. ان النجاح المالي الذي نعمت به حكومة روما مؤخراً لا يمكن ان يستمر على المدى الطويل) . كما اعلن هورست سيبرت رئيس معهد كيل للاقتصاديات العالمية (انه اذا انضمت ايطاليا فسيخرج اليورو ضعيفاً على الارجح, ويتفاقم التضخم في اوروبا, وتحدث حالة من عدم الاستقرار المالي في اسواق العملة العالمية, وتدب خلافات سياسية بشأن سعر صرف الدولار مقابل اليورو) . ونشير الى ان هذه التصريحات جاءت في قمة (دافوس) المنعقدة العام الماضي, وكان وزير الاقتصاد الالماني قد نفى حينها وجود اي مساع لتأخير ايطاليا وان انضمامها أمر يتوقف على تنفيذ المعايير التي نصت عليها معاهدة ماستريخت. ان دوافع المانيا للانضمام الى اليورو كانت سياسية, وهي غير ذلك بالنسبة لفرنسا, فالحكومة الفرنسية تعتبر ان للسياسة النقدية تأثيراً على المدى القصير, غير آخذة بعين الاعتبار تأثيرات هذه السياسة على المدى البعيد, وعلى حد تعبير جان يواسانا العضو السابق في مجلس السياسة النقدية, فان فرنسا تتصور انه يكفي اغلاق (صنبور) النقود للحد من التضخم, والحقيقة غير ذلك تماماً, او على الاقل فان مفعول تأثير النقود لا يسري بهذه السرعة, اما على المدى البعيد, فتأثير النقود يظهر بصورة أوضح, على سبيل المثال, البلد المتقدم في عصر التكنولوجيا المتقدمة يضطر الى التركيز على الانتاج ذي القيمة المضافة الاكبر, اذ سيخلق فرصا للعمل في قطاعات متقدمة كالرادارات والبرامج الاعلامية. فالعملة القوية تدفع بالدول المتقدمة الى السير على هذا النهج, وهذه احد تأثيرات السياسة النقدية على المدى الطويل. وتعتبر ألمانيا ان السياسة النقدية شديدة الخطورة, وهذا ما جعلها تخول مسؤوليتها لمؤسسة حرة. اما فرنسا فترى ان الاهمية القصوى للسياسة النقدية تحول دون ترك القرار فيها بين اياد بيروقراطية. كان هناك, اذن, اختلاف جذري بين كل من التصور الفرنسي والالماني, الا ان الرغبة السياسية القوية التي ابدتها ألمانيا في انجاح الوحدة الاوروبية جعلتها تقدم بعض التنازلات. ولكن, وبعد اقتراب موعد طرح اليورو, هل ستستمر ألمانيا في تقديم التنازلات؟ هل ستنجح العملة الاوروبية الموحدة امام اختلاف النظرتين الفرنسية والألمانية للسياسة النقدية؟ صحفي مغربي متخصص في الشؤون الاقتصادية