(أبو عبد الرحمن) أمير جماعة في تنظيم الجهاد, جزائري الجنسية, صال وجال في مدن اليمن وجبالها, وانتهى به المطاف لمواجهة تهمة الارهاب والتخريب أمام محكمة ابتدائية عام 95 وفي صنعاء , بعد أن سلمه مشائخ منطقة الضالع الذين لجأ إليهم عقب أعمال عنف في المنطقة حصدت أبرياء وخربت منازل وهدمت صوامع. ولم يكتب لاجراءات المحكمة السير في جلساتها, وأسدل الستار عن القضية, حتى عاد اسم (أبو عبد الرحمن) للتداول رسميا الأسبوع الماضي عندما كشف اللواء حسين عرب وزير الداخلية اليمني انه كان أحد المطالب الرئيسية للجماعة التي اختطفت السياح الأوروبيين في محافظة أبين الأسبوع الماضي, ونتجت العملية عن مقتل ثلاثة بريطانيين واسترالي ومصري وغير قليل من اليمنيين, واقتادت الشرطة أمير المجموعة (أبو الحسن) زين العابدين الحضرمي, إلى السجن ولا أحد يسأل الآن وسط كل هذه الضجة الإعلامية من سيكون أمير الآخر في السجن هل أبو عبد الرحمن أم أبو الحسن, فالقضية أكبر من مقتل أربعة رهائن, وأشمل من أن تكون مرتبطة بقضايا تنموية, ذات صلة بعمليات الاختطافات للسياح والأجانب, والشارع اليمني لا يتعامل معها كقضية اختطاف ومقتل بعض الرهائن, ولا يبدي تعاطفا مع الضحايا لانشغال عواطفه مع ما يجري في شارع الرشيد وما يتعرض له أطفال ونساء العراق, فمن الواضح قطعا ان القضية تختزل أخطر الملفات اليمنية للصراع التي أججت الأزمة وزعزعت الوحدة وفجرت الحرب, وأفضت الى مساومات أغلقت كل منافذ الاستقرار والتعايش والنمو في اليمن. بدأت محاكمة (أبو عبد الرحمن) بجلسات علنية, ظهر فيها خطيبا مفوها وألمح إلى كشف حقائق فسرت حينها بأنها محاولة لتحويل محاكمته الى محاكمة لربما تمس محاكمة النظام, وتفتح ملف الارهاب في اليمن, وسلسلة الاغتيالات والتفجيرات التي شهدتها البلاد, وطالت أكثر من 150 قياديا قبل حرب صيف ,94 وأسدل الستار عن القضية وعاد (أبو عبد الرحمن) من المحكمة إلى السجن وهو يرتل ما تيسر من الذكر الحكيم بلكنة فرنسية, وبعد ثلاث سنوات نقل أبو الحسن من محافظة أبين إلى صنعاء مكبلا بالقيود, وعلى ضجيج بيانات الشجب والتنديد بالارهاب, وكلمات العزاء لأسر الضحايا الاوروبيين, وبفارق ان كواليس التحقيقات شهدت في البداية مساومات ساخنة في ثلاثة اتجاهات مثلتها السلطة (حزب المؤتمر الشعبي) وشريكه تجمع الاصلاح, والثالث جماعة الأفغان اليميين والأعراب, أما في الثانية فتشهد الكواليس مساومات ومشاورات بين السلطة, ولجان التحقيق الأمريكية والبريطانية, ويراودهما في الكر والفر قيادات في تجمع الاصلاح ووجاهات ذات صلة في البلاد, وفيما تبدو أحزاب المعارضة في حالة ارتباك, فرئيس مجلس شورى الاصلاح عبد المجيد الزنداني اطلق دعوته للسلطة بالاحتكام الى القضاء, دون التردد في الحكم القاطع ان اعمال الارهاب والاغتيالات هي حوادث ثأر بين هذه الجماعات والنظام السابق في الجنوب اليمني, فالحرص على خلط الأوراق سمة مشتركة عند الأطراف المعنية المختلفة بما في ذلك لجان التحقيقات التي وصلت (أمريكية - بريطانية - أسترالية). أما مركز القرار اليمني فلا يعجز عن ادارة اللعبة بدقة متناهية واقتدار مشهود له فيه, فيما يردد الشارع الشعبي اليمني والوسط السياسي, ان الله فتح على الحكومة اليمنية بالشهر الفضيل, أبوابا واسعة للهروب من معالجة قضايا البلاد والعباد التي أنهكت الجميع. في ملف الارهاب والعنف في اليمن, تبرز ثلاثة اتجاهات رئيسية اتفقت منذ قيام الوحدة اليمنية في 22 مايو ,90 حتى حرب صيف ,94 واختلفت بعدها ثم تباعدت وتخاصمت ولم تصل بعد الى فترة التناحر, وان كان البعض يرى في عملية اختطاف ومقتل الرهائن الأسبوع الماضي أحد المؤشرات لتصاعد الأزمة ودخولها منعطفا خطيرا. في الفترة الأولى لاتفاق مايو 90 وحتى بعد حرب 94 اتفقت كل التيارات المتشددة والمتطرفة والأفغان العرب والبدو اليمنيون, على التصدي للوحدة مع الشيوعيين في جنوب اليمن, ورفضوا دستور الوحدة, ثم انتقلت العملية الى الاغتيالات وتصفية الخصوم جسديا, وتصاعد الأمر مع الأزمة السياسية, ووجدت أطراف عسكرية في السلطة هذه الجماعات وسيلة لتنفيذ مآربها لتصفية الآخر, وتقاسم الجميع رفض الآخر, وهروبا من الوحدة, ورفضا للتعايش مع الآخر, ولم يكن لهذا التحالف ثمنه في تغطية أول عملية ارهابية في اليمن طالت أجانب في عدن وتفجيرات فندق جولدمور مع رأس السنة الميلادية 92 واستهدفت القوات الأمريكية التي اتجهت الى الصومال واتخذت من عدن محطة لأعياد الميلاد, بل امتد الثمن لحماية معسكرات ارهابية وتهريب المتهمين من السجون (المتصدرة) في عدن, ولحج وأبين, واتسعت بعدها عمليات العنف, لكنها انتقلت من الأجانب والسياح الى قيادات اشتراكية, وزعامات وطنية يمنية, وترافق ذلك مع تصاعد الاستعدادات لاندلاع الحرب, وتوزعت الأدوار, وشهدت المعسكرات الشمالية حملات مكثفة للتحريض والتوعية من التكفير ورفض التعايش وطالبت بعض معسكرات الجيش الجنوبي دعاة الفتنة والحرب لحضور والقاء محاضرات مماثلة فرفضت, وان كان هدف الغاء الآخر ورفضه هو نصيب أحد أطراف هذا التحالف, فان نصيب الطرف, والاطراف الأخرى هو الالغاء للآخر على ايقاعات أحلام قيام دولة اسلامية وتطبيق (الشريعة الاسلامية) من بوابة تحويل جبال المراقشة في أبين إلى بيشاور ولم تصمد حقائق 75 ألف مسجد في طول اليمن وعرضه أمام هذا الاتجاه. وانتهت حرب صيف ,94 وبدأت عملية فرز جديدة ومثلت الغنيمة والنهب والسلب التي أعقبت الحرب المحطة الأخيرة للقاء هذا التحالف الذي لم تفرق قذائفه بين أنابيب مصنع (البيرة) ومنارات المساجد وقبب وأضرحة الأولياء, وسارت القافلة بثلاث طرق, ودخلوا المرحلة الجديدة من أبواب متفرقة. فريق سار باتجاه مساومة السلطة, وتمخض الغزل الى اعلان دخول قيادات متهمة سابقا بالارهاب الى عضوية اللجنة الدائمة (المركزية) لحزب المؤتمر الشعبي العام منهم طارق القضيلي وجمال النهدي (فرا من السجن) واحتفظا بالاصدقاء القدامى وسارا في التجارة, وتحديدا في مجال العقارات وباستخدام وسيلة سطوة ونفوذ السلطة بدلا من ارهاب الجماعة. وفريق تمسك بموقعه كتيار في تجمع الاصلاح واتجه الى الاستثمار في قطاعات مختلفة وبتربية جيل جديد من خلال مؤسسات تعليم وتدريب لعرب وعجم من القدماء والجدد. وتيار ثالث أكثر تشددا هضمته واستبعدته السلطة وجماعاته السابقة, فقيدت حركته في قيام دولة اسلامية من خلال تهديم الأضرحة, وتفجيرات الأعراس الجماعية, ومنعته من اقامة معسكراته الجديدة, وفوق ذلك صادرت ممتلكاته واستثماراته, التي رأت فيها وسيلة لتقوية نشاطاته, وهذه العملية تصاعدت منذ تفجيرات الأعراس الجماعية في عدن والضالع واعتقال أبو عبد الرحمن, مرورا بملاحقات ومنع قيام معسكرات في يافع, والجوف, وعتق, وحطاء, وانتهاء بالعملية الأخيرة, للرهائن الأوروبيين. وفي التيارات الثلاثة توزعت الجماعات من غير اليمنيين, مصر الجزائر, السودان ليبيا, الصومال .. الخ, وفي المسار لثلاث سنوات جرت مساومات وصفقات, اتفقت تارة واختلفت أخرى, لم تذكرها الأخبار كما لم تهتم بها الأحزاب, ويبدو واضحا ان القيادات التي تواجه اليوم تهمة الارهاب, وعملية قتل الرهائن الأوروبيين, لم تعد تأبه فقط بالتمسك بمشروع الجهاد الأفغاني. وباستثناء الحزب الاشتراكي المعارض فان بين الجماعات الإسلامية المتطرفة والارهابية والمتشددة, والأحزاب المعارضة والتابعة في اليمن حالات من الود والهدنة غير المعلنة, فلا تثار قضايا الارهاب والتطرف ما جعل من قضاياها بعيدة عن أنظار المراقبين, ولا تخفى على المتابع الحصيف, كما لم تقم أي فعاليات وندوات لمناقشة هذه القضايا طيلة الفترات الماضية, وكانت آخر وأهم ندوة علمية أقيمت في اليمن في يونيو 1989م نظمها معهد باذيب, وجهاز أمن الدولة في الجنوب سابقا, وأحيطت بالسرية التامة, وشارك فيها خبراء عرب وأجانب, ومن يقلب ملفات الارهاب بما في ذلك ملف هذه الندوة يجد ان كلمة أمن الدولة اختتمت بعبارة (وننصح بعض الرفاق القياديين بالتخلص من المسابح (السبح) التي يستخدمونها للتسلية, لقطع الطريق أمام الرغبة في إطلاق اللحى) ..!! صنعاء ــ عبد الله سعد