مع مطلع العام الجديد 99, سيتم العمل على تطبيق وحدة النقد الاوروبي بين الدول الاحدى عشرة (ايرولاند) في وحدة النقد الاوروبي, حيث سيتم استبدال العملات القومية باليورو داخل دول مجموعة الوحدة في أسواق المال , بما في ذلك البورصات والسندات والأسهم, تمهيداً للموعد النهائي للعمل التام بوحدة النقد والمقرر له عام 2002, ورغم اقتراب موعد تطبيق وحدة النقد في هذه الدول الاوروبية, الا ان عشرات التساؤلات بل الشكوك تحيط بمدى نجاح اليورو في خلق اقتصاد اوروبي موحد قوي, وتأثير العملة الموحدة على التعاملات الاوروبية التجارية بالدول الأخرى, والتحديات التي لاتزال تواجه النقد الموحد, وقد تقف عائقاً دون استقرارها او صمودها في مواجهة الدولار لتصبح ثاني اكبر عملة عالمية, ولقد توجه (الملف السياسي) بهذه التساؤلات الى (بييت دايكسهورن) الخبير الاقتصادي الهولندي, ومراقب حركة النقد بالبنوك المركزية بأوروبا. وكان الحوار التالي: الى اي مدى نجح النضال الفرنسي الألماني في إقرار عملة اليورو, وتأثير ذلك على قوة العملة واستقرارها مستقبلا..؟ لقد كان حلم الثنائي (المستشار الألماني السابق هليموت كول والرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران) منذ البداية هو خلق اقتصاد اوروبي قوي, وسوق اوروبية موحدة لا تمثل فيها السياسات الاقتصادية القومية لدول الاتحاد الاوروبي عائقا, سواء بسبب اختلاف العملة او القوانين الاستثمارية او الضرائب ومعدلات التضخم والفوائد البنكية, اي اذابة الفوارق التي توجد داخل النسيج الاقتصادي لمختلف الدول الاوروبية وذلك من اجل توحيد الاقتصاد الاوروبي وترسيخ كيان السوق الاوروبية, ليس بمعناه السياسي الفوقي, لكن على مستوى المواطن العادي, وبالفعل بذل الثنائي (كول ــ ميتران) كل جهودهما في هذا المجال, لا نقل لتمرير اتفاقية ماستريخت بل لتذويب الخلافات حولها من قبل الدول الأعضاء لإقرار الاتفاقية, وتم وضع عدة شروط للدول التي يسمح لها بالدخول في وحدة النقد الاوروبي, تضمنت الشروط كما نعرف جميعها خفض العجز في الموازنة الى 3%, بألا يزيد اجمالي الدين للدولة العضو عن 60% من اجمالي الناتج القومي, خفض التضخم الى نسبة لا تزيد عن 1,5% مقارنة بمتوسط اداء افضل الدول الاوروبية, والدول الاوروبية وفي مقدمتها فرنسا نفسها التي ساهمت في وضع هذه البنود تواجه مشكلات داخلية اقتصادية, كادت ان تحول بينها وبين الدخول في الدفعة الأولى لوحدة النقد حتى اخر لحظة, لولا ما حدث من تسهيلات في شروط الموازنة والمديونية لتتلاءم مع القدرات الفرنسية, والتي كان من المؤكد فشل وحدة النقد دون دخولها في هذه المجموعة كبداية لتكون واحدة من الدول الاحدى عشرة لليورو (المانيا, هولندا, بلجيكا, فرنسا, لوكسمبورج, النمسا, اسبانيا, البرتغال, ايطاليا, ايرلندا, فنلندا) , وعلى الرغم من الرفض البريطاني الانضمام لوحدة النقد في مراحله الأولى, الا ان النضال الألماني الفرنسي لم يتوقف حتى الآن لإزالة أي معوقات محتملة قد تحول دون انطلاق ونجاح اليورو, في مقدمتها انشاء البنك المركزي الاوروبي المستقل في فرانكفورت برئاسة الهولندي (فيم داوسينبرج) , واعطاء الصلاحية المطلقة لهذا البنك لتحديد معدلات الفائدة واصدار الأوراق النقدية دون الخضوع لارادة دولة اوروبية ما, وتنفذ البنوك المركزية الوطنية للدول الأعضاء في اليورو كل السياسات النقدية التي يحددها البنك المركزي الاوروبي دون اعتراض او تدخل من جانبها, كما تم تغيير النظم الهيكلية والادارية لمعظم الشركات والادارات الاوروبية خاصة الكبرى منها لتتعامل مع النظام النقدي الجديد, كما بذلت مساعٍ اخرى مؤخرا لدفع اليورو الى طريق النجاح, منها خفض دول اليورو لنسبة الفائدة لتقريب الفوارق في الفائدة بين الدول الأعضاء, فخفضت المانيا النسبة من 3,3 الى 3%, وايطاليا من 4 الى 3,5%, هولندا من 3,5 الى 3%, وبقية دول المجموعة اتجهت الى خفض الفائدة لنسبة 3% لتتواءم مع فائدة البنك المركزي الاوروبي, وهو الأمر الذي سيسهل على هذه الدول عمليات التعامل مع البنك المركزي, كما ان هناك الآن اتجاه الى توحيد نظم المعلومات في البورصات الاوروبية, وآراء تؤكد ان هناك اتجاه الى وحدة البورصة الاوروبية, وهو امر ان كان الطريق لتحقيقه طويلاً وتحفه عقبات, الا ان اوروبا قد تفعل المستحيل لانجاح وحدتها الاقتصادية, وهو امر قد تم التمهيد له في التحالف الذي تم اعلانه في يوليو الماضي بين بورصة لندن وفرانكفورت, التي اصبحت بهذا التحالف الآن من اكبر بورصات اوروبا وتضم عدد 2500 من أهم الصناديق المالية بما يعادل 1,900 مليار يورو, وتوحيد بورصات اوروبية اخرى في دول وحدة النقد الاوروبي الاحدى عشرة, سيسبقه عمل مراكز رئيسية للمعلومات عن البورصات الموحدة تخدم صغار وكبار المستثمرين في آن واحد, دون اية تكاليف اضافية داخل هذه الدول, كما تسعى فرنسا الآن لتحقيق تيسيرات للتعاون مع البورصات بالنسبة للمواطن الاوروبي, وكذلك توفير مزيد من المرونة والسهولة للمستثمر الاجنبي, حتى تتمكن البورصات الاوروبية الموحدة من منافسة البورصة الأمريكية, والبورصات الأخرى العالمية. هل يعني هذا ان دول الاتحاد الاوروبي قد وفرت لليورو العوامل التي ستؤدي الى نجاحه وقوته في الفترة الانتقالية كحد ادنى حتى عام 2002؟ لا يعني بالتأكيد ما سلف ان ذكرته انه تم وضع او حشد عوامل انجاح اليورو, نظرا لوجود تحديات اخرى خطيرة وكبيرة تواجه دول اليورو نفسها, فالهزات الاقتصادية العالمية الأخيرة التي اصابت اسيا والتي كانت سبباً في خفض حجم الطلب على السلع والمنتجات الاوروبية, وكذلك الأزمة الروسية كان لها تأثيراتها المهددة لقوة اليورو وصموده, وعلى الرغم من ان معظم الساسة الاوروبيين يقللون من حجم التأثيرات لهذه الصدمات العالمية على وحدة النقد او دول الاتحاد الاوروبي, الا ان الواقع يقول غير هذا, فهناك خمسة دول من مجموعة اليورو تمر بموقف صعب وهم المانيا, اسبانيا, البرتغال, ايرلندا, فنلندا, والدول الأربع الاخيرة على وجه التحديد تحيط بهم بعض الشكوك في قدرتهم على الالتزام بواجباتهم تجاه وحدة النقد, على الاقل حتى يتجاوز مرحلته الانتقالية, ولا يمكن انكار ان الأزمة الروسية اصبحت تهدد بركود عام في اوروبا واختلال الميزان التجاري خاصة مع المانيا التي تربطها علاقات قوية اقتصادية بروسيا, وعلى اوروبا ان تسعى لانقاذ اقتصاد روسيا لأجل نفسها ووحدتها النقدية, وهذا سيتطلب توجيه مليارات الدولارات الى روسيا, وسيؤثر هذا على قرارات البنك المركزي الاوروبي في فرانكفورت سواء شاء ام ابى التأثر بتلك الخطوة, وبالتالي سيؤثر على السياسة النقدية كلها, وهي امور لا يجب تبسيط شأنها او التقليل من قيمتها, يضاف الى ذلك ان هناك عوامل اخرى تجاهلتها دول مجموعة اليورو وقد شغلها عنها الهدف الاقتصادي, واعني بها الاهتمام بالتأثيرات السياسية والاجتماعية على الوحدة الاقتصادية, فلا تزال هناك خلافات بين الدول الأعضاء داخلياً وعلى المستوى الخارجي تجاه القضايا العالمية, وهي خلافات اظهرت دول الاتحاد الاوروبي بمظهر العاجز, فبريطانيا حليفة امريكا تحاول ان تثبت مكانتها بين فرنسا والمانيا, تارة بالرفض للذوبان في الوحدة, وأخرى برفضها الانضمام المبكر لوحدة النقد, واوروبا لم تنجح مبكرا في خلق اطار أمني مشترك, وتعتمد في امنها على حلف شمال الاطلسي الذي تهيمن عليه امريكا, هذا بجانب ان هذه الوحدة النقدية لم تسبقها وحدة نسيج اقتصادي حقيقي, مثال توحيد نظم العمل, والأجور, والمعاشات, والضمانات الاجتماعية, والضرائب, او على الأقل تضييق الفجوات فيما بينها وكل هذه عوامل تؤثر في اليورو, ويعلمها الساسة ويتجاهلونها حتى لا يشاع عنهم انهم ترددوا في مشروعهم الاوروبي (النقد الموحد) وهو امر يكلف اوروبا كثيرا, فأي تراجع عن تنفيذ وحدة النقد الاوروبي سيكلف الدول الاوروبية خسائر تبلغ 220 مليار دولار. اذاً في تصوركم ان العوامل التي تهدد اليورو تغلب على العوامل المساعدة لانجاحه, فهل ينذر هذا بفشله خلال فترته الانتقالية..؟ لم اقصد عمل موازنة بين عوامل الفشل او النجاح بقدر ما قصدت الرصد, ولا يمكن بأي حال من الأحوال التكهن بنجاح اليورو او فشله, لان أسواق المال والقرارات الاقتصادية للدول تتغير وفقا للمعطيات, ومن الواضح والمؤكد هنا ان دول الاتحاد الاوروبي لن تتنازل عن اليورو, وستبذل كل جهودها وتكدسها لانجاحه, فوحدة النقد لا تعني لها وحدة اقتصادية او قوة اقتصادية عالمية فحسب, بقدر ما تعني لها استعادتها ثقة الشعوب الاوروبية في جدوى هذا الاتحاد, ففي بداية تنفيذ الوحدة الاوروبية وازالة الحدود انطلقت وعود الساسة وتوقعات الخبراء الاقتصاديين, التي اكدت ان الوحدة ستعود بفوائد كبيرة على الشعوب الاوروبية, فستزيد معدلات التنمية بنسبة 4,5%, وستنخفض اسعار السلع للمستهلكين 6,5%, وسيتراجع العجز التجاري بنسبة 2,5%, وسيتم خلق فرص عمل للعاطلين من 1,8 الى 6 مليون فرصة عمل, الا ان الواقع حتى الان لم يحقق كل هذه الوعود او التوقعات, فلا تزال البطالة بمعدلاتها, والتضخم لم ينخفض الى الحد المقبول, والتنمية لم تزد عن 3% في معظم الاحوال, هذا من ناحية, ومن ناحية ثانية فان نجاح وحدة النقد تشكل انتصاراً لاوروبا في مواجهة امريكا ودولارها الذي ربط جميع العملات والاسعار به على مدى سنوات طويلة, واوروبا تحلم بأن تسحب هذا البساط من تحت اقدام امريكا, وان يتواجد في البنوك العالمية احتياطي من عملات اليورو على التوازي مع الاحتياطي من الدولار. ما هي تأثيرات اليورو المتوقعة على اقتصاد الدول النامية والدول العربية عامة والخليجية خاصة..؟ تبلغ نسبة الشراكة الاوروبية في التجارة العالمية 21% بينما تبلغ لدى امريكا 17%, مما يرجح تأثر الدول المتعاملة مع اوروبا بصورة كبيرة جراء العمل باليورو, ومنها بالطبع الدول النامية والعربية والخليجية التي تربطها بأوروبا الآن شراكة متوسطية, وفي تصوري انه حال نجاح اليورو, لو احسنت هذه الدول استعداداتها للتعامل مع اليورو, فان النقد الموحد سيكون دعامة اقتصادية قوية لهم, وستكون في صالح العلاقات الاقتصادية بينهم وبين اوروبا, فلن تكون هناك مخاطر بسبب سعر الصرف او فروق العملات الاوروبية, ولن تكون هناك مخاطر في تكلفة التحويلات, وسيكون اليورو عملة استثمارات جيدة, وذات اقبال كبير لوجود البنك المركزي الاوروبي خلفها يدعمها في استقرارها بالأسواق العالمية, وستصبح اوروبا منطقة جذب اكبر للاستثمارات العربية والخليجية ولن يؤثر هذا سلبا على الاستثمارات بالدول العربية او الخليجية, اذا ما اتبعت هذه الدول خطوات حديثة لجذب الاستثمارات اليها, وتشجيع اوجه الاستثمار خاصة وان طبيعة البلدان العربية تختلف عن البلدان الاوروبية, لذلك اتصور ان لكل منهم ستظل هناك طبيعة او خصائص استثمارية خاصة لا يؤثر فيها التنافس من الجانب الاخر, وهذا في تصوري هو الايجابيات لليورو, اما السلبيات التي تتردد في العالم العربي جراء النقد الموحد, فهي تتمثل في ان السوق الاوروبية نتيجة وحدة النقد ستكون سوقا لتقديم المستوى الجيد والمرتفع من الانتاج والسلع, وفي هذا تأثير سلبي على الدول التي لا تمتلك ادوات تحسين انتاجها وتقديم نوعية جيدة تقبلها السوق الاوروبية الموحدة, خاصة وان اعتماد دول الوحدة على حرية العمل وانتقال رؤوس الاموال سيجعل اقبالها على الواردات من الخارج امراً ضعيفاً, ومن هنا فعلى هذه الدول العربية من الآن فصاعداً السعي لتحسين مستوى انتاجها حتى تقبلها الأسواق الاوروبية, وحتى تكون كفيلة بدعم التعاون الاوروبي معها, والذي ستحققه وحدة النقد خاصة وان اوروبا ستصبح اكثر جاذبية كشريك تجاري ومنطقة جذب استثماري, لذلك على الدول العربية والخليجية من الآن ان تسعى لمواجهة هذا التنافس الاوروبي المنبثق من النقد الموحد, وان تسعى من خلال اتفاقيات الشراكة الى تقديم تسهيلات ومزايا واعفاءات بجانب تحسين مستوى الاداء وهو الاهم, وكذلك الاستعداد بسلة عملات في بنوكها تحتوي على اليورو على التوازي مع الدولار, حتى لا تتعرض للهزات في الاسواق وكذلك لتحتفظ بقوتها الشرائية, والدول العربية التي تربطها شراكة اوروبية سوف تستفيد افادة كبيرة حال تحول مدفوعاتها الى اليورو, اذ سيؤدي هذا الى استقرار حصيلتها او دخلها من الصادرات, اي كان تعاملها مع دولة من دول الاتحاد او السوق الاوروبية المشتركة, واذا لم تتبع الدول العربية والخليجية هذه الخطوات السالف ذكرها سوف تتأثر سلبا باليورو ولن تشعر بايجابياته المطروحة, اما بالنسبة للدول الفقيرة او النامية فتجدر الاشارة هنا الى تأثرها هي الأخرى باليورو, فتقديم المعونات الاوروبية والمساعدات لهذه الدول سيكون باليورو, وبالتالي سيؤثر هذا على العملات التي لا تتأثر بالدولار, وستصبح اكثر استقرارا داخل هذه الدول, وهو امر له تأثيراته الايجابية على اقتصاديات هذه الدول. هل يؤثر اليورو على أسعار النفط التي ارتبطت دائما بالدولار وتأثرت به ارتفاعاً وانخفاضاً؟ لو نجح اليورو في اثبات نفسه امام الدولار كعملة مستقرة, فمن المؤكد ان الدول المنتجة للبترول خاصة العربية التي تربطها علاقات اقتصادية مع اوروبا ستسعى الى ربط اسعار بترولها باليورو, وما يقال عن البترول ينطبق كذلك على اسعار الذهب والفضة, وقد تنجح الدول الاوروبية بجهودها في الاحتفاظ بقيمة عملتها مرتفعة وثابتة, وبالتالي وبصورة اتوماتيكية ستنصرف الانظار نسبياً عن الدولار, وتتجه لليورو, وبالتالي قد ترتفع اسعار البترول حال ربطها باليورو وخروجها من اسر الدولار الامريكي الذي يعرضها صعوداً وهبوطاً وفقا لقوة الاقتصاد الامريكي او الأزمات الامريكية الداخلية, لذلك فقد يكون مستقبل اسعار النفط افضل اذا ما نجح اليورو وتم ربط السعر به عالمياً. لاهاي: البيان- أجرى الحوار: سعيد السبكي