دخلت اوروبا مع بداية العام الحالي 1999 عهدا جديدا في حياتها الاقتصادية والسياسية, حيث بدأ التعامل الرسمي في البورصات والمؤسسات المالية بوحدة النقد الجديدة لاوروبا (اليورو) وقد تزامنت الاحتفالات باليورو مع احتفالات برأس السنة الميلادية ودخول العام الجديد الذي يمثل نهاية القرن العشرين وبدء العد التنازلي لولوج الالفية الثالثة. لقد احتفلت الشعوب الاوروبية بقدوم اليورو عملة القرن المقبل لتؤكد مجددا ان خطى التوحد الاقتصادي والسياسي مستمرة ومتواصلة مع كل منجز جديد يتحقق ويؤذن بمرحلة جديدة وعهد يبشر بقوة اقتصادية وكتلة سياسية تنافس الولايات المتحدة التي تدير النظام العالمي الجديد بلامنازع سيما بعد انتهاء الحرب الباردة واندثار نظام القطبية الثنائية. وبلاشك ان خطوة كهذه تبشر بظهور اوروبا الموحدة ودخولها في توازنات دولية تعيد صياغة العلاقات الدولية وتعيد التوازن الاستراتيجي الى العالم بعد ان اهتز لفترة من الزمن اختلطت فيها الاوراق وغابت العدالة في العالم وساد مبدأ الكيل بمكيالين واضحت دول العالم الثالث تائهة تتطلع لبروز قوة دولية تعيد التوازن الى العالم. لقد انخرطت احدى عشرة دولة اوروبية في اليورو وفضلت بريطانيا والدانمارك التريث لسنوات عدة حتى يتم التأكد من الحسبة الاقتصادية وقياس التجربة ومدى نجاحها واذا كانت كل دولة ترى ان عملتها جزء من سيادتها ورمزها التاريخي فان البريطانيين يبدون الاكثر تمسكا بذلك اذ يعتبرون الجنيه الاسترليني جزءا من كيان الامبراطورية التي كانت لاتغيب عن مستعمراتها الشمس لذلك فقد اتفقت دول الاتحاد الاوروبي ان يبدأ الالغاء للعملات الوطنية في اوروبا بعد ثلاث سنوات من ولادة اليورو حتى تتهيأ الارضية الاقتصادية المناسبة للاحلال النقدي. ان المحللين الاقتصاديين منقسمون ازاء تجربة اليورو فمنهم من يرى انها تجربة ناجحة تأسست وترسخت عبر سلسلة من الاجراءات والتدابير الاقتصادية اتخذت منذ سنوات ماضية سيما بعد اتفاقية ماستريخت عام 1992 ويستدلون على ضمانات النجاح بالارادة السياسية التي تقف وراء دعم اجراءات التوحد والاندماج الاوروبي بدءا من تجربة السوق الاوروبية المشتركة الى التطور الاقتصادي والتقني التي حققتها دول الاتحاد الاوروبي مقارنة ببقية دول العالم ناهيك عن الشروط والمعايير الاقتصادية التي وضعت والتي تتعلق بالنمو الاقتصادي والسقف المحدد لمستوى عجز الموازنات. اما التيار الاخر الذي يعتقد بفشل تجربة اليورو فينطلق من ان كل دولة لن تتخلى عن عملتها الوطنية التي ترتبط بسيادتها ورمزها الوطني كالمارك الالماني والفرنك الفرنسي, وغيره ناهيك عن ان التطبيق الفعلي للتداول النقدي على مستوى المستهلك العادي سوف يترك اثارا على المستوى المنظور والبعيد قد تؤثر بشكل اوبآخر على التعاملات المصرفية والنقدية مع وجود فوارق في الموازنات والمعطيات الاقتصادية تؤثر في حركة الصرافة وحجم التداول المالي في الاسواق المالية. اما مايتعلق بتأثيرات اليورو عربيا وعالميا ومايقال عن احتمالات تأثيره على اسعار النفط في السوق العالمية فان توقعات بعض الاقتصاديين تشير الى ان ظهور عملة جديدة مواجهة للدولار الامريكي قد تفيد في دعم اسعار النفط والتعاملات الاقتصادية بين دول العالم الثالث والمجموعة الاوروبية كي لايظل الدولار هو المسيطر والمهيمن في حركة التعامل النقدي والسلعي ويصبح اليورو منافسا قويا ربما ينعكس ايجابيا في دعم التبادل التجاري مع العالم الثالث ومنه الدول العربية التي تربطها بأوروبا علاقات اقتصادية وثيقة. الملف