اكد د.علي حسن تاج الدين عضو مجلس رأس الدولة (المجلس الرئاسي) السوداني السابق والعضو القيادي في حزب الامة المعارض ان الوضع السياسي الراهن في السودان يمر بمنعطفات حرجة تهدد كيان ووحدة وامن السودان . وقال تاج الدين في حوار شامل وصريح مع (البيان) ان الخروج من هذا الوضع المتردي يتطلب تجرد السودانيين حكومة ومعارضة للعمل من اجل بقاء الامة السودانية والحفاظ على وحدتها. واضاف ان الازمة يمكن تجاوزها في حال جلوس الفرقاء في اطار سوداني خالص مع عدم رفض المبادرات من قبل الاشقاء ودول الجوار والمجتمع الدولي منوها الى المبادرة الكريمة التي اطلقها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة والتي وجدت قبولا من جميع الاطراف السودانية. وشن تاج الدين هجوما عنيفا على حكومة الانقاذ قائلا ان سياساتها في ادارة مشكلة الجنوب ادت الى تدويلها حيث اصبحت المشكلة السودانية الاولى واضاف ان المشكلة الثانية هي مشكلة الحكم وطالب في الوقت نفسه بان يكون الحكم في السودان ديمقراطيا مشيرا الى ان ذلك يتم عبر عقد مؤتمر قومي شامل لمناقشة مشاكل السودان لاقرار السلام والديمقراطية. واعتبر تاج الدين ان الحديث عن وفاق وطني سوداني مجرد (ونسة) ثنائية مؤكدا ان المعارضة ترحب بالمبادرات الخارجية لحل مشاكل السودان بعكس الحكومة التي تماطل وتسعى لوأد اي مبادرة ونفى في ختام الحوار وجود تباين او خلافات في اطروحات زعماء المعارضة مؤكدا تماسك المعارضة خارجيا وداخليا وفيمايلي نص الحوار: القيادات السياسية كيف ترى معطيات الوضع السياسي الراهن؟ ــ الوضع السياسي الراهن يمر بمنعطفات حرجة تهدد كيان ووحدة امن السودان والامر يتطلب ان يتجرد السودانيين كلهم (حكومة ومعارضة) ليعملوا على مبدأ بقاء الامة ووحدتها بمعنى ان يعيش الانسان حياته العادية واحسب ان ذلك سيحدث في حال تجرد القيادات السياسية عن الاهواء الذاتية والحزبية والايديولوجية ووضع المصالح الوطنية العليا نصب اعينها وعلينا جميعا ان نتجرد لتجاوز الازمة في اطار سوداني ـ سوداني, ولامانع من وجود مساعدات وضمانات من قبل الاشقاء ودول الجوار والمجتمع الدولي لكن الاساس ان يجلس السودانيين الى طاولة المفاوضات والحوار لمعالجة المشكلات لذا لا ارى ان ثمة مايعيق حوار السودانيين لمعالجة مشكلات الحرب وتداعياتها وازمة الحكم لان ذلك يصيب بقاء الامة في مقتل ولابد من تخلي القيادات السياسية عن المكابرة والاعتراف بعمق الازمة وخطورتها. مؤتمر شامل ماهي الآليات التي تمكن من تجاوز الازمة؟ ــ السودان مواجه بمشكلتين منذ استقلاله والى الان اما الاولى فهي الحرب الاهلية في جنوب البلاد وسياسات (الانقاذ) ادت الى تدويل المشكلة السودانية وصارت لها امتدادات جنوبا وشرقا, واثرت على استقرار البلاد, وعطلت مسيرة التنمية, واصابت عصب الحياة اليومية للانسان السوادني ولابد ان تحل في اطار سلام عادل مبنى على ان المواطنة اساس للحقوق والواجبات الدستورية والتوزيع العادل للثروة والسلطة والهوية السودانية الجامعة التي تستوعب التنوع العرقي والثقافي والديني وتصهره, هذا فضلا عن نظام حكم لامركزي فيدرالي ليس بالمفهوم (الانقاذي) على ان يتم ذلك بناء على حق تقريرالمصير ويمكن ان يؤدي الى وحدة وطنية وبذا يكون تحقق سلام عادل لمشكلة جنوب السودان لانه اساس الاستقرار السياسي ومفتاح التنمية الاقتصادية. اما المشكلة الثانية فتندرج تحت عنوان كيف يحكم السودان وبرأينا يجب ان يحكم السودان حكما ديمقراطيا مرشدا, على ان يستفاد من قيم الديمقراطية الليبرالية الموروثة من الغرب, والتي تقوم على تعددية سياسية منضبطة بقانون للاحزاب يرتضيه ممثلو الاحزاب السياسية التي ستتواثق على تحقيق الديمقراطية وارساء السلام مع ضرورة ان يسعى النظام الديمقراطي الذي ندعو اليه الى الاستفادة القصوى مع كل ايجابيات التجارب الماضية والحيلولة دون تكرارها وسلبياتها. اما الآنية فتتلخص في عقد مؤتمر قومي شامل, واخواننا في الانقاذ لديهم حساسية من عبارة (الموتمر القومي الدستوري) لذا ندعو نحن الى عقد مؤتمر سوداني شامل ويا حبذا لو جاء بمبادرة سودانية تحت اي اسم كان لمناقشة كافة مشكلات السودان وعلى رأسها مشكلة الحرب الاهلية وازمة الحكم. ونحن كمعارضة نرحب بعقد المؤتمر داخل السودان او خارجه وتحت رعاية دولة تحترم خيارات السودانيين وياحبذا لو كانت تلك الدولة الاكثر تأثرا بما يدور في السودان واعني مصر وان اتت مبادرة لمؤتمر كهذا برعاية مصرية فنحن كمعارضة سنرحب بذلك وسنقدم الدعم المطلوب منا لانجاح مثل هذه المبادرة ونأمل ان يتم تشكيل حكومة قومية انتقالية على نتائج المؤتمر القومي الشامل بضمانات دولية واقليمية تنحصر مهمتها في اقرار وتعزيز السلام العادل, وحراسة الديمقراطية والتعددية وتنميتها وتكريسها هذا فضلا عن اعادة القومية الى مؤسسات الدولة واعادة هيكلة الدولة عسكريا واقتصاديا ودبلوماسيا وتحضر الحكومة الانتقالية للانتخابات التشريعية والاستفتاء على تقرير المصير. هذه الآلية تقتضي تجرد الجميع ووضع مصلحة السودان فوق كل الاهواء لان الشعب السوداني صار من افقر ثلاثة شعوب في العالم و 95% منه تحت خط الفقر و 90% يأكل وجبة واحدة, هذه الازمة تتطلب الغاء المكابرة والتجرد, وبذا نستطيع دخول القرن المقبل في ظل عصر العولمة وحرية التسوق. انتقاص السيادة الوطنية تحدثتم عن تدويل مشكلة جنوب السودان ماهي مخاطر التدويل على حاضر ومستقبل السودان؟ ـ بقراءة متعمقة للفصل (7) من ميثاق الامم المتحدة نجد ان الامن والسلم الدوليين لا ينفصمان عن الحروب الاهلية في البلدان ذات التداخل الثقافي والعرقي والديني وبما ان العالم صار قرية فإن هذا يعني ان حربا اهلية في بلد ما لاتعني بالضرورة انها قضية وطنية صرفة, الحديث حولها يعني انتقاص سيادة تلك الدولة لان العالم صار قرية في عصر العولمة والانترنت وثورة الاتصالات وحقوق الانسان والديمقراطية اذا فأي حرب تؤدي الى فناء بعض او جزء من الجنس البشري فإنها تؤثر سلبا في الامن الاقليمي واللجوء والتشرد وتجارة السلاح ومؤسسات استخباراتية ومجاعات.. الخ اذن يمثل الامر تهديدا للامن والسلم العالميين. وبناء عليه فإن ميثاق الامم المتحدة يدعو عادة الامانة العامة الى النهوض بواجباتها في حماية السلم والامن الدوليين ومشكلة جنوب السودان ان لم تعالج سلميا فهي تؤثر على الامن القومي المصري ودول الغرب الافريقي, ومصالح دول الاقليم هذا فضلا عن اثارها على مصالح دول عظمى, فوق هذا وذاك ان حدثت انتهاكات لحقوق الانسان على المجتمع الدولي ان يتدخل لوضع حد لذلك, او حدثت مجاعة والامثلة موجودة اذ نجد ان الامم المتحدة تتدخل كما ظهرت كارثة بشرية في مكان ما في العالم. ان التدويل ناتج عادة عن افرازات الحرب الاهلية التي تستتبعها فظائع تجبر النظام الدولي على التدخل لوضع حد للمأساة الانسانية اذ لاحظنا ان الحرب الاهلية في جنوب البلاد حصدت نحو مليون قتيل سوداني بفعل الحرب المباشرة فضلا عن مليونين بسبب المجاعات. ان اهم مخاطر التدويل رهن القرار الوطني السوداني للمجتمع الدولي وهذا يعني اول مايعني نزع السيادة الوطنية والعراق خير دليل على مخاطر التدويل, سيما وان الامم المتحدة صارت تطالب الحكومة السودانية بمناطق آمنة وممرات آمنة وهذا يعني ان ثمة قوات اجنبية ستحتل تلك المناطق والممرات الامنة وتحددها, وهذا يعني ضمن مايعني ان الطيران السوداني لايطير فوق بعض الاراضي السودانية, هذا فضلا عن تحديد مسارات البواخر والقاطرات السودانية وفقا لوضعية الممرات والمناطق الآمنة, وبذا يكون السودان بواسطة حكومته ساهم في زعزعة أمنه الوطني ويكون عاد بمعدل نصف قرن أو يزيد إلى الوراء وتسبب في انتقاص السيادة الوطنية السودانية, وستؤدي المسألة في نهاية المطاف إلى فصل جنوب السودان وهذا أكبر مخاطر التدويل. والسؤال الذي يتبادر للذهب هو من الذي أوصل الأزمة السودانية إلى مرحلة التدويل, منذ استقلال السودان وإلى اليوم؟ والاجابة عندي هي ان سياسات (الانقاذ) تجاه مشكلة الجنوب هي التي خرجت بأزمة الجنوب إلى ساحات التدويل. ونلحظ انه منذ الاستقلال, وما قبله كانت كل الحلول التي تبادر بها قيادات أوجماعات أو تنظيمات أو حتى حكومات, كانت كلها سودانية خالصة من لدن (مؤتمر جوبا) إلى (المائدة المستديرة) إلى (اتفاقات أديس أبابا) إلى (كوكادام) وأخيرا (اتفاقية السلام السودانية ـ الميرغني/قرنق) ولكن الانقاذ منذ اعتلت السلطة بانقلاب عسكري في يونيو 1989 سعت إلى تدويل المشكلة فذهب بها إلى (أبوجا) 1, 2, 3 في نيجيريا ثم نيروبي برعاية كارتر وبعد ان فشلت عادت لتطرحها في منبر (ايجاد) من أديس أباب إلى نيروبي بل ذهبت إلى جنوب أفريقيا وماليزيا وأوروبا وأمريكا. إذا الانقاذ هي التي سعت إلى تدويل المشكلة, والتدويل لن يأتي إلا بعد فشل الجهود الوطنية, وسبق ان قال كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة انه في حال فشل السودانيين في معالجة مشكلاتهم فإن المجتمع الدولي سيعاونهم على حلها, وكلنا يعرف نوع العون الذي يقدمه المجتمع الدولي, ولدينا تجارب عديدة ساطعة في هذا المجال من ليبيا إلى الصومال إلى البوسنة إلى العراق...إلخ. لننتقل إلى موضوع آخر, ملف الوفاق الوطني السوداني يدور الآن في حلقة مفرغة, فهل ثمة أمل في الوصول إلى حل سلمي ديمقراطي يجنب السودان أخطار التدويل والأزمات؟ ــ الحديث عن الوفاق الوطني السوداني يتم الآن في اطار (ونسة) ثنائية بين الفرقاء, ونحن كمعارضة وافقنا على كل المبادرات التي جاءتنا سواء كانت من قبل أفراد أو مؤسسات أو دول, وسبق ان قلنا للدكتور حسين سليمان أبو صالح وزير الخارجية الأسبق أننا نثق فيك ونعلم أنك حسن النية, اذهب وآتي لنا بموافقة الحكومة على مبادرتكم للوفاق, وعاد ليقول لنا أن الحكومة لم تعط الموافقة ولم تشجعني للسير في هذا الطريق. أما عن المبادرة الأوروبية, فكما هو معلوم فإن النشطاء الأوروبيين أعضاء في أصدقاء مجموعة (ايجاد) وكما هو معلوم فإن لـ (ايجاد) أجندة معروفة ومتفق عليها , وهي مبادرة تتلخص, في اقرار السلام والتعددية السياسية والحريات العامة واحترام حقوق الإنسان ونبذ الإرهاب وتجفيف منابعه, وهذه المبادرة نحن وافقنا عليها دون شرط, وأبدينا استعدادنا للنظر في كل ما طلبه منا المفاوض الأوروبي, وأعتقد حظوظها أفضل من غيرها من المبادرات. أما مبادرات (حسن النوايا) مثل مبادرة فتح الرحمن البشير رجل الأعمال السوداني الشهير الذي لعبت دورا بارزا في المصالحة التي تمت بين جعفر نميري الرئيس الأسبق والصادق المهدي رئيس الوزراء السابق في 1978, ومبادرات الجزولي دفع الله رئيس الوزراء الأسبق, ودفع الله يوسف رئيس القضاء الأسبق أو مبادرات الطرق الصوفية كل تلك المبادرات وجدت منا كل ترحيب وتعاون. المبادرات السلمية أما عن مبادرة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان فإن المعارضة أول من رحب بها, كفكرة وكان ذلك قبل ان يصلنا التصور الخاص بالمبادرة, لكن ثقتنا ومعرفتنا بمكانة صاحب السمو الشيخ زايد الاقليمية والدولية , ولما يحمله من مشاعر حب لشعب السودان جعلنا نقبل المبادرة كفكرة ولم نعطها الزخم اللازم لانجاحها ونحن نعتقد ان الحكومة لم تكن جادة لانها ان قبلت بمبادرة صاحب السمو الشيخ زايد لكانت حققت النتائج المنتظرة منها. كما ان الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني وسائر قيادات المعارضة السودانية في الداخل والخارج رحبت بالمبادرة وقالت ان أية مبادرة تأتي من صاحب السمو الشيخ زايد (حكيم العرب) فإننا على أتم الاستعداد للقبول بها, وان وجدت المبادرة ذات الترحيب من الحكومة لكانت بدت نتائجها اليوم وفاقا سودانيا جنب البلاد ويلات الحرب واحتمالات التدويل. وفيما يختص بالمبادرة المصرية فإن القيادة السياسية في مصر أعلنت مرارا وتكرارا ان الحكومة المصرية على أتم الاستعداد للعب دور في الشأن السوداني إلا ان ثمة (أزمة ثقة) قائمة بين مصر والحكومة السودانية تعيق كل المحاولات الجادة لحلحلة المشكلة السودانية, وأزمة الثقة نابعة من تداعيات أزمة العلاقات الثنائية, ولكن مع ذلك فإن المعارضة السودانية ترحب بأي دور مصري لمعالجة الأزمات السودانية لأن مصر مؤهلة بدورها السياسي ونقلها الاقليمي وأهميتها التاريخية للعب دور في الشأن السوداني. المعارضة .. لاخلافاتها هناك تقارير تقول ان ثمة تباينات في اطروحات زعماء المعارضة السودانية بالخارج ما صحة هذه الأحاديث, وما هو أثرها على المعارضة في الداخل؟ ــ لا توجد خلافات جوهرية بين قيادات وتنظيمات المعارضة في الخارج, ولكن توجد تباينات في وجهات النظر بين القيادات السياسية والقوى السياسية المكونة لتجمع المعارضة الخارجية وذلك بغرض تفعيل العمل المعارض, والخلافات أو التباينات ليست من النوع الذي يؤثر على عمل المعارضة الاستراتيجي أو يعصف بالتجمع كما تقول بعض صحف الخرطوم. إذا المعارضة متماسكة خارجيا وداخليا كما ترون؟ ــ ولله الحمد فإن المعارضة الداخلية متماسكة وتتحدث دوما بصوت واحد, لأننا نعيش داخل هذا الوطن ومتألمين بآلام المواطن السوداني, ونحن جزء منه, ونحن مثل الـ 9.5% من السودانيين الذين نأكل وجبة واحدة في اليوم, ونسعى إلى ايجاد حل سلمي ديمقراطي للمشكلة السودانية يجنب السوادنيين ويلات الحرب والمجاعات لان الشعب السوداني عانى الكثير ولم يعد يحتمل كل هذه المعاناة, انهيار تام في كل الخدمات التعليم, الصحة, المياه, الكهرباء, الأمن.. إلخ, وتراجع مريع في مدخلات الانتاج, وفجوة تتسع يوما إثر يوم, بين الدخل والمصروفات, حرب طاحنة في الجنوب والشرق..إلخ. ان كل هذه المآسي تجعلنا نتماسك ونتعاضد لمواجهة الأسباب التي أودت بالبلاد إلى هذا الوضع ونطالب اخواننا في (الانقاذ) بأن يتقوا الله في هذا الشعب الذي وصل إلى أقصى مراحل العذاب. الخرطوم ــ محمد الاسباط علي حسن تاج الدين