يتحدث أغلب المراقبين في اسرائيل وخارجها عن الامكانية الكبيرة لهزيمة رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو في المعركة الانتخابية المقبلة على يد (حزب وسط) مستغلا الانشقاقات الخطيرة التي اندلعت فور اعلان اجراء انتخابات مبكرة (ستة متمردين على رئيس الوزراء) واوجه القصور العميقة في شخصية نتانياهو التي طفت مرة اخرى على السطح مع اطلاق الرصاصة الاولى في الحملة الانتخابية, خاصة وان استطلاعات الرأي ترشح رئيس الاركان السابق (أمنون شاحاك) لنصر ساحق في حالة تحالفه مع المنشقين عن حزب الليكود ومن خلال تأسيس حزب وسط. لكن الرصد الدقيق للمشهد السياسي الحالي في اسرائيل يقودنا الى ان تأسيس حزب وسط يكتسح الحزبين الكبيرين ــ العمل والليكود ــ خطوة قد تلقى تأييدا وتعاطفا من وسائل الاعلام الاسرائيلية, لكنها في الاغلب لن تحصل على اغلبية اصوات الناخبين في اسرائيل, (فشاحاك) يدرس امكانية التحالف مع قادة الانشقاق في الليكود بعد ان اصر (باراك) على قيادته لحزب العمل حتى في حالة انضمام (شاحاك) له مما جعل الاخير يسعى للتحالف مع (دان مريدور) قيادي الليكود البارز وهو ليس مجرد سياسي محنك شغل منصب وزير العدل ثم وزير المالية وحافظ على صورته كشخص معتدل نسبيا وغير فاسد وهو امر نادر الحدوث في السياسة الاسرائيلية بل ان الكثيرين يعتبرونه امير الجيل الجديد من الساسة الذين رضعوا الصهيونية الاسرائيلية وتربوا عليها بعكس الشخص الذي وصل منذ عشر سنوات فقط لاسرائيل وسيطر على حزب الليكود اي نتانياهو كما يصفه مريدور. ومن المتوقع حتى يومنا هذا, ان ينضم مريدور بالفعل لشاحاك بالاضافة لــ (روني ميلو) رئيس بلدية تل ابيب الاسبق ليؤسسوا معا حزب وسط ــ حتى لا يظهر اكثر من حزب وسط ــ وان يتم توزيع الكعكة والادوار وفقا لاستطلاعات الرأي حول شعبيته, لكن المشكلة الحقيقية تتمثل في كيفية صياغة برنامج للحزب الجديد (وهي مشكلة تواجه اسرائيل نفسها منذ 50 عاما... فلا يوجد لها دستور!) حيث سيدفع مريدور البرنامج تجاه المواقف اليمينية بينما سيدفعه (شاحاك) نحو المواقف اليسارية وسيدفعه (ميلو) نحو العلمانية الكاملة ومعاداة المتدينين. وسيوجهون جميعا بالطبع انتقادات لاذعة جدا لنتانياهو وانتقادات اقل حدة لباراك. لكن هذا لا يكفي كبرنامج يقنع الناخب بتجريب حظه مع الحزب الجديد, بالاضافة الى ان برنامج حزب الوسط يجب ان يشتمل على اسس ومقترحات غير مذكورة في برامج احزاب اليمين او اليسار وهي مهمة مستحيلة, كل هذا يدل على الفشل المحتوم لمحاولات تأسيس حزب وسط يفوز في الانتخابات المقبلة والسيناريو الاقرب للتحقيق هو اما ان ينضم شاحاك, الذي لا يتمتع بأية خبرة سياسية, لباراك الذي لا يتمتع بشخصية زعيم كاريزمي يجذب الجماهير حوله, على الرغم من عدم رضا واقتناع كل منهما بالاخر ليقتسما السلطة تماما كما كان الوضع بين بيريز ورابين فيما سبق واللذين استمر التحالف بينهما حتى اللحظة الاخيرة رغم كراهية كل منهما للآخر, على ان ينضم اليهما احد المنشقين عن حزب الليكود واحد الاحزاب العلمانية الصغيرة على الاقل. او ان يستجيب باراك لاستعطاف نتانياهو ويؤلف معه حكومة وحدة وطنية تصمد امام مفاوضات الوضع النهائي مع الفلسطينيين. بقي ان نقول ان علينا الاستمرار في رصد ومتابعة تقلبات الشريك السياسي الاسرائيلي لان الفترة الممتدة من اليوم وحتى الربيع المقبل قد تشهد تقلبات دراماتيكية ربما تبدأ بعد اسبوعين مع الانتخابات الداخلية لحزب الليكود. مع الاخذ في الحسبان ان ما يحدث في اسرائيل مجرد محاولة لاعادة تسويق نفس المنتج لكن بغلاف مختلف ليخفي وجهه الحقيقي, وان المحصلة النهائية على مائدة المفاوضات الاسرائيلية ــ العربية لن تتغير كثيرا بتغير تشكيل الحكومة الاسرائيلية لكن بزيادة اوراق الضغط في يد المفاوض العربي. القاهرة ــ أحمد فؤاد