حذر عبدالله حوراني عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية من الدور الكبير الذي اعطي لوكالة الاستخبارات الامريكية( (C.I.A) في عملية التسوية بموجب اتفاق واي بلانتيشن الاخير مؤكداً بأن ذلك يعد نقطة البداية لازالة الصفة الوطنية عن كل الممارسات الفلسطينية . واضاف حوراني في حديث خاص لـ (البيان) بأن هذا الوضع بات يهدد بالغاء الاناشيد الوطنية والمناهج الدراسية التي لا تتناسب مع الاهداف الصهيونية مشيراً الى تجاهل السلطة لتاريخ المخابرات الامريكية الاسود مع قيادات حركات التحرر وتآمرها على القيادات الوطنية في كل مكان واعتبر حوراني ان الثغرات الكثيرة التي يتسم بها اتفاق واي لا سيما الممرات الآمنة والاتفاقيات الأمنية نقاط ضعف تهدد الوجود الفلسطيني في المناطق الخاضعة للسلطة في الوقت الحالي. وابدى حوراني تشاؤمه من مستقبل عملية التسوية مرجعاً ذلك لضعف المفاوض الفلسطيني الذي قال انه يفرط بأوراقه ومصادر قوته, الامر الذي يجعله يلغي العامل الذاتي كلياً معتمداً على العامل الخارجي وحده. ونبه حوراني الى خطورة استمرار حملات السلطة الفلسطينية ضد القوى الوطنية الفلسطينية المعارضة محذراً من مغبة تعميق الشرخ في المجتمع الفلسطيني نتيجة هذه السياسات وهو ما يحقق رغبة اسرائيل في الصراع الى داخل المجتمع الفلسطيني. وحول الاوضاع الداخلية وصف حوراني الجماهير الفلسطينية بأنها تعيش حالة عالية من اللامبالاة والصمت الاقرب الى الاحباط والانشغال بلقمة العيش منه الى الرضا والموافقة مشيراً الى خطورة ظاهرة الفساد التي قال انها منتشرة وتضعف السلطة الوطنية في مواجهة الاحتلال. وطالب حوراني بتوسيع اطار منظمة التحرير لتشمل التيار الاسلامي والقضاء على الفساد والتوقف عن الاستجابة لأي مطالب اسرائيلية واعادة القضية الفلسطينية الى بعدها القومي العربي واشراك الغرب رسمياً وشعبياً في عملية التسوية واعتبر في المقابل ان على الغرب الكف عن التهرب عن مسؤولياتهم تجاه القضية الفلسطينية رافضاً مقولة (نقبل ما يقبل به الفلسطينيون) وفيما يلي نص الحوار: اتفاق واي يفتقد لآليات التطبيق * بداية كيف تنظرون الى اتفاق واي بلانتيشن الذي وقع مؤخرا بين السلطة وسرائيل؟ ــ حتى لا أتهم بعدم الموضوعية, أو التشنج او عدم الرغبة في زوال الاحتلال, وهي التهم التي يقذفها المدافعون المتحمسون عن الاتفاق في وجه كل من ينتقده, أو يبين ثغراته, فإني أبدأ بالقول بأنني مع كل انسحاب اسرائيلي من أي شبر من الارض الفلسطينية او العربية المحتلة, ومع اقامة السيادة ا لعربية عليه, وليس فقط مجرد ادارة شؤون السكان فيه, وتحمل تبعاته الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية, واعفاء سلطة الاحتلال منها. ومن هذا المنطلق فإني أرحب بعودة 1 أو 10 أو 13 أو 14 بالمائة من الأرض للسلطة الفلسطينية, ولكن هذا الاتفاق حتى لو جرت محاكمته بسقف أوسلو وشروطه, فهو دون هذا السقف بكثير, فلقد أجبر الجانب الفلسطيني على اعادة التفاوض حول نقاط تم التفاوض والاتفاق عليها من قبل, كقضايا الأمن والموقف مما يسمى بالارهاب والميثاق والمطار والميناء والممر الآمن والمعتقلين, فكل هذه القضايا سبق بحثها والاتفاق عليها, ولكن في هذا الاتفاق أعيد النظر فيها وجريب فرض شروط اسرائيلية جديد, تم من خلالها المزيد من الإملاءات على الجانب الفلسطيني, والمزيد من المكاسب للجانب الاسرائيلي, واذا اعتمد هذا المنهج اي اعادة النظر فيما سبق بحثه والاتفاق عليه, فمعنى ذلك ان عملية التفاوض لا نهاية لها. ومن الملاحظ أيضا انه رغم تحديد جدول زمني لتطبيق الاتفاق, الا أنه لم يعتمد اي نص لفرض عقوبات أوطرق لإلزام الطرف الذي ينكث بالاتفاق, أو يغير في شروطه عند التنفيذ, وهو دائما في الطرف الاسرائيلي, ونحن نلاحظ انه من قبل أن يبدأ تنفيذ أي بند, بدأ الجانب الاسرائيلي في اضافة شروط جديدة وفي فرض أمر واقع, مثل الاستمرار في عملية الاستيطان. احذروا اليهود والــ C.I.A * هل ثمة ما يمكن تحديده بأنه نقاط قوة وضعف في الاتفاق؟ ــ من الصعب ان نتحدث عن نقاط قوة في هذا الاتفاق (نقاط القوة هنا المقصود بها المصلحة الفلسطينية) باستثناء اعادة الانتشار الاسرائيلي في 10% + 3% محمية طبيعية ونقل 14% من الماطق (ب) الى المناطق (أ) ــ هذا اذا تم تنفيذ هذه الانسحابات ــ رغم أنه في التفسيرات التي أعطيت لأوسلو والمطالبات الفلسطينية السابقة, فإنه يفترض الا تكون النسب بهذه الحدود, بل هي أعلى من ذلك بكثير وما عدا ذلك فان كل ما جاء في الاتفاق يشكل مزيدا من القوة للموقف الاسرائيلي, ومزيدا من الإملاءات والشروط والالتزامات على الجانب الفلسطيني. يعتبر اصحاب الاتفاق أن دخول الطرف الامريكي على الخط, هو نقطة قوة لصالح الجانب الفلسطيني, ولكن هذا القول مردود عليه بما نعرفه عن طبيعة التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل, وعن طبيعة الانحياز الامريكي الكامل لجانب اسرائيل, ويكفي ان نشير هنا الى هوية الفريق الامريكي المكلف بمتابعة هذا الملف. فوزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت, ومساعدها مارتن اندك, ومنسق الملف دنيس روس, ومساعده ابراهام ميلر, هذا فضلا عن مستشار الرئيس للأمن القومي ساندي بيرجر, ووزير الدفاع وليم كوهين. كلهم يهود فهل يعقل ان يقف هؤلاء الى جانب الحق الفلسطيني وضد الموقف الاسرائيلي؟, هذا ما نعرفه من الاسماء. أما عن ممثلي الــ CIA الذين سوف يتابعون التنفيذ وعددهم ليس بقليل. بالتأكيد الضعف في هذا الاتفاق, فأولها كما أشرنا هو الدور الكبير الذي أعطى لوكالة المخابرات المركزية الامريكية, بحيث أصبح كل شيء تقريبا تحت سيطرتها, وأصبح لها دور أساسي في تقرير ما يجب عمله, فقد دخلت في كل اللجان واصبح من حقها ان تكون الجهة المقررة فيما يقوم به الجانب الفلسطيني, بل هي الجهة الموجهة التي تطلب تنفيذ هذا الأمر أو ذاك, وتشرف على تنفيذ سواء في موضوع الاعتقالات, أو رسم الخطط والسياسات لكيفية مواجهة اي معارضة للاتفاق, وتربية الكادر الفلسطيني, وهذه نقطة خطيرة جدا لأنها سوف تربط أجهزة الأمن الفلسطينية بطريقة التفكير التي تنتهجها الــ CIA وتربطها بها, ولا يعلم الا الله الى أي مدى وفي اي مكان سيتم توظيف أجهزة الأمن الفلسطينية لخدمة هذه التوجيهات. ما هو التحريض؟ ومن نقاط الضعف الاخرى اعطاء أهمية كبيرة في الاتفاق لموضوع التحريض, وتكليف الــ CIA بتحديد مفهوم التحريض. وهذا مفهوم قد يتسع كثيرا فيفرض رقابة صارمة على الاعلام من خلال لجنة ثلاثية (فلسطينية ــ اسرائيلية ــ أمريكية). وقد يصل الأمر الى اعتماد قاموس خاص بالمصطلحات والتعبيرات التي يجوز اولا يجوز استخدامها من قبل الجانب الفلسطيني. وربما يصل, الى هذا الأمر منع وضع استخدام كلمة احتلال او استطيان او استعمار أو كلمة تحرير او تحرر, وربما يطال حتى الاغاني والأناشيد الوطنية والمناهج المدرسية, وكل هذا يطبق على الجانب الفلسطيني. واذا صح ما نشرته صحيفة معاريف الاسرائيلية, عن الخطة الأمنية الفلسطينية التي قدمت للجانب الامريكي, نجد مثل هذه التخوفات التي أشرنا اليها سابقا واردة الاحتمال, فمثلا هناك نص يقول: (وقف التحريض الذي يمارس في المساجد وفي مؤسسات تعليمية وصحية وغيرها, ويتم اعتقال الاشخاص الذين يتم ضبطهم في هذه الاماكن يمارسون ان يزاولون نشاطا ارهابيا. وهناك نص اخر يقول: (يتم احباط وضع اجتماعات شعبية جماهيرية وتوزيع منشورات او اطلاق دعوات عن طريق وسائل الاعلام, تدعو او تحض على تنفيذ اعمال ارهابية) . ونص آخر أيضا يقول: (يقام جهاز استخبارات توكل إليه مهمة محاولة اختراق صفوف وأجهزة منظمات الارهاب, ويعمل هذا الجهاد بارشاد وتوجيه من وكالة المخابرات الأمريكية المركزية, وأشارت الصحيفة ذاتها إلى ان اسرائيل شاركت في بلورة خطة العمل الأمنية الفلسطينية هذه. من ذلك نلاحظ إلى أي مدى ستقيد حرية المواطن الفلسطيني, وإلى أي مدى يصل التدخل الاسرائيلي الأمريكي الأمني في الحياة السياسية اليومية للجانب الفلسطيني. هيمنة اسرائيلية وإذا نظرنا إلى الجوانب الأخرى من الاتفاق, نلاحظ مثلا في موضوع الميثاق, فرضاً على الجانب الفلسطيني ان يعيد التأكيد مجددا وعلى ثلاث مراحل, تنتهي قبل الأسبوع السادس من بدء تنفيذ الاتفاق, على إلغاء الميثاق من قبل كل المؤسسات الفلسطينية تقريبا من اللجنة التنفيذية إلى المجلس المركزي إلى مجلس الوزراء إلى المجلس التشريعي والمجلس الوطني. وفيما يتعلق بالمطار فإننا نجد الجانب الاسرائيلي مازال يتحكم بسلطة القرار في الدخول والخروج وفقا للاتفاق, وهذه النقطة تعتبر من أكثر النقاط تعذيبا للمواطن الفلسطيني في المعابر الحدودية, وكان من المفروض ان يجري بحث تخفيف هذه الاجراءات في المعابر, ولكن لم يأت الاتفاق عليها ولن يستثن المطار منها. ونقطة أخرى هي الممر الآمن, بعد أوسلو, كان يقال لنا ان هناك أربعة ممرات آمنة ستفتح بين الضفة والقطاع, ولكن ها نحن نقترب من نهاية المرحلة الانتقالية كلها ولم يفتح ممر آمن واحد, وفي الاتفاق الأخير اختصرت الاربعة ممرات إلى اثنين كما قيل ولكن عمليا هي واحد فقط الذي قيل انه سيفتح قريبا, وقريبا هذه لا يعرف أحد مداها الزمني في التطبيق الاسرائيلي. وأخيرا قضية المعتقلين الذين كان يفترض ان يفرج عنهم جميعا منذ سنوات ولكن في الاتفاق الأخير جرى تحديد العدد بـ 750 معتقلاً من أصل 3500. ومما يلفت النظر ان الجدول الزمني الذي وضع لتطبيق الاتفاق لم يتحدث عن توقيتات محددة للافراج حتى عن هؤلاء الـ 750. والحديث عن الثغرات ونقاط ضعفه طويل, ولكن اختم بالاشارة إلى ان هذا الاتفاق أيضا لم تقدم فيه اسرائيل خرائط للمناطق التي سوف تجلو عنها, وترك الأمر لها, وهذا يعني أنها في حال تطبيقها لاعادة الانتشار, إذا طبعت ذلك, يمكن ان تتنازل عن مناطق لا تواصل جغرافي بينهما, ولا بينها وبين مناطق السلطة الفلسطينية الأخرى, مما يجعلها عمليا جزرا معزولة تتحكم فيها اسرائيل. التسويف مست حتى الحل النهائي * أمام المماطلة الاسرائيلية في تنفيذ الاتفاق ومواصلتها سياسة الاستيطان وفرض المزيد من التعقيدات, هل تتوقعون التنفيذ الدقيق والأمين للاتفاق؟ ــ في سؤالك يكمن الجواب فمن يواصل سياسة الاستيطان ومن يفرض المزيد من التعقيدات والشروط, ومن يصعّد من مطالبه, لا ينوي تنفيذ الاتفاق, وقد بدأ بالفعل هذا الأمر في التأجيلات التي تمت حتى الآن في البدء في تنفيذ الاتفاق واستغلال حادث هنا وحادث هناك لتبرير تهرب الجانب الاسرائيلي من تنفيذ ما عليه, ونلاحظ حتى الآن أنه لم يبرز أي دور للجانب الأمريكي (وهو الجانب الذي يراهن عليه الطرف الفلسطيني) في اجبار اسرائيل على التنفيذ, هذه السياسة الاسرائيلية ليست جديدة فقد عاني منها الجانب الفلسطيني دوما, وكان يفترض ان يحتاط لذلك عند توقيع الاتفاق, بوضع ضوابط وشروط مسبقة, ولكنه لم يفعل ولم يقدر, ولأن اسرائيل تعرف ان الطرف الفلسطيني ليس في وسعه ولا في نيته ـ لأنه الجانب الأضعف ــ ان يتمرد على الشروط الجديدة, فهي تواصل مثل هذه السياسة وتعلم ان الجانب الفلسطيني ليس لديه خيار غير تنفيذها. ويستفيد الجانب الاسرائيلي في سياسته هذه من نقاط الاتفاق, التي لم تنص على وقف الاستيطان, وبذلك فهو يواصل هذه السياسة, ويخلق وقائع جديدة على الأرض, ويستجيب لسياسة التطرف الاسرائيلية, بل ويشجعها لأنه ينتمي إليها وكما يقال: (الحبل على الجرار) . وفي تقديري ان اسرائيل ستستمر في هذا النمط من سياسة المماطلة, حتى يمضي الوقت المقرر لتطبيق الاتفاق, وتلحق كل هذه القضايا بمباحثات الحل النهائي, وبالتالي تحسب الانسحابات والاجراءات التي يفترض ان تقوم بها اسرائيل في المرحلة الانتقالية على المرحلة النهائية, فتنقص نتيجة لذلك المساحات التي ستعطى للجانب الفلسطيني في الحل النهائي. موافقة الضعيف * بماذا تفسرون موافقة الفلسطينيين على الاتفاق فورا بل وتنفيذه على أرض الواقع قبل أن تقره اسرائيل؟ ــ برأيي ان الموافقة الفلسطينية بدأت بمجرد الذهاب إلى واي بلانتيشن, فالذهاب في حد ذاته يعني الموافقة, لأننا أعلنا الموافقة على المبادرة الأمريكية حتى قبل ان تصاغ كتابة, وكما نعلم أن سقفها أدنى بكثير مما كان يعلنه الجانب الفلسطيني, أما لماذا وافق الجانب الفلسطيني على الاتفاق فورا, فالجانب الفلسطيني يفاوض وهو يقتنع بأنه ضعيف, يفاوض وهو يفرط بأوراق ومصادر قوته, فمثلا لم يسبق لحركة تحرر وطني في العالم أن ألغت دور العامل الذاتي نهائيا, واعتمدت على العامل الخارجي وحده, فالفعل الذاتي معدوم لدى الجانب الفلسطيني, وكان الرهان على دور العالم الخارجي, مع ان بديهيات النضال تقول: ان العامل الخارجي وحده لا يمكن ان يحقق التحرر الوطني لأي شعب, وان الدور الأساسي هو للعامل الذاتي, ولا يتعدى دور العالم الخارجي أثر العامل المساعد, وهو أثر يتناسب طردا مع قوة العامل الذاتي وفعله, مما يزيد الأمر بؤسا في الحالة الفلسطينية, ان ينحصر العامل الخارجي في دور الولايات المتحدة وهي على ماهي عليه من انحياز لاسرائيل. كذلك شكل اعتماد السلطة الوطنية على المفاوضات وحدها والغائها كل اشكال النضال وأوراق الضغط الاخرى التي تعتبر ظهيرا لها في المفاوضات نقطة ضعف أساسية في موقفها, ومن ناحية ثالثة ايضا اضعفت السلطة نفسها حين حمّلت نفسها وحدها ومؤسساتها مسؤولية انجاز الحقوق الوطنية, وجعلت دورها بديلا عن دور الشعب وقواه ومؤسساته السياسية والنقابية والمهنية, بحيث لم نعد نلمس أي أثر للفعل الشعبي وجهده في الضغط على الاحتلال, وكذلك اضعفت السلطة الوطنية نفسها حين عزلت قضيتها عن حركة الجماهير العربية, عندما اوحت بقصد او بدون قصد من خلال التضخيم في انجازات اوسلو, ان اسرائيل قد سلمت بحقوقنا ولم يبق غير الاتفاق على التفاصيل, التي يمكن انجازها بالمفاوضات. ومما ساهم في اضعاف الموقف الفلسطيني, السماح للمترامين على اعتاب اسرائيل من العرب وللمتبرمين من مسؤولياتهم والتزاماتهم القومية تجاه فلسطين, ان يتهربوا من هذه المسؤوليات. امام مجمل هذه الوقائع التي تراقبها اسرائيل وتعمل على تعميقها, لا يبقى وجه للغرابة او للاستغراب مما تفعله بنا او معنا اسرائيل, وتجد السلطة الوطنية نفسها في موقع ضعيف لايسمح لها بالتهرب من الاملاءات الاسرائيلية. الاملاءات الاسرائيلية غير محددة * ماهي ابعاد الحملة الفلسطينية للسلطة ضد القوى الاسلامية في تصوركم؟ ــ هذه الحملة ليست جديدة وليست بعيدة عن الاتفاقات التي عقدت سابقا ولاحقا, فقد كان في صلب اتفاق اوسلو, وهو ما جرى تفصيله اكثر فاكثر في اتفاق واي بلانتيشن ملاحقة هذه القوى بحجة انها قوى تعارض عملية التسوية وتعتمد العنف وسيلة لذلك. وقد جاء الاتفاق الاخير ليزيد من حجم الاجراءات وعنفها وعمقها وصولا الى ما يسمى ضرب البنية التحتية, ومما يؤسف له ان الاملاءات الاسرائيلية وصلت الى حد تحديد الاشخاص بالاسم الذين يجب اعتقالهم ومحاكمتهم, ولم يترك للسلطة الفلسطينية الخيار في تحديد الاسماء ولا في طبيعة الاجراءات, بل دخلت الـ CIA على الموضوع حسب الاتفاق, ومن بنود هذا الاتفاق ان الـ CIA هي التي ستحدد معنى العنف ومعنى الارهاب, وبرأيي ان عنف وعمق هذه الاجراءات سيؤدي الى تعميق الشرخ في المجتمع الفلسطيني, وقد يفتح الباب نحو مزيد من العنف, وفي كل الحالات, فإن المستفيد هي اسرائيل, فهي بذلك تنقل الصراع الى داخل المجتمع الفلسطيني ذاته وتغذيه, وتكون النتيجة مزيدا من اضعاف الموقف الفلسطيني في مواجهة الضغوطات الاسرائيلية وكان الاجدر ومازال هو ان يوظف هذا الرفض الفلسطيني المتمثل بموقف التيار الاسلامي والقوى الاخرى الرافضة, للضغط على الجانب الاسرائيلي وابتزازه, في تقديم بعض حقوقنا مثل ما يفعل الجانب الاسرائيلي في استغلال مواقف اليمين, وهنا اود ان اتساءل لماذا لايتم التوازن في الاتفاق بين الاجراءات ضد قوى الرفض الفلسطيني والاجراءات ضد قوى اليمين الاسرائيلي؟ لماذا يحاسب الطرف الفلسطيني ويبقى اليمين الاسرائيلي المتطرف طليقا؟ لماذا يجمع السلاح الفلسطيني ويبقى المستوطنون مدججين بالسلاح؟ اسئلة كثيرة تطرح ولكن الجواب اكثر مرارة. * ما حقيقة العلاقة بين الاستخبارات الامريكية والفلسطينية ومدى صحة ان الاولى تتولى الاشراف على حماية عرفات؟ ــ هذا الموضوع اشرت اليه في اجابتي على الاسئلة السابقة, ولكن الجديد في الامر ان الاستعانة بالمخابرات الامريكية هي ظاهرة جديدة بالنسبة لحركات التحرر بالذات, وبالنسبة للدول عموما فالعلاقة مع الـ CIA كانت دوما تهمة وتصل في نظر الجماهير الى حد الخيانة, سواء كانت على مستوى الافراد او على مستوى الدول وفي العادة كانت CIA تبذل جهودا كبيةر وتدفع اموالاً طائلة لاستقطاب الافراد, او أحداث اختراقات في صفوف حركات التحرر, او شراء بعض القيادات في بعض دول العالم الثالث, او حتى في بعض دول العالم المتقدم, ولكن لم يسبق كما قلت ان تستدعي المخابرات المركزية الامريكية استدعاءً, وبطلب من حركة تحرر وطني وان يعطي لها صلاحيات التدخل والقرار, والغريب ان الطرف الفلسطيني يعتبر هذا الامر مكسبا ويسميه تحالفا استراتيجيا مراهنا على انه كسب او سيكسب موقف الـ CIA والموقف الامريكي عموما الى جانبه, متجاهلا ايضا التاريخ الاسود لـ CIA مع شعوب العالم ومع قيادات حركات التحرر ومعاداتها لطموحات الشعوب نحو التحرر, وتآمرها على القيادات والقوى الوطنية. اما عن مدى وجود دور لها في الاشراف على حماية الرئيس ابو عمار, فأنا لا اعرف اي دور بها واشك ان يكون لها دور مباشر في هذه المسألة, ولكن طالما انها تقدم مساعدات ومعونات مادية وتقنية وتدريبية لاجهزة الامن الفلسطينية, والآن زادت مثل هذه الصلات, فبالتأكيد سيتم الاستفادة من قدراتها في تطوير قدرات اجهزة الامن الفلسطينية, حتى تقوم بدورها بشكل افضل في جميع المجالات. * هل تعتقدون باحتمالات حرب أهلية فلسطينية؟ ــ أنا أشك في ذلك, لأن التجربة النضالية للشعب الفلسطيني وللحركة الوطنية الفلسطينية عبر تاريخها الطويل علمتها أن تفرق دوماً بين الثانوي والرئيسي, وأن يبقى الاحتلال هو العدو الرئيسي, وزواله هو الهدف الرئيسي, وألا تنجر إلى أية إشغالات جانبية, أو صدامات داخلية لا يستفيد منها إلا العدو, وحتى الآن كل التصريحات لمختلف القوى السياسية تصب في هذا الاتجاه, لكن استمرار الضغط وتكميم الأفواه وخنق وسائل التعبير عن الرأي الآخر, وبنفس الوقت وجود تدخلات من قوى مثل الموساد والـ CIA تبقي خطر التوتر قائماً. دور القوى الوطنية الفلسطينية * ما هو دور الفصائل الفلسطينية في وقف التنازلات مع إسرائيل؟ ــ علينا أن نعترف منذ البدء, بضعف موقف هذه القوى وبحالة الإرباك التي تعيشها, وبضعف صلتها بالجماهير, وربما كان لحالة الإرباك التي تعيشها القوى الوطنية أسبابها ومبرراتها فهي أولا لم تعد تواجه الاحتلال مباشرة وإنما تعيش تحت ظل سلطة وطنية فلسطينية, وهذه السلطة مهما تم الاختلاف معها ومهما بلغت خطورة الاجراءات التي تتخذها فهي جزء من الحالة الفلسطينية الوطنية, وجزء من الصف الفلسطيني. وثانيا: من أسباب حالة الارتباك التي تعيشها هذه القوى الفصائلية, الاختلاف في وجهة النظر بين قياداتها في الداخل والخارج, حول تقييم الوضع في الداخل وطرق التعامل معه. وثالثا: فإن قبضة السلطة في مواجهة هذه الفصائل قبضة ليست لينة, والهامش الذي تتيحه السلطة لهذه القوى للتعبير عن رأيها هو هامش ضيق, والغريب هنا في موقف السلطة أنها تصر على أن يكون الشعب الفلسطيني كله مؤيدا لسياستها وللاتفاقيات التي تعقدها, وهذا الأمر من وجهة نظري لا يخدم مصلحة السلطة, ولا يخدم المصلحة الوطنية بشكل عام, إذ من المصلحة الوطنية أن يظل هناك طرف يقول لا بملء الفم, ويحدد سقفاً للأهداف الوطنية أعلى من السقف الذي تحدده السلطة, وذلك لتستند اليه السلطة في صراعها التفاوضي مع سلطة الاحتلال, ومن ناحية أهم, ليبقى الجسر بين الحاضر والمستقبل موصولاً, وليبقى الحلم قائماً لدى الأجيال الشابة والقادمة لكي تواصل نضالها من أجل تحقيق الحقوق التاريخية وليس المرحلية فقط, وهنا أشير إلى أهمية أن تدرك السلطة الوطنية أهمية دور قوى المعارضة, وأن تبقي الباب مفتوحا باتجاهها والحوار موصولاً معها, وأن تسعى هي لأن تظل المصالحة الوطنية عنواناً يحكم العلاقات السياسية بين السلطة والمعارضة. صمت المحبطين * الجماهير الفلسطينية أين هي من واي بلانتيشن؟ ــ من يراقب حالة الجماهير الفلسطينية وبشكل خاص في الداخل يلاحظ درجة عالية من اللامبالاة تجاه ما يجري, وهذه اللامبالاة أو الصمت لا يمكن تفسيره على أنه صمت الرضا بل هو أقرب الى صمت الإحباط وصمت الانشغال بلقمة العيش, التي أصبحت عزيزة جدا في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور والبطالة المرتفعة النسبة, وإذا أخذنا بعض الاستطلاعات التي أجريت معيارا لموقف الجماهير من واي بلانتيشن, نلاحظ أنه لم يؤيد هذا الاتفاق أكثر من 42% من النماذج المستطلعة, وهذه نسبة متدنية جدا قياسا مع ما أخذه أوسلو من تأييد, ولكن هذه الحالة التي تعيشها الجماهير ليست وليدة آنية, ولا هي اتجاه واي بلانتيشن فقط, إنما حالة تكونت وتزايدت عبر أربع سنوات من المرحلة الانتقالية, حتى وصلت الى هذا الوضع, ويعزز ابتعاد الجماهير أو تقلص دور الجماهير في الفعل السياسي أمران: الأمر الأول: القبضة الشديدة للسلطة التي لا تترك هامشا واسعا للتعبير, وخاصة اتجاه الأفراد العاديين الذين ترتفع لديهم أكثر درجات الخوف والتحسبات. والأمر الثاني: تسخير أجهزة الإعلام الرسمية مساحات واسعة من جهدها, للدعاية لمثل هذه الاتفاقات وتزيينها وتصويرها على أنها نجاحات هامة, وإقامة احتفالات ومهرجانات لذلك. ونقطة أخيرة تحكم موقف الجماهير: هي أن هذه الجماهير لا ترى ذلك الدور البارز لقوى المعارضة, الذي يسمح لها بالانخراط في صفوفها والتعبير عن نفسها دون أن تتوقع نتائج سيئة, ولا ننسى أخيرا أن للسلطة إغراءاتها. فخ الفساد * ما حقيقة ما يتردد عن انتشار الفساد المالي والاداري في أجهزة السلطة؟ ــ الفساد موجود في مختلف النواحي, وأحيانا بقوة, وهو عامل مؤثر في إضعاف بنية السلطة الوطنية في مواجهة الاحتلال وفي انصراف الناس عنها وفي الإحباطات التي تتولد لدى الشارع وفي إشاعة روح من الانتهازية, وأخطر أثر يتركه وجود الفساد هو إضعاف الحالة الوطنية في مواجهة تعنت الاحتلال, وبالتالي يضعف من القدرة الوطنية بشكل عام, وبخاصة حين نعلم ان اسرائيل تراقب هذه الحالة وربما تشجعها, وبالتالي فهي لن تقيم وزنا للخطاب السياسي للسلطة الوطنية, إذا ما قررت هذه السلطة أن ترفع من مستوى خطابها السياسي ذلك أن من يرفع خطابه ويعلي من سقف مطالبه لابد يستند الى جبهة داخلية قوية ولا يمكن لجبهة يمرح فيها الفساد أن تكون قوية, بل إن رموز هذا الفساد الذين هم جزء من السلطة سيكونون عاملاً معرقلاً ومثبطاً للعزيمة, إذا ما حانت ساعة المواجهة الحقيقية بين المطالب الوطنية ومطالب الاحتلال. ولذلك فان من شروط مواجهة الاحتلال وصمود السلطة في موقفها الوطني هو ان تتخلص من هذه الرموز. التسوية والواقع العربي * على ضوء ما سبق ماهي رؤيتكم لمستقبل عملية التسوية؟ - ان مستقبل عملية التسوية ليس مرتبطا بالوضع الفلسطيني وحده, بل هو مرتبط بالوضع العربي بشكل عام وبالوضع الدولي, ولكن اذا اردنا الحديث عن مستقبل عملية التسوية الجارية, فهذه التسوية التي تجري وفق شروط مجحفة سياسيا واقتصاديا, لايمكن ان تقود الى سلام , وبالتالي لايمكن ان تقود الى استقرار في المنطقة, وربما كان الخطأ الاكبر الذي يقع فيه حكام اسرائيل اصحاب الفكر الصهيوني , هو استجابتهم لاغراءات الوضع الفلسطيني الضعيف: والوضع العربي ايضا الضعيف, ولاختلال موازين القوى الدولية والهيمنة الامريكية الراهنة, وبالتالي اندفاعهم نحو فرض مزيد من الشروط وانتقاص اكبر قدر من الحقوق الفلسطينية. وهذا يدلل على عدم رؤية مستقبلية صحيحة تعميهم عنها مطامعهم الصهيونية وافكارهم التوراتية من جهة, وتعميهم عنها غطرسة القوة التي يتمتعون بها في ظل الوضع العربي الضعيف, ولكن هذا الوضع الفلسطيني والعربي ليس وضعا استاتيكياً جامدا ولا حتى الوضع الدولي, وبالتالي فانه بقدر ما تكون التسوية الحالية مجحفة بالحق الفلسطيني والعربي, بقدر ما سيكون عمرها اقصر . اذ لا يمكن مثلا (وهذا سيتضح في موضوع الحل النهائي الذي اصبحنا على بعد اشهر منه) ان يتم السكوت عن التنازل عن حق اللاجئين في العودة, او التنازل عن القدس, او التنازل عن مساحات كبيرة من الاراضي الفلسطينية, او سرقة المياه الفلسطينية, او بقاء الاستيطان. هذه كلها قنابل موقوتة او تحت الرماد سيتم تفجير التسوية من خلالها مستقبلا. توسيع اطار المنظمة * ماهو الدور المطلوب فلسطينيا وعربيا لعودة الحقوق الفلسطينية؟ - هذا عنوان طويل يصلح عنوانا لبرنامج عمل, ولكن سأحاول الاختصار, فعلى الجبهة الفلسطينية المطلوب اولا تحقيق اكبر قدر من الوحدة الوطنية تقوم على الالتقاء على البرنامج الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية وتوسيع اطار المنظمة لتشمل التيار الاسلامي والتمسك بحق العودة للاجئين الفلسطينيين وفق القرار (194) وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني والانسحاب الاسرائيلي الكامل من الاراضي الفلسطينية والعربية, بما فيها القدس وازالة الاستيطان, واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة واعتبار هذا البرنامج خطوطا حمراء لايجوز التراجع عنها او التفريط باي جزء منها. ثانيا: القضاء على كل مظاهر الفساد واستبعاد رموزه ومحاسبتهم من اجل تقوية الجبهة الداخلية, والتوقف عن الاستجابة لاي مطالب اسرائيلية, تتعلق بتقييد الحريات الداخلية, والتوقف عن الاستجابة لأي مطالب اسرائيلية, تتعلق بتقييد الحريات الفلسطينية واعتقال المواطنين الفلسطينيين, بل وضرورة الافراج عن كل المعتقلين السياسيين لرص الجبهة الداخلية. والخروج من الدائرة الخاطئة التي نعتبر القضية الفلسطينية قضية تخص الفلسطينيين وحدهم واعادة هذه القضية الى بعدها القومي العربي واشراك العرب رسميا وشعبيا في واجباتهم اتجاهها. اما عربيا فنبدأ بالنقطة التي انتهينا عندها فلسطينيا, هي أنه للعرب ان يكفوا عن التهرب من مسؤولياتهم تجاه القضية الفلسطينية تحت شعار نقبل ما يقبل به الفلسطينيون وان يتوقفوا عن كل اشكال التطبيع مع اسرائيل حتى تستجيب للمطالب والحقوق العربية والفلسطينية. واذا ما تم اعتماد هاتين السياستين فلسطينيا وعربيا, عندها يصبح التوجه للمجتمع الدولي اكثر يسرا ويصبح استماع المجتمع الدولي للارادة الفلسطينية والعربية اكثر استجابة. حوار: ماهر ابراهيم