ودعت مصر عام 98 بحالة شديدة من الهدوء تشبه حالة شوارع القاهرة ساعة الافطار في شهر رمضان المبارك , رغم ان مصر كانت قد استقبلت العام نفسه بصخب وغضب شديدين. وقد توزعت الهموم ما بين شبح الأعمال الإرهابية الذي كاد يختفي لتتسع باختفائه الآمال المعلقة على المضي قدما في الخطط التنموية, وبين حرية الصحافة إلى المحاولات الملعونة لإثارة فتنة طائفية في مصر من قبل أيد تتربص بها, وحتى العلاقات مع أمريكا وملف المعونة التي تتلقاها مصر. القواسم المشتركة بين هذه القضايا وغيرها رغم تفاوت الاهتمام بها هو اثارة المعارك حولها على صفحات الصحف المصرية على مختلف مشاربها, لتؤكد ان حدثا كبيرا بعينه لم يكن محل انفراد باهتمام دائم على مدار العام واقتصر على المعالجة الموسمية. القاهرة ــ أيمن شرف: لم يخل شهر يناير من أحداث بدت صغيرة لكنها شغلت جانبا من الرأي العام أبرزها مشروع القانون الذي يقضي بتقليص اختصاصات المحكمة الدستورية العليا وإحالة أحكامها الى مجلس الشعب ليقوم بمواءمتها من حيث سريان النص أو عدم تنفيذ الحكم. وكان مصير المشروع الرفض بعد تعرضه لانتقادات حادة في الصحف لما تعرض مقدمه ــ من الحزب الوطني ــ للوم وتأنيب رئيس مجلس الشعب وقيادات الحزب الوطني المتنفذة, وبينما انشغل المثقفون بحدث خارجي هو الحكم ضد (روجيه جارودي) المفكر الفرنسي المسلم, بسبب تفنيده للأساطير الصهيونية وحمى تأنيب الذات على عدم الدعم والتأييد الكافيين له, انشغل عامة الناس بقصة الفنانة (إلهام شاهين) وطليقها اللبناني قدورة أو محاولة تشويهها (بمية النار) . وزادت السخونة نسبيا في النصف الثاني من الشهر بطرد عدد من المصريين العاملين في قطر وما تلاه من (توتر صحفي) ورسمي نسبيا على الجانبين, تبودلت فيه الانتقادات, وما لبثت الأجواء السياسية ان هدأت سريعا, وفي الوقت الذي كانت أصوات سياسية وثقافية داخلية تطالب بالمزيد من حرية الصحافة وإطلاق اصدار الصحف, خاصة وأن سوق الصحافة اكتظ بسيل من الصحف الصادرة برخص قبرصية وأجنبية أخرى, لأن السلطة تقيد اصدار صحف مصرية مائة بالمائة, صدر قانون من مجلس الشعب يضيف شرط موافقة رئاسة الوزراء على تأسيس شركات الصحافة, الأمر الذي اعتبره كثير من الصحفيين والمثقفين قيدا اضافيا على حرية الصحافة, وحجبا للحيوية والتجديد في الساحة السياسية, خاصة وأن الصحافة الحزبية تراجعت بدرجات متفاوتة لأسباب تتعلق بالأحزاب, وأصبح الواقع الاجتماعي (الجديد) يتطلب منافذ مختلفة وجديدة للتعبير عن الرأي أو المصالح الجديدة الخاصة بشرائح اجتماعية صاعدة, وأخرى تلتقط أنفاسها سعيا للصعود أو هروبا من الهبوط. أما الجدل الذي كان دائراً من قبل حول الاحتفالية بمرور 200 عام على العلاقات المصرية الفرنسية, والتي تؤرخ بدايتها بالحملة الفرنسية على مصر (1798) فقد حسمه على المستوى الشعبي ــ التلفزيوني مسلسل الأبطال لصالح رفض الاحتفالية باعتبارها احتفالا غير جائز بالاستعمار, بينما ظل الطرف (الفرانكفوني) المؤيد على مستوى النخبة في موقف دفاعي ضعيف, وانتهى الجدل باقامة الاحتفالية تحت مسمى جديد هو (آفاق مشتركة بين مصر وفرنسا) تجنبا للانتقادات الحادة وربما المقاطعة من قبل المثقفين المصريين. أزمة قصور الرئاسة حازت أزمة القصور الرئاسية العراقية واحتمالات تعرض العراق لضربة امريكية بريطانية موجهة اهتمام الرأي العام المصري, وغطت على احداث اخرى في الداخل المصري مثل (معرض الكتاب الدولي) الذي يعتبر احتفالية ثقافية سنوية يشارك فيها شباب وشيوخ القراء المصريين, ومثل مؤتمر الرواية العربية الأول بالقاهرة, ولكن انتهاء الأزمة على خير, بتوقيع اتفاق بين طارق عزيز رئيس الوزراء العراقي وكوفي عنان, جعل المصريين يتنفسون الصعداء بعد ان راحت أخبار الاغتصابات والتظاهرات تحتل مقدمات الصحف (المعارضة غالبا) , وأتاح انفراج تلك الأزمة لجمهور (كرة القدم) ان يسعد بأداء المنتخب الوطني المصري في بطولة الأمم الأفريقية والتي توجت بالفوز بكأسها مع بداية الشهر التالي. صحافة وعواصف ترابية لم يكد ينتهي شهر فبراير حتى تفجرت أزمة ايقاف طبع صحيفة (الدستور) المستقلة المصرية (واقعيا) والقبرصية (قانونا) والتي كانت حركت الراكد في مياه الصحافات الاخرى الحكومية والمعارضة, بتجديدها في الصياغة والشكل الصحفيين وجرأة الموضوعات التي تناولتها والروح الشابة المتحمسة التي تكتب بها, وكان نجاح مطبوعة (الدستور) محدودة الامكانيات وصما بالفشل لصحف أخرى ضخمة الامكانيات, مما أثار حفيظة الآخرين الى حد ما, إلى جانب انتقادها اللاذع لكثير من الشخصيات السياسية والعامة, وما جعل اغلاق تلك الصحيفة حدثا في حد ذاته أو بداية لتوجه معين تزامنه مع الحكم السابق بسجن رئيس تحرير جريدة (الشعب) في اطار حملة جريدته على وزير الداخلية الأسبق, ومن جانب آخر الغاء تصاريح طبع العديد من الصحف (الأجنبية قانونا) الصادرة برخص من الخارج, وتنشيط دور (المجلس الأعلى للصحافة) في اتجاه ما سمي (الحفاظ على حرية الصحافة من أخطائها) , ومطالبة نقابة الصحفيين بالقيام بدور في معاقبة الصحفيين الخارجين على قواعد المهنة وقسمها, وبعد قليل صدر حكم بحبس صحفي رابع في قضية نشر بصحيفة (العربي) الحزبية وكان في الوقت نفسه مدير تحرير صحيفة الدستور () المعطلة حينئذ! وارتدى الجدل الصحفي حول المسألة عدة عناوين منها: (حرية الصحافة في خطر) , ومنها (إيقاف الصحافة الصفراء) مما أدى الى التباس كبير في أذهان الرأي العام, ولم ينفض الالتباس الا بعد حين عندما ظل الأمر على ما هو عليه, استمرار اغلاق الدستور واستمر حبس مجدي حسين رئيس تحرير الشعب وجمال فهمي مدير تحرير الدستور. وعلى صعيد الأحوال الجوية انتصف شهر مارس بعاصفة ترابية, فاقت كل سابقاتها, واعتبرها بعض المتخصصين (الأولى منذ خمسين عاما) , أظلمت خلالها السماء في بعض المناطق, وحولت مسارات الطائرات, وسقط عدد محدود من الضحايا على الطرق المفتوحة. وعلى مستوى العلاقات المصرية ــ الأمريكية التي ما انفك كثير من المسؤولين يصفونها بــ (الجيدة) , لاح في الأفق بداية للتوتر مع مناقشة مشروع قانون الاضطهاد الديني في لجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس الأمريكي, وورود اسم مصر ضمن دول أخرى يتعرض فيها المسيحيون للتضييق على حرياتهم الدينية, في الوقت الذي ورت أخبار عن مناقشة خفض المعونة الأمريكية لمصر في لجان استماع بالكونجرس الأمريكي, من هنا أصبح الكلام مفتوحا على محاولات التدخل في السياسات المصرية على صفحات الجرائد, ونوقشت باتساع فوائد ومضار المعونة الأمريكية, وتعرضت لانتقادات حادة على لسان معارضين وسياسيين رسميين في بعض الاحيان, وصدرت تصريحات بقدرة مصر على الاستغناء عن المعونة, وتصريحات أخرى ترفض اي تدخل أو شبهة تدخل في السياسات الداخلية المصرية, وتذكر عدد من الشخصيات القبطية والمسلمة البارزة محاولات بريطانية أيام الاحتلال البريطاني لمصر اشعال نار الفتنة بين المسلمين والمسيحيين, وتذكروا أيضا فشلها الذريع. وكان الموضوع التالي في الأهمية, والذي حظي بانتقادات رسمية ومعارضة هو التحالف التركي ــ الاسرائيلي, وتساءل وزير الخارجية المصري ذات مرة لماذا هو استراتيجي! ولكن الانتقادات للتحالف التركي ــ الاسرائيلي تخفق أحيانا أخرى كلما صدرت تطمينات تركية, أو تبادل زيارات رسمية بين البلدين. ابريل: أحداث كاذبة وأخرى صادقة خلا أول ابريل من أية أكاذيب, اللهم الا تصريحات نتانياهو بشأن القضية الفلسطينية والتي توليها القاهرة اهتماما دائما, الا ان نهاية الشهر حفلت بأكذوبة كبيرة هي زيارة نتانياهو للعاصمة المصرية التي استقبلته رسميا ولسان حالها يلخصه المثل الشعبي (خلينا ورا الكداب لحد باب الدار) , أما الصحافة الشعبية فاستقبلته بعبارات (لا أهلا ولا سهلا) , (عار زيارتك للقاهرة) الى الحديث مرة أخرى عن (الهواء الفاسد في القاهرة) , ووصل الامر الى حد وصف وزير الخارجية عمرو موسى لسياسات نتانياهو بأنها كلام فارغ, وانتهت زيارة رئيس وزراء اسرائيل بــ (وعود كاذبة) كما كان متوقعا, ولم تؤثر على الاطلاق في تغيير وقف التطبيع مع اسرائيل, أو الافراج عن جواسيس اسرائيليين في السجون المصرية وفي مقدمتهم (عزام عزام) الذي أثيرت بسببه أكثر من زوبعة في الصحافة الاسرائيلية. وعلى المستوى الداخلي لم يخل شهر ابريل من (أحداث صادقة) ذات دلالات خاصة, كان أولها الغاء نتائج الانتخابات المحلية في 24 دائرة, وتوالي مشاهد البلطجة ودورها في تلك الانتخابات, كما حدثت في انتخابات مجلس الشعب السابقة, وانتشار الظاهرة أيضا في نطاق جديد بين طلبة المدارس وتكرارها الى حد اتخاذ وزير التربية والتعليم اجراءات صارمة مع الطلبة المتهمين بالبلطجة وضرب مدرسيهم أو الاعتداء على حرمة المدارس وقدسيتها, وعلى الصعيد نفسه (صعيد العنف) شهدت مدينة بلقاس بمحافظة الدقهلية غضبا شعبيا شديدا, هو الأول من نوعه فيها, اثر تعذيب مواطن بقسم الشرطة حتى الموت وإعادته الى أهله بعد ساعات من القبض عليه جثة هامدة تحمل آثار التعذيب, فتظاهر الآلاف وأحدثوا تلفيات في بعض المنشآت العامة كالسكة الحديد ومجلس المدينة والمحكمة والسنترال, وقاومتهم الشرطة بالهراوات والقنابل المسيلة للدموع, وكانت عاصمة الثغر الاسكندرية قد شهدت أحداثا مماثلة وان كانت أقل عنفا وغضبا عن اعلان حكم المحكمة باعدام الممرضة (عايدة) المتهمة بتقل عدد كبير من مرضى المستشفى التي كانت تعمل به. وتوقف الامر عند تعطيل حركة المرور بمنطقة المحكمة ورفع لافتات (عايدة بريئة) . عام النهضة الاعلامية الفضائية وانتهى ابريل بحدثين بارزين, إطلاق صاروخ إيريان حاملا القمر الصناعي المصري في قاعدة بأمريكا اللاتينية, وتقليد د. أحمد زويل وسام بنيامين فرانكلين في فلادلفيا بالولايات المتحدة الامريكية, واحتفل التلفزيون المصري بالحدث الأول بالطبع, مبشرا الدولة المصرية والشعب المصري ببداية عصر جديد من التفوق الاعلامي المصري ووصوله إلى كل أنحاء المعمورة. والامكانيات التي يوفرها عند البث الكامل ثقافيا وتعليميا وخدميا, ولم يحتفل التلفزيون بالحدث الثاني, حصول أحمد زويل على (جائزة بنيامين فرانكلين) لأنه كان ما زال حدثا صغيرا, ما لبث فيما بعد ان احتفت به جميع وسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة عند زيارته لمصر بعد ذلك, والذي تخلله على استحياء انتقاد لزويل بسبب زيارته لاسرائيل, والتي لم تعرف على نطاق واسع الا لاحقا. وكان مؤتمر العولمة وقضايا الهوية الثقافية التجمع الأول لعدد كبير من المفكرين والمثقفين المصريين والعرب بدعوة من المجلس الأعلى للثقافة هو الحدث الثقافي الأضخم في شهر ابريل, وإن لم يكن في العام كله, على الرغم من ان المؤتمر لم يصدر تصريحات الى جهات معينة, وإنما في التنبيه من خطورة (العولمة) على النحو الطبيعي للشخصية المصرية والعربية, والتذكير بأهمية التعامل الايجابي مع الظاهرة دون انغلاق كامل أو انفتاح لا واعي على مفردات الثقافات الوافدة والمدفوعة لإحداث آثار سلبية على المجتمع والشخصية القومية. مايو: شهر حافل بالقضايا يرتبط مطلع مايو من كل عام في أذهان عامة المصريين, خاصة الموظفين بمنحة عيد العمال, وعبارة (المنحة يا ريس) التي يرددها عادة أحد الحضور لخطاب الرئيس المصري في تلك المناسبة, اذا ما تأخر الإعلان عنها بسبب استفاضته في استعراض الجوانب السياسية الأخرى اثناء خطابه, ولكن (أول مايو من عام 1998) شهد (لغطاً غريبا) سرعان ما انطفأ, كان سببه تعديل قانون شركة قناة السويس بحيث يلزم مجلس ادارتها بأن يبلغ رئيس الوزراء بقراراته قبل تنفيذها بدلا من ابلاغ رئيس الجمهورية وتزامن ذلك مع بيع اسهم شركة قناة السويس في شركة مملوكة لها الى جانب اسهم مملوكة لشركات اخرى فيها مما احدث التباسا حسمه رئيس الوزراء كمال الجنزوري بنفيه المطلق لوجود اي تفكير في بيع شركة قناة السويس واطمأن الناس الذين استنفرهم (الالتباس) ليس فقط بسبب تطمينات رئيس الوزراء ولكن ايضا بسبب ماتتمتع به القناة من مكانة سياسية خاصة في نفوسهم ومن جانب اخر لطبيعة القناة كممر مائي دولي يصعب بل يستحيل على اي حكومة عاقلة رشيدة ان تفرط فيه لصالح شركة خاصة حتى لو كانت وطنية مائة بالمائة واشراف الدولة مباشرة عليه يمثل مظهرا من مظاهر سيادتها دوليا. وعلى صعيد اقتصادي ذي طابع سياسي اساسي ايضا زار القاهرة نائب الرئيس الامريكي (آل جور) بعد تأجيله عدة مرات للزيارة لاسباب عدة لم يبح السفير الامريكي في مصر بها بينما ارتآها بعض المراقبين السياسيين واضحة فقد تزامنت المواعيد السابقة للزيارة مع بدء مناقشة مشروع قانون الاضطهاد الديني من لجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس الامريكي وما اثاره ذلك من توتر على خريطة العلاقات المصرية الامريكية واجتمع الرئيس مبارك بآل جور بوصفه رئيس الجانب الامريكي في المجلس الرئاسي المصري الامريكي واصدر الجانبان بيانا عن اصلاحات هيكلية وتشريعية لجذب المستثمرين الى مصر ودعم قطاعات التأمين والبنوك واخرى خاصة بالملكية الفكرية واوصى البيان بتنمية الابحاث العلمية المشتركة وتحديث اجهزة ومعدات القطاع الخاص ورعاية ندوات وورش عمل ثقافية في كل من مصر وامريكا لخدمة اغراض المجلس الرئاسي واتفق الطرفان على مزيد من خصخصة الشركات المملوكة للدولة وتنشيط القطاع المالي والقيام باصلاحات تشريعية لدعم قطاعات التأمين والبنوك وسوق رأس المال (البورصة) وحماية حقوق الملكية الفكرية وفي نفس الشهر مايو وقرب نهايته اصدر الكونجرس الامريكي قانون الاضطهاد الديني والذي يقضي بانشاء مكتب لرصد الظاهرة في عدد من دول العالم بشكل يرضي مصر رسميا, ويخفف من حدة عاصفة الانتقادات الشعبية نسبيا حيث حذف النص اسم مصر من الدول المعنية بالتضييق على غير المسلمين والاكتفاء بوقف المعونات التي تقدمها امريكا لتلك الدول بدلا من المقاطعة التجارية الكاملة واعطاء الرئيس الامريكي الحق في تعليق العقوبات حسب شروط خاصة يراها وان كانت تلزمه في الوقت نفسه بتوصية صندوق النقد الدولي الامتناع عن منح (الدول المعنية) اية قروض, وهدأت عاصفة الهجوم على قانون الاضطهاد الديني الامريكي. العلاقات مع السودان ومن الجنوب وبعد ان كادت محاولات التهدئة بين مصر والسودان ان تصل الى شاطىء هادىء اثر قرار الرئيس السوداني عمر البشير اعادة الممتلكات المصرية التي سبق وان صادرتها حكومته لم يتوصل الوفد المصري رفيع المستوى الذي ارسل الى الخرطوم بهذا الشأن الى تنفيذ القرار واشار احد مسؤولي الخارجية المصرية الى ان الخرطوم لم تلتزم ايضا بتسليم العناصر الارهابية التي تورطت في الاخلال بالأمن القومي المصري وظل التوتر على ماهو عليه وان كانت اللجان الفنية المشتركة الخاصة بمياه النيل قد واصلت اجتماعاتها التنسيقية بعد انقطاع معلن دام فترة, وعلى صعيد مجلس الشعب المصري طفت على سطح الصحافة المعارضة ظاهرة غياب اعضاء المجلس عن الجلسات ودهشة وحيرة رئيس المجلس من غيابهم (المنتظم) الى حد افتتاحه بعض الجلسات بـ 60 عضوا فقط لتسجل بذلك مخالفة للوائح المجلس الذي تساءل رئيسه د. فتحي سرور ذات مرة (همه عايزين ايه) يقصد اعضاء المجلس المتغيبين عن الجلسات رغم حصولهم على المكافآت المتعلقة بها وبعد ايام من عبارة رئيس المجلس تلك اعلن عن زيادة ميزانية المجلس الى 82 مليون جنيه منها 6 ملايين للمبيت والزيارات الميدانية و9 ملايين جنيه للانتقالات وبدلات المستشارين! فضائح القروض في الوقت نفسه تم الكشف عن وقائع جديدة في الفضيحة المسماة (بنواب القروض) في شهادة ممثل الرقابة الادارية وكان من بينها حصول شركة (النملة) المملوكة لاحد الاعضاء على قرض بـ 28 مليون جنيه في نفس يوم تقديم طلب بالقرض, وبدون دراسات ائتمانية وبدون ضمانات وهي شركة مازالت تحت التأسيس وتضمنت الشهادة ايضا انه تم صرف قروض بدون اية ضمانات وان بعض رجال الاعمال حصلوا على مئات الملايين من جنيهات البنوك دون تسجيلها في دفاترها وفي اطار القروض ايضا بدأت في الشهر نفسه اعادة محاكمة عبدالوهاب الحباك المسؤول السابق باحدى الشركات القابضة بعد ان حكم عليه بالحبس 10 سنوات وغرامة 25 مليون جنيه هي اجمالي ثروته غير المشروعة من المال العام. شهدت القاهرة ايضا قرب منتصف شهر مايو مؤتمر مجموعة الـ 15 والذي انتظر بعض المراقبين الاقتصاديين والسياسيين منه ومن دوله تطورا في ادائها التعاوني كمجموعة لدول الجنوب في مواجهة المجريات السياسية والاقتصادية العالمية وسيطرة الدول الصناعية الكبرى السبع على اقتصاديات العالم على حساب دول الجنوب ومجتمعاتها النامية والصاعدة ولكن البيان الختامي للمؤتمر جاء عاما من ناحية ومن ناحية اخرى لم يتم انشاء آلية لتنفيذ توصياته العامة والتي سيطر عليهااجواء الازمة المالية والاقتصادية في دول جنوب شرق اسيا, تضمن البيان الختامي المطالبة بدعم المؤسسات الوطنية لمواجهة تحديات الاقتصاد الحر وتعاون دول الجنوب لمواجهة التحولات الاقتصادية والتحديات الكتنولوجية في القرن المقبل وضرورة اشراف الدولة على اسواق المال والتأكد من شفافية الشركات والبنوك ومنح حرية اوسع للقطاع الخاص واتخاذ اجراءات للحد من هروب رؤوس الاموال وقت الازمات وحث الدول الصناعية السبع الكبرى على الحوار مع دول المجموعة والدول النامية حول مواجهة مخاطر التحول الى سياسات التحرر الاقتصادي. وعلى صعيد غير اقتصادي ولاسياسي بل ديني بالاساس حاز حدثان على اهتمام عموم الناس في مصر اولهما تفجر في مجلس الشعب وثانيهما تفجر في الجامعة الامريكية حيث بدأت لجنة الشؤون الدينية ولجنة التعليم في المجلس مناقشة خفض المناهج الدراسية في المرحلة القانونية الازهرية من خلال خفض سنوات الدراسة بها من اربع سنوات الى ثلاث سنوات فقط وبعد مناقشات طويلة في المجلس وجدل خارجه على صفحات الصحف تم اقرار مشروع قانون يخفض سنوات الدراسة في المرحلة الثانوية الازهرية لايمس المحتوى الديني للمناهج من دراسة الفقه والشريعة والقرآن والسنة ويساوي بين طلبة المدارس الازهرية وطلبة المدارس الثانوية العامة في عدد سنوات الدراسة اما الجامعة الامريكية فقد اثار تدريس كتاب مترجم عن الفرنسية الى الانجليزية عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم حفيظة الكثيرين لمايتناوله من دعاوى مغلوطة عن حياة الرسول, واضطر وزير التعليم العالي مفيد شهاب امام الانتقادات في مجلس الشعب الى ان يدفع عن وزرائه المسؤولية ويفجر مفاجأة ان الكتاب يباع في الاسواق منذ سنوات وان الجامعة الامريكية قررته كمرجع قبل تسعة سنوات وانتهت الازمة بالغاء تدريس الكتاب على طلبة الجامعة الامريكية رغم اعتذار مدرس المادة على صفحات الجرائد بأنه يدرس الكتاب كنموذج على المغالطات والافتراءات ضد الاسلام لكي يتمكن الطلبة من الرد على امثالها. من جانب اخر احيا حدثان اخران نغمة تأنيب الذات (المصرية والعربية) على مستوى النخبة ومستوى العامة هما اجراء الهند لثلاث تجارب نووية وتلتها باكستان والمواجهات الدامية في فلسطين المحتلة في مناسبة الذكرى الخمسين لنكبة 1948 واللذان توافقا ايضا مع التشدد الاسرائيلي حيال تنفيذ الاتفاقات السابقة وفشل مؤتمر (لندن) الذي كان متوقعا اثناء رفض رئيس الوزراء الاسرائيلي الانسحاب من 13% من اراضي الضفة الغربية وحفلت الصحف المصرية حكومة ومعارضة وغيرها بمراجعات ودراسات ومقالات تتحدث عن اهمية امتلاك القوة واهمية التضامن العربي ونقد التفكك العربي في الوقت الذي كانت تتوالى انباء عن تعثر امكانية عقد قمة عربية تنظر في الشأن الفلسطيني وقضية القدس. وانتهى الشهر نهاية درامية عندما سيطر على الاهتمام الشعبي الحديث عن (حبوب الفياجرا) اثر مصادرة كميات منها في صيدليتين بالقاهرة وتوالى التحقيقات الصحفية عن مضارها ومنافعها, في جميع الصحف تقريبا, وكان فوز الاهلي على الزمالك رقم 81 الحدث الرياضي الشعبي الاهم في شهر مايو الحافل. يونيو هادىء وحزين بدأ شهرا هادئا وانتهى اكثر هدوءا حيث طغت متابعة احداث مباريات كأس العالم على اهتمامات الناس في الثلث الاخير من يونيو وكان من بينها مباراة ارتدت سمة سياسية هي مباراة ايران وامريكا وتعاطف جمهور الكرة كحالة في كثير من البلدان العربية مع الفريق الايراني وان لم تمنع الكرة اهتمام الناس بأحداث وقضايا هامة. على المستوى الخارجي استمرت اصداء التفجيرات النووية الباكستانية الهندية, واستمرت الخلافات حول القمة العربية والحديث عن طلب امريكي بتأجيلها وما اشبه الليلة بالبارحة واعلن عن بدء الحوار الاستراتيجي المصري ـ الامريكي في منتصف الشهر التالي يوليو على لسان السفير الامريكي بالقاهرة وظل محتوى الحوار والهدف منه محل غموض واستغلاق لدى كثيرين وبينهم محللون سياسيون لم يتضح الابعد فترة. وعلى مستوى الاهتمام الشعبي العام ظل الحديث والتنكيت عن الفياجرا موجودا وان كان دخولها مصر قد حسم نهائيا, وسرعان ماحدثت ازمة الصيادلة بين وزير الصحة من جانب ونقابة الصيادلة وجمعيتها العمومية من جانب اخر, اثر استصدار مشروع قانون من مجلس الشعب يغلظ عقوبة انتاج او بيع او جلب او عرض للبيع مستحضرات او مستلزمات طبية محظور تداولها بالحبس والغرامة وخاصة الصيادلة ومعركتهم النقابية التي لم تنته بالغاء عقوبة الحبس عن المخالفة الاولى واستبدالها بالغرامة ثم الحبس سنة واغلاق الصيدلية 3 شهور الى سنتين عند المخالفة الثانية وانما انتهت الازمة في منتصف الشهر عندما اصدر وزير الصحة قائمة بالمستحضرات والمستلزمات الطبية المحظورة, خسرت شركات الدواء في تلك الفترة التي قاطع الصيادلة فيها عددا من شركات الادوية وشركات توزيعها حوالي 70 مليون جنيه, بهدف دفعهم للتدخل والمشاركة في حل الازمة. وفي مقابل الاحتفاء بزيارة د.احمد زويل لبلده مصر اثر تقليده وساما علميا رفيعا في امريكا في محافظته البحيرة كحدث مفرح بهيج كانت وفاة الشيخ محمد متولي الشعراوي (حدث يونيو الحزين) الشيخ الشعراوي شعبيته التي اكتسبها من تفسيره وشرحه السلس لمعاني آيات القرآن في وسائل الاعلام وابرزها التلفزيون وفي اتجاه الحزن ايضا صدر التقرير السنوي للمنظمة المصرية لحقوق الانسان بعدد حالات العنف السياسي ويرصد مقتل 191 شخصا واختفاء 9 اشخاص نتيجة لانتهاكات حقوق الانسان منتقدا استمرار قانون الطوارىء ومده لمدة ثلاث سنوات وحجب الجماهير عن العمل السياسي الحر لصالح الحزب الوطني الحاكم. وشهد شهر يوليو ايضا اصدار اول بيان من نوعه من مجلس ادارة نادي القضاة يحذر الصحافة من التعقيب على احكام القضاء او القضايا المنظورة امام المحاكم ويطالب بمراعاة نشر تحقيقات النيابة مجردة من التلوين او ابداء الرأي حول التحقيقات.