انطلقت الليلة قبل الماضية في أم درمان مظاهرات صاخبة تهتف ضد النظام في أول مواجهة مرشحة للتصاعد بين الحكومة والمعارضة الداخلية وجاءت التظاهرات في سياق احتفال الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي يتزعمه محمد عثمان الميرغني (زعيم المعارضة في المنفى) بعيد استقلال السودان (يصادف أول يناير). وخاطب المسيرة التي انطلقت من منزل الزعيم الأزهري ومرت بالشوارع المؤدية إلى مقابر البكري حيث ضريح الزعيم الأزهري عدد من القيادات الاتحادية في مقدمتهم الحاج مضوي زعيم الاتحاديين بالداخل. وتخللت المسيرات الجماهيرية هتافات معادية للحكومة وتدعو إلى رفض التوالي علنا مؤكدة ان (لا توالي مع الترابي) (ويا أم درمان ثوري ثوري ضد الحكم الديكتاتوري) . وكانت المظاهرات قد اتجهت إلى داخل السوق بأم درمان وشقت الأحياء السكنية إلى ان وصلت لمباني محافظة أم درمان ثم عادت مرة أخرى إلى منزل الزعيم الأزهري دون أن تتعرض لها قوات الشرطة التي اكتفت باطلاق صفارات انذار متواصلة وقذائف من القنابل المسيلة للدموع. وشهدت فترة المساء حالة تصاعد جديدة للأحداث اثره ندوة سياسية أحدثت نوعا من الفوران السياسي حيث احتشد نحو ثلاثة آلاف شخص فيما حال ضيق المكان المخصص لها داخل منزل الزعيم الأزهري والاجراءات الصارمة التي اتبعتها الشرطة باغلاق الشوارع المؤدية إلى الموقع دون وصول اعداد مضاعفة من الجماهير. وعلى الرغم من ان الاحتفال قد اقترن بمناسبة الاستقلال وذكرى الزعيم الأزهري إلا انه كان يمثل أول ندوة علنية للأحزاب التي ترفض التوالي وكان من بين المتحدثين إلى جانب الاتحاديين ممثلون لحزب الأمة والتجمع الوطني لاسترداد الديمقراطية واكتفى ممثلون للشيوعيين ولجبهة الاحزاب الافريقية بالمشاركة بالحضور, وتليت خلال الندوة برقيتان بعث بهما كل من الصادق المهدي رئيس الوزراء الأسبق وسيد أحمد الحسين مساعد الأمين العام للحزب الاتحادي الديمقراطي أكدا فيها رفضهما لقانون التوالي وطالبا القوى السياسية بمباشرة نشاطها دون الالتزام بالقانون الجديد مهما كانت التضحيات. وفي كلمته أعلن علي محمود حسنين باسم الاتحاديين وقياداتهم بالداخل عن رفض التوالي والشروع في الوقت نفسه في استئناف نشاط الحزب وقال على جماهيرنا الممتدة في كل بقاع السودان أن تتجمع في تكوينات سياسية في القرى والمدن والأحياء لممارسة نشاطها السياسي واقامة الليالي السياسية. وأضاف علي محمود حسنين أن الحزب قد قرر عزل كل من يحاول التسجيل في التوالي السياسي الذي فصلته الانقاذ لصالحها وقال ان القانون جاء معتمدا على الدستور والدستور يحوي ثوابت الجميع غير متفق حولها وإذا ارتضت القوى السياسية بها لم يتبق أمامها إلا مبايعة الترابي وقال ان الاشتراك في التوالي يخالف أهدافنا الرئيسية في عزل النظام وتفكيكه والمشاركة لا تزيد إلا من عمره مشيرا إلى ان القانون الجديد للانتخابات قانون وضعته الجبهة وهو جزء من أفكارها والأحزاب القادمة بالقانون لا تخرج من عباءة المؤتمر الوطني الحاكم. كما ألمح في شكل رد جديد وقال لا صراع بيننا كشباب وشيوخ ولكن تناصر وتناصح والذين تركوا الصفوف من مجموعة زين العابدين الهندي قد أصبحوا بذلك خارج الحركة الاتحادية ــ وقال حسنين ان الحكومة تتحدث عن الوفاق وترفض التفاوض مع الأحزاب وأضاف ان رفض المذكرة كان بمثابة فرصة أضاعتها الحكومة للحلول السلمية وهو ما كنا نخشاه وما حدث قفل الطريق أمام أي وفاق أو حوار وطني ولم تتبق إلا المواجهة فماذا نفعل؟ وقال محمد إسماعيل الأزهري ان الحزب قد حدد موقفه من التوالي وانه شخصيا كان غير مقتنع بجدوى التوالي وقال ان الذين يدعون للتوالي من مجموعة الشريف ان يتركوا ذلك والعودة إلى الحظيرة وقال أؤكد ان جميع الرؤى الاتحادية قد توحدت دون خلاف على رفض التوالي. وقال نؤكد لكم بأننا سنكون في حالة اتصالات مع جماهير الاتحادي في كل موقع رغم علمنا بمصاعب اللقاءات وقال باننا نمد يدنا للسيد سيد أحمد الحسين لبناء الحزب من جديد للانفتاح على كل جبهة وتجاوز الواقع الحالي. وتحدث غازي سليمان المحامي رئيس التحالف الوطني لاسترداد الديمقراطية فقال ان كل القوى التي تراضت على ميثاق أسمرا وقامت برفع مذكرة القصر ترفض التوالي. وتساءل كيف نتوالى سياسيا ونحن لا نستطيع التوالي نقابيا وقال ان قبول تجربة التوالي في هذه المرحلة المقصود منها انشاء أحزاب ضعيفة تعيش على نفقة المؤتمر الوطني الحاكم ولا تنافسه. وأضاف بأن التوالي أكبر أكذوبة في الوقت الحالي لان أي توال لا تكون نتيجته عودة عناصر المعارضة من الخارج وتقرير المصير لا يمكن أن يكون ذا جدوى للسياسيين ــ وأوضح ان النظام اتبع سياسات لا يمكن الخروج منها إلا بحكومة قومية وفترة انتقالية. ثم قال عبدالله عبدالرحمن نقدالله عن حزب الأمة ان الحكومة كبتت الحريات على الشعب وهي تتحدث عن الانفتاح. وقال اننا بعد عشر سنوات من الانقاذ لن نتحدث مرة أخرى عن الانتظار ولا بد لنا من الانطلاق في ثورة عارمة لانتزاع الحريات. مشيرا إلى ان الغرض من رفع المذكرة كان رغبة في ايجاد فتح حوار مع الحكومة لكنها كما ثبت انها لا تريد ذلك ولا تعرف التسامح وقال ان حزب الأمة سيمارس نشاطه علنا في الاحياء وخارج قانون التوالي ولن نشكو السجون والارهاب بعد ذلك. كما تحدث الحاج مضوي محمد أحمد عن مواقف الحزب الاتحادي الرافضة للتوالي وشهد الندوة أبيل ألير زعيم جبهة (ANF) الجبهة الوطنية الافريقية المقربة من قرنق وفاروق زكريا ممثل الحزب الشيوعي بينما اكتفى حزب البعث بارسال برقية حيا فيها الاتحاديين في الاستقلال. وقد امتلأ الفناء الداخلي لمنزل الزعيم الأزهري على مصراعيه بالمحتشدين من جماهير الأحزاب والطلاب وتسلق بعضهم الشرفات. وظلت الهتافات متواصلة لم تنقطع ــ مركزة على رفض التوالي والدعوة لاسقاط الحكومة ــ وعلى الرغم من ان قوات الشرطة لم تتدخل الا انها ظلت في حالة استعراض متواصل لقواتها في الشوارع الرئيسية المحيطة بالمنزل وتطلق صفارات الانذار. واطلاق قذائف المسيل للدموع غير ان ذلك لم يفض الندوة وظلت في انعقادها حتى الساعات الأولى من صباح أمس السبت. الخرطوم ـ التيجاني السيد