لم تمض إلا ساعات قليلة على الاحتفالية السياسية في العاصمة البلجيكية بروكسل, والمدينة الألمانية فرانكفورت بمناسبة توقيع الوثيقة الرسمية للتعامل بوحدة النقد الأوروبية الموحدة ــ اليورو ــ إلا وبدأت على الفور تحركات سياسية اوروبية نشطه تعلن وجوب تولي الاتحاد الاوروبي اعتبارا من الآن بذاته مهمة الدفاع والأمن دون الاعتماد على الغير, ووضع أول خطوة اوروبية حقيقية نحو وحدة إندماج سياسية, تنظم مهام الامن والدفاع المشترك ليس للاتحاد الاوروبي فحسب, بل للقارة الاوروبية كاملة, حتى يتم تلاشى حدوث خلافات مع امريكا ــ الحليف الاكبر له في حلف شمال الاطلسي ــ وقد بدت التحركات الاوروبية وكأنها تهدف في ذات الوقت للاحتفاظ بعلاقات صداقة مع امريكا تخلو من المشاكل, وقد يكون ذلك صحيحا ومنطقيا,فلا توجد دولة في العالم تريد اضاعه جهودها في خلافات مع دولة اخرى. فما بال اتحاد كامل يضم في عضويته خمس عشرة دولة اوروبية, له أهداف استراتيجية تتضح معالمها الآن بقوة وجلاء على خريطة السياسة الدولية, لكنها ستكون في الواقع معادله صعبه على أوروبا لتحقيقها, ولعل الحرص الاوروبي على عدم خسارة علاقته مع امريكا هو ان دول اوروبا نفسها قد حظيت منذ نصف قرن من الزمان بعضوية حلف الناتو, تلك العضوية التي منحتها الامن والاستقرار واعطتها الفرصة على مدار 40 عاما, للتفرغ شبه التام في بناء الصرح الاقتصادي المتقدم وغرس بذور الوحدة التي افرزت الاتحاد الاوروبي بهيكله الحالي, وخرجت بالنتائج العديدة التي توصل إليها على قائمتها تطبيق عملة النقد الموحدة (اليورو) التي بدأ المؤسسات المالية على قائمتها تطبيق عمله النقد الموحد (اليورو) التي بدأ التعامل بها الآن على مستوى المؤسسات المالية, وهي تعد تتويجا لوحدة الاندماج الاقتصادي. ومحاولات اوروبا لخلق وحدة قوية مستقلة لها تاريخ, لم يبدأ فقط منذ اتفاقية ماستريخت عام 1991, بل سبقها بعقود خمسة ففي الثلاثينات عبر (ونستون تشرشل) بحرارة شديدة عن احلام اوروبا الاتحادية. وفي عام 1948 اي منذ نصف قرن مضى, نجح تشرشل في جمع رؤساء وزراء الدول الاوروبية لأول مرة, في قاعة الفرسان بمدينة لاهاي الهولندية, وتلى هذا اللقاء اجتماع مثله في العاصمة البريطانية لندن ثم مدينة ستراسبورج بفرنسا, وكرر احلامه في بناء جيش أوروبي قوي واحد, وعلى الرغم ان المانيا المهزومة في حينه كانت علاقتها بشركائها في اوروبا غير جيده, الا ان تشرشل لم يفصلها, بل شدد على أهمية قيامها بدور فعال, ثم عاد في عام 1954 وتحولت أحلامه للنقيض تماما, الأمر الذي تمثل في تعقيبه على المبادرة الفرنسية بشأن تكوين اتحاد دفاع اوروبي, حينما اعرب عن وجهة نظره الجديد بكلمة واحدة بقوله: (هذا هراء) ومنذ ذلك التاريخ كان البريطانيون يتجاهلون تماما المبادرات الاوروبية التي تتجه الى خلق قوة دفاع امني مشترك, وقد تمثل ذلك بوضوح لا يقبل الشك في عام 1956, حينما اجتمع وزراء خارجية اوروبا في (مسينا) بسيسليا بايطاليا, للمباحثات بشأن تأسيس سوق اقتصادية اوروبية مشتركة, وارسلت بريطانيا موظفا صغيرا من وزارة التجارة لحضور هذا الاجتماع, وقد ترك هذا الموظف الاجتماع قبل نهايته قائلا بان شعورا من السعادة ينتابه لأن هذه المباحثات سوف لا تفضي الى اية اتفاقات اوروبية, ولم يكن الموظف الصغير إلا معبرا عن رغبة حكومته في الا تقوم لأوروبا قائمة امنية مشتركة, ومنذ اربعين عاما مضت, عندما كانت بريطانيا العظمى هي اقوى البلاد الأوروبية, وعقدت الدول الاوروبية الست (فرنسا, المانيا, ايطاليا, ومجموعة البينولوكس: هولندا, بلجيكا, لوكسمبورج) اتفاقية روما في عام 1957, جرت محاولات مع بريطانيا بكل الطرق لاقناعها بالانضمام اليهم, وباءت محاولاتهم بالفشل لتتجدد المحاولات لاحقا وحتى بداية هذا العام الجديد 99. لكن السؤال الان هو: هل ستترك امريكا الفرصة لان تتحرر أوروبا من قيود قفص الحماية والسيطرة الامريكية, بعد ان خرجت اوروبا من الحرب العالمية الثانية منهكة القوى واستطاعت بفضل ودعم امريكا بناء أوروبا من جديد, والصمود حوالي 40 سنة في حرب باردة مع الكتلة الشرقية السابقة؟ ام ستدخل أمريكا مع اوروبا في تنافس حاد ربما يتحول لصراع في القرن القادم؟ الأرجح هو ان امريكا ستحاول الا تخسر أوروبا, وان تبقيها أطول فترة زمنية ممكنة في حلف شمال الاطلسي اعتمادا على نظرية كسب الوقت, أملا في ظهور متغيرات دولية جديدة مثل حدوث تحركات سياسية صينية فعلية تجاه الدول الآسيوية, أو أخرى روسية نحو تشكيل قوى تحالف جديدة مع دول الاتحاد السوفييتي السابقة, حتى تستند الادارة الامريكية على ذريعة مقنعة لقتل حلم الرغبة الاوروبية في الدفاع عن نفسها, بعيدا عن حلف شمال الاطلسي, وبقراءة متأنية للمحاولات المتكررة التي قام بها الاتحاد الغرب أوروبي WEU منذ عام 1988, بغية القيام بدور عسكري مستقل بمعزل عن الولايات المتحدة الامريكية نجد انها باءت بالفشل, مرة بسبب خلافات اوروبية ـ أوروبية, ومن ناحية ثانية لان بريطانيا الحليف الحميم لامريكا لعبت دائما دورا سلبيا حال حتى الان دون تنفيذ الحلم الاوروبي, ونذكر من هذه المحاولات الاوروبية العسكرية الفاشلة: أزمة حرب الخليج الثانية, الحرب في يوغسلافيا السابقة, ألبانيا, البحيرات الكبرى, وهي محاولات افرزت عدم ارتياح اوروبي وشعورا بالنقص, واكدت على عدم القدرة الاوروبية على حمل المسؤولية أو القيام بواجب على الساحة الدولية, وقد لعبت السياسة الامريكية دورا كبيرا في تهميش الدور الاوروبي, عن طريق عرقلة او ابعادها لأي دور أوروبي مستقل, وقد نجحت امريكا في كل مره في حرمان اوروبا من القيام بدور ما في اي ازمة دولية, ويتكرر نفس السيناريو في الازمة التي تليها, وحينما شعرت قيادة حلف شمال الأطلسي بضجر جنرالات اوروبا, وبوجود نوايا اوروبية للتخلص من هيمنة امريكا, بدأت أمريكا في إلقاء طعم على سبيل التجربة, وقد ابتلعت اوروبا الطعم ولم يكن هذا غباء منها, بل ذكاء عن قصد وهدف, وحققت نصرا دبلوماسيا محدودا في اجتماع قمة لاعضاء حلف الأطلسي بالعاصمة البلجيكية بروكسل عام 1994 والذي حصلت خلاله اوروبا على وعد بعدم الاعتراض من طرف امريكا, والسماح لاوروبا ان تتصرف عسكريا بمفردها في الأزمات الدولية, بشرطة ان تعلن امريكا عدم رغبتها في التدخل في هذه الازمات! ولقد تأكد هذا الوعد الأطلسي مرتين متتاليتين اثناء قمة برلين ومدريد فيما بعد, وعلى الرغم ان اوروبا لم تكن في حاجة لهذه الوعود أو تأكيدها إلا أنها ارادت ترسيخ الفكرة ذاتها على الساحة الدولية, بقطع خط الرجعة على أمريكا.