أيام قليلة, ويعود العاهل الأردني الملك حسين إلى بلاده بعد انتهاء مراحل علاجه الست في الولايات المتحدة الأمريكية, حيث سيغادر واشنطن إلى لندن لقضاء فترة نقاهة, تليها عودته إلى عمان, حيث من المنتظر لاحقا أن يؤدي مناسك العمرة, في ليلة القدر في مكة المكرمة . وبعد تولي الأمير حسن ولي العهد إدارة البلاد على مدى ستة شهور, فإن المراقبين السياسيين في العاصمة الأردنية, يقيمون هذه الأيام تجربة الأمير حسن في الحكم, كأنموذج حول مستقبله كملك, ويشارك هؤلاء الشعب الأردني الذي يتابع باستمرار كل حركة واشارة تصدر من جانب القصر الملكي, في محاولة لفهم ما يجري حاليا, وما سيكون مستقبلا. وفي هذا الصدد, ليس سرا على المطلعين على ما يجري في عمان, ان السفارات الغربية, بشكل عام, وسفارتي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا, بشكل خاص, رصدتا على مدى الشهور الستة الماضية, ما جرى في الأردن, خلال غياب الملك حسين, في محاولة للتنبؤ بشأن مستقبل الأردن, وهذا هو دأب الهيئات الدبلوماسية عادة, ويزداد هذا الدأب في الدول التي تشكل بمعادلاتها الداخلية والخارجية, موقع اهتمام خاصا, وفي هذا السياق, فإن الأردن يعد بلدا يثير الاهتمام, إذ يحد الأردن من حدوده الشرقية, العراق, بمشاكله المتفجرة في كل لحظة وحين, أما غربا فإن اسرائيل التي وقع الأردن معها صلحا, تبقى صاحبة المفاجآت العدوانية, ومصدرا للأزمات القابلة للتصدير, عبر الفلسطينيين على الأقل, ومحاولة انهاء مشروعهم, في حين تبدو سوريا شمالا, لتشكل علاقة ثنائية متوترة مع الأردن, وربما قائمة على التنافسية, والبغض السياسي, أما داخل الأردن, فالخارطة الداخلية شائكة بسبب مواضيع الاقتصاد المنهك, وتنوع أصول السكان, والتخوف من الحاضر والمستقبل, وما سيأتي به حسم القضية الفلسطينية خلال السنوات المقبلة. في ظل هذه الأجواء, داخل الأردن, وجد الأمير حسن نفسه, أمام اختبار صعب, حول إدارة البلاد, وبرغم كونه قريبا من القرار وأسلوب تشكيله, الا ان الشهور الستة من العام الماضي, جاء مذاقها مختلفا, إذ كان عليه عبء إدارة البلاد, وسط مناخ نفسي متعب, وحملات اعلامية, ضد الملك حسين, وضد قدرة الأمير حسن بشأن إدارة البلاد, بالاضافة إلى أزمات داخلية, كأزمة المياه الشهيرة, وأزمات خارجية, كقيام الولايات المتحدة وبريطانيا بقصف العراق, وليس سرا, ان الأمير حسن وجد أمامه أجندة داخلية حافلة بالأولويات, وعاطفيا فقد يكون الأمير حسن مشغولا وقلقا, خلال هذه الشهور, على صحة الملك حسين, أما سياسيا, فقد كان عليه واجب هام, هو إدارة البلاد, حفاظا على الدولة الأردنية كمنظومة متكاملة, تضم العرش والوطن والشعب والدستور. ويقول مطلعون في عمان, ان الشهور الستة الماضية كانت الأكثر اثارة لقلق الأمير حسن, فشقيقه الملك حسين في المستشفى, وداخليا فإن المعلومات لم تكن تتوقف لحظة عن تدفقها حول كل صغيرة وكبيرة, والمعروف في هذا السياق ان مصادر معلومات الأمير حسن عديدة ومتنوعة, إذ كانت تحط المعلومات بين يديه, من جهاز المخابرات, ومن الحكومة والبرلمان, بالاضافة إلى عدد كبير من الشخصيات ممن كانوا يهاتفونه يوميا أو يلتقونه, بالاضافة إلى مستشاريه في مكتبه, وموظفي القصر الملكي, وكان هذا التدفق, يجعل الأمير حسن يرى الصورة الداخلية بجلاء, وما يقال في الشارع الأردني حوله, بالاضافة إلى الصورة الانطباعية بشأنه, والتي تشكلت في فترة من الفترات بأسلوب ظالم إذ كان يوصف سابقا, بأنه رجل حاد قليل الابتسام, يؤمن باعتماد المرء على نفسه بعيدا عن مبدأ الإتكالية المالية, وانه رجل صعب المراس. وبرغم ان الصورة الانطباعية تغيرت هذه الأيام, وأمسى رصيد الأمير الأردني مرتفعا وعاليا, بسبب عشرات الخطوات التي قام بها, إلا انه يمكن القول, ان ولي عهد الأردن خاض تجربة فريدة ومريرة ومفيدة في ذات الوقت, كما ان هذه التجربة حولت مزاج الشعب الأردني من مزاج خائف وقلق بشأن مستقبل الأردن, بسبب مرض الملك حسين, إلى مزاج مطمئن وهادئ ومدرك بأن الأردن بلد مؤسسات وليس بلدا للشخصيات. وقبل أيام قليلة, قام الأمير حسن بنفسه وعبر رسالة تلفزيونية, باعلام الشعب الأردني, عن شفاء الملك حسين, وقرب عودته إلى البلاد, وعمت مشاعر البهجة بين الأردنيين لهذا الخبر الذي يعد سارا, وعكس التلفزيون المحلي ووسائل الاعلام المختلفة, ومجالس الناس, وصالونات الشخصيات السياسية, مدى التعلق بالملك حسين, إلا ان الملفت للانتباه, ان عبارات اشهار السعادة والسرور, احتوت على بعض المداخلات المثيرة من جانب قلة قليلة, إذ أعرب عدد محدود, من الشخصيات, أو من عوام الناس, عن حبورهم, بكلام كثير, كان منه (عودة الملك ستحسم قلقنا بشأن مستقبل البلد) .. أو (خلال غياب جلالتك لم يسقط علينا المطر, فعد إلينا) .. أو (يكفينا خوفا وحيرة نحن بانتظارك) .. هذه الجمل التي وردت على ألسنة قلة قليلة, ومن جانب عدد قليل, وعلى عكس ما كان يعتقد أصحابها, فإنها أثارت غضب الملك حسين شخصيا, إذ انها بقدر اظهارها لمحبة الملك الأردني, الا انها تحمل مساسا مباشرا بأداء ولي العهد الأردني, وهذه القلة القليلة, أفشت مناخا متجددا من التوتر حول مستقبل الأردن, وفتحت ملفا طواه الناس, عبر اطمئنانهم إلى أداء مؤسسة الحكم, كمؤسسة لها قواعدها الاستقرارية, وكان ملفتا لانتباه الناس, مغزى هذه الأقاويل, وكأنهم باطلاق هذه الجمل, يقولون ان الأمير حسن لم يفعل شيئا طوال هذه الشهور, ولم يحقق أي انجاز, ولم يشع عبر أدائه مناخا من الاطمئنان والثقة, ويرى محللون, ان الأداء العاطفي لهذه القلة, يعكس لدى البعض, ضعفا شديدا في معتقداتهم بشأن ديمومة الدولة, بالاضافة إلى انهم أرادوا اظهار محبتهم للملك حسين, فأثاروا غضبه, كونهم مسوا رصيد ولي عهده, باطلاق اشارات, لن يفهمها الغرباء عن الساحة الأردنية, الا تخوفا من مستقبل الأردن, وقلقا بشأن ولاية العهد. وفي هذا السياق, لا ينكر المراقبون انه كان هناك خوف وقلق بشأن الملك حسين, حرصا على صحته, الا ان الملك حسين نفسه لا يقبل أن يجامله الناس, بالقول انهم خلال غيابه لم يثقوا في ولي عهده.