تتابع سوريا ما يجري في اسرائيل بعد تبكير الانتخابات باهتمام بالغ وأحيانا بعدسة مجهرية دقيقة خصوصا وانها تدرك جيداً ان الأوساط الحزبية والسياسية في اسرائيل غير متفقة على من الذي سيجري المفاوضات حول التسوية الدائمة مع العرب حزب العمل ممثلاً بقياداته (ايهود باراك ويوسي بيلين ويوسي ساريد أم باراك وشاحاك ويوسي ميلو الذين يشكلون ما يسمى باليسار الجديد هذه الأيام أم غلاة الليكود وعلى رأسهم نتانياهو ووزير الدفاع اسحق مردخاي ووزير الخارجية ارييل شارون الذين يعتبرون النواة الايديولوجية الصلبة لتجمع الليكود غير المستعدة للتسليم بالوضع السياسي المتغير الى جانب اليمين الأصولي المتطرف الذي يعيش في هذ المرحلة حالة مد واستقطاب بين الجمهور الاسرائيلي والذي طغى على الحزبين الكبيرين (الليكود - العمل) وبالمقابل ما يعيشه حزب العمل من ارباك في صفوفه وقيادته الذي وصل الى حالة الضياع وفقدان الهدف والذي نقلها بدوره الى الشارع الاسرائيلي. وجاء هذا الارباك بعد ان اتخذ رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو قرارات يعتبرها خصمه (العمل) صعبة ومتناقضة لتصورات حزبه مما وضعه في حيرة وعدم قدرة على تأييد تلك القرارات أو عرقلتها فيما يخص اتفاق (واي بلانتيشن) اضافة الى ان (العمل) غير واثق من ان نتانياهو سينفذ الاتفاق, ونتيجة لذلك حدث الاضطراب التام في الكنيست ووصل الى درجة انضمام اليسار لليمين واليمين لليسار مما أفسح المجال ووفر الفرصة لأي حزب مهما قلت عدد مقاعده في الكنيست (البرلمان) لإسقاط الحكومة المؤلفة من اليمين القومي والديني. ويبدو ان سوريا ومن خلال متابعتها وتدقيقها لما يجري داخل اسرائيل ومن خلال التصريحات التي يطلقها غالبية المسؤولين والسياسيين وقادة الأحزاب على اختلاف اتجاهاتها قد خرجت بنتيجة مفادها ان هؤلاء جميعا يعزفون على وتر واحد أي ان منطلقاتهم واحدة وكذلك أهدافهم, وقد يكون من الصعب جدا التفريق بين ما يقوله هذا المسؤول أو ذاك, فالذي يصرح به ايهود باراك رئيس حزب العمل لا يختلف كثيرا عما يقوله بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء أو المرشح الجديد لرئاسة الوزراء الجنرال (امنون شاحاك) رئيس الأركان المستقيل وان التدقيق أو مجرد التوقف عند تصريحات هؤلاء الثلاثة وحسب صحيفة (البعث) الناطقة باسم الحزب الحاكم في سوريا فيما يخص عملية السلام لرأينا ان أهداف الثلاثة واحدة وتتفق على التنكر لحقوق العرب وفرص السلام الذي يحقق لهم الهيمنة على المنطقة بشرا وثروات, وتعكس منذ أيام وسائل الاعلام السورية الحكومية هذا التوافق بين التيارات والأحزاب الاسرائيلية تجاه العرب واعادة اراضيهم كاملة دون شروط. وهذا يعني ان سوريا ترى في اسرائيل انها جزء من المشروع الاستعماري في المنطقة العربية والهيمنة عليها بالتعاون مع اطراف اقليمية كما هو الحال مع تركيا والتحالف القائم بينهما. وان اسرائيل ليست مستعدة لأن تمنح السلام فرصة للحياة وانها بقياداتها الحالية وأحزابها في المعارضة وغير المعارضة هم دون استثناء لن يكونوا مع السلام الذي يعيد للعرب حقوقهم, وهم مع السلام الذي يرونه يوحدهم ويفرق بين العرب أكثر فأكثر. ويمكن بسهولة استخلاص الموقف السوري تجاه ما يجري هذه الأيام داخل المؤسسة السياسية الاسرائيلية هو سياق جديد يتمثل في تصهين الأصوليين وتدين اليمين, وان ما يقال عن مشروع الحل الوسط التاريخي ليس سوى أضغاث احلام لأن الصراع القائم ليس صراعا فلسطينيا اسرائيليا بل هو صراع عربي اسرائيلي وأي تسوية يجب ان تقوم على الحق والعدل. ويعتقد الكثيرون في سوريا من سياسيين ومفكرين ان ما يجري داخل اسرائيل هو نتيجة لأزمات داخلية ولن يتعدى ذلك, وانهم الاسرائيليون يبحثون عن وجه جديد بدلاً من نتانياهو حتى ولو كانت عارضة أزياء أو راقصة كبنينا روز نيلوم التي اعلنت انها سترشح نفسها لرئاسة الحكومة لأن الجمهور الاسرائيلي يرغب بالتغيير ظنا منه ان هذا التغيير سيخرجه من أزماته المركبة, وحذرت سوريا في وسائل اعلامها من عودة نتانياهو الى الحكم في مايو المقبل لأنها ستثبت ان اسرائيل لا تريد السلام, وتحذر دمشق باستمرار من مخاطر اساليب الغطرسة الاسرائيلية وتلح دائما على أوروبا التدخل بقوة لحماية المنطقة من هذه المخاطر. دمشق - يوسف البجيرمي