عبدالرحمن الفادني هو رئيس لجنة التواصل والتعبئة العامة بالمجلس الوطني السوداني (البرلمان) ورئيس لجنة الحوار السياسي عضو المجلس القيادي في المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) ومقرر لجنة الفكر الوطني وهو فوق كل ذلك المكلف بملف المفاوضات مع المعارضة السودانية . كل هذه المسؤوليات التي يحملها هذا النائب المعروف بقربه من الزعيم السوداني النافذ حسن الترابي يجعل من محاورته امرا ذا اهمية في الظروف السياسية الآنية للسودان. وخلال حوار مطول اجرته معه (البيان) في مكتبه بالبرلمان اوضح الفادني ان الحوار الذي قاده مع معارضي (الانقاذ) والمختلفين معها يتأسس على المناهج لا الاشخاص مشيرا الى ان السودان اصبح اكبر من ان يديره اشخاص وطالب المعارضة السودانية الى الانتباه الى التغييرات الجذرية التي طالت البلاد وأثرت على خارطتها السياسية. وفي ثنايا حديثه اعتبر الفادني ان نظام الانقاذ برمته يعتبر وضعا انتقاليا مما يجعل حسبما قال المطالبة بتفكيكه امر لا معنى له. وكشف الفادني ان الرئيس السوداني عمر البشير سيعلن في مطلع الشهر المقبل عفوا عاما عن كل الذين حملوا السلاح ضد الوطن تعقبه ترتيبات واجراءات لتسهيل عودة كل من يريد ممارسة العمل السياسي السلمي بغض النظر عن اتفاقه او اختلافه مع الحكومة. كما كشف ان العمل جار في تعديل 30 قانونا لتتوافق مع الدستور, ووجه في هذا السياق انتقادات ضمنية لممارسات اجهزة الامن والقوانين التي تحكم عمله قائلا انه لا يحق لهذه الاجهزة باسم الحفاظ على الوطن اعتقال الناس او حجزهم الا في حدود القانون مطالبا بأن تكون عناصر الامن على وعي وثقافة واسعة وسلوكيات قويمة. واضاف ان قانون الامن الوطني سيخضع للمراجعة ليتوافق مع الدستور مما سيؤدي الى احداث نقلة نوعية وهيكلية في الاجهزة الامنية. وتطرق الفادني في حواره لمواضيع متشعبة نجد تفاصيلها في النص التالي: الثوابت وحوار الطرشان بما انكم مكلفون بملف (الحوار مع المعارضة) ماهي اجندة هذا الحوار والي اين وصل وبمن التقيتم من معارضي الانقاذ وهل تحملون تفويضا رسميا من مراجع سياسية عليا؟ ــ الحوار كان من اولويات الانقاذ منذ ان تفجرت في 30 يونيو 1989 وكانت ومازالت تطرح قضايا الوطن الكبرى على طاولة المفاوضات نحو: قضية السلام ــ كيفية حكم السودان ــ النظام الفدرالي ــ الشريعة الاسلامية ومقتضيات المعادلة بين الشريعة والعرق وحقوق الاقليات غير المسلمة, واستطاعت الانقاذ بحوار مباشر مع الشعب ان تحسم هذه القضايا الجوهرية. ودخلت بناء على الحوار المتصل اتفاقية الخرطوم للسلام نصوص الدستور وكذلك الشريعة الاسلامية وهاهو النظام الفدرالي يتنزل الى تطبيق عملي يخضع للمراجعات والتطور كل يوم ولا يستطيع احد ان يتحدث عن مبدأ الحكم الفدرالي مناوئا. والحوار مع المعارضة ينهض على هذه الخلفية وهو يتأسس على المناهج لا الاشخاص لان السودان اصبح اكبر من ان يديره اشخاص وعلى المعارضة ان تنتبه الى التغيرات الجذرية التي طالت السودان واثرت على خارطته السياسية, واهم هذه التغيرات العقد الذي ابرم بين التيار الاسلامي وآخرين من غير المسلمين من القيادات السياسية وهو ينهض على تقسيم السلطة والثروة والحرية والتعبير الثقافي بل صار الى عمل سياسي اداري يومي وسيزداد هذا العقد متانة فيما بعد حيث ان الولاة في العام المقبل سيتم انتخابهم انتخابا مباشرا من قبل الناخبين. اضف الى ما سبق الممارسة السياسية المفتوحة التي ستشهدها المرحلة القادمة, والحوار منذ اليوم الاول قام على هذه المبادىء ومازلنا نصر على ان المعارضين اذا رفضوا الارتهان للاجنبي و نبذوا العنف وجاءوا الى طاولة المفاوضات دون شروط مسبقة لكنا قد توصلنا الى مرحلة التوالي السياسي منذ زمان بعيد وكان من المقدر ان تشارك قيادات المعارضة في وضع الدستور وقانون اعادة الاحزاب لكن المعارضة اعتبرت ان طرح الانقاذ كان يقوم على المناورة وهذا ليس صحيحا على الاطلاق. ونلاحظ الآن اضطرابات في صفوف المعارضة بعد اجازة الدستور وقرب انفاذ قانون التوالي السياسي وعندما عرض الشريف زين العابدين الهندي الذي انشق عن المعارضة وتصالح مع الانقاذ مبادرته التي تقوم على نبذ العنف ورفض الارتهان للاجنبي ووحدة السودان تلقفتها الحكومة بمصداقية وكونت لجنة الفكر الوطني التي قدمت الخيارات الافضل, الشريعة الاسلامية والحكم الاتحادي والسياسة الخارجية ووحدة المجتمع وحريته والنظام الرئاسي, وفيما بعد ساهمت هذه المبادرة في تكييف الدستور, وهذا خير دليل على مصداقية (الانقاذ) سيما عندما ينهض الحوار على مبادىء وجدية بقصد الوصول الى حلول جذرية. حوار المناهج .. لا الاشخاص اذا ماهي القوى السياسية التي اجري معها الحوار الى الآن, نعني القوى السياسية التي تختلف معكم جذريا سيما تلك القوى المنضوية تحت لواء التجمع الوطني الديمقراطي المعارض. انا لا اتحدث عن اشخاص انما اتحدث عن طرح وبرامج, على مرحلتين, الاولى بقصد الانضمام الى المؤتمر الوطني, والثانية بغرض الممارسة التنافسية من خلال الدستور, وعلى مستوى المرحلة الثانية لاتوجد, الى الآن مبادرة من قوة سياسية محددة تريد التفاوض مع الحكومة بل في آخر مؤتمر للتجمع شددت المعارضة على العمل السياسي والعسكري ضد الحكومة وتفكيك النظام من الداخل, ورفضت اي حوار مع الحكومة, واعلنت ذلك في مؤتمر القاهرة. عفوا.. لدى (البيان) تفاصيل مبادرة اوروبية عاود الاتحاد الاوروبي تنشيطها خلال الايام القليلة الماضية فماذا تم على جبهة هذه المبادرة من قبل الحكومة؟ وما هي خطوط هذه المبادرة وما حظها من النجاح؟ المفاوض الاوروبي ليس محايدا لنعود الى الحديث عن الحوار وفق المنهج واسأل: هل بالضرورة ان تتفاوض القوى السياسية المكونة للتجمع بالخارج, مع الحكومة, او تتوافق معها؟ واجيب: ليس بالضرورة ان تتوافق مع (الانقاذ) , والمطلوب هو ان يأتي كل مختلف مع (الانقاذ) ويعلن انه ضد العنف في العمل السياسي, وضد الارتهان للاجنبي ويدخل حلبة التنافس السياسي الحر. وسيعلن رئيس الجمهورية في مطلع يناير المقبل عفوا عاما عن كل الذين حملوا السلاح ضد الوطن تعقبه ترتيبات واجراءات لتسهيل عودة كل من يريد ممارسة العمل السياسي السلمي من خلال الدستور. اما دول الاتحاد الاوروبي فالثابت ان الوسيط يجب ان يكون محايدا وهذه الصفة لاتنطبق على الاتحاد الاوروبي الذي يرتبط بعلاقة وثيقة مع المعارضة. ان الاتحاد الاوروبي يمارس الوساطة من منطلق انحياز وعليه في البداية اعادة علاقته بالحكومة السودانية من منطلق الدستور وان كان الاتحاد الاوروبي يتحدث عن الديمقراطية فان الدستور يفتح نوافذ الديمقراطية على مختلف الجبهات, وان كان يركز على حقوق الانسان فإن الدستور يمنع اهانة الانسان وتعذيبه وتسخيره واعتقاله ويمنح له حرية الاعتقاد الديني, وان يخضع لمحاكمة عادلة, وتيسير اطلاق المحتجزين ويمنع ممارسة الضغط على المتهم, ويكفل حرية الثقافة الخاصة والفكر الخاص, كل ذلك يكفله الدستور. ان مشكلة السودان مع الدول الغربية تكمن في الاستقلال الفكري والسياسي والاقتصادي الذي حققه, ونحن الان ننشىء مفهوما حضاريا جديدا نسعى من خلاله الى تثبيت أسس نعتبرها ثوابت تحكم حياة الانسان السوداني, والاوروبيون يتخوفون من السودان لانه بلد غني جدا والحكومة لديها ارادة سياسية راسخة واستطاعت استقطاب دعم مالي وافر من جهات بديلة غير اوروبية للاستثمار في النفط والذهب وغير ذلك لذا فإن الديمقراطية ان اتت بالاسلام فالاوروبيون لايقبلون بها. نحن في الانقاذ نؤمن بحرية المجتمع ووحدته, والاوروبيون يتحدثون عن التعددية وهم يعلمون ان مشروع السودان الجديد يأتي بالاسلام, ويسعون الى هدم هذا المشروع والشواهد على ذلك عديدة, فالديمقراطية ضربت في الجزائر لانها اتت بالاسلام, وفي تركيا ضربت لانها اتت بالاسلام ايضا, وبرأينا ان لدى الاتحاد الاوروبي (عقدة) من المشروع الاسلامي, وان لم تحل هذه العقدة فإن علاقة السودان بالاتحاد الاوروبي ستكون في حال شد وجذب. وبلادنا الآن مفتوحة لا تفرق بين الصين وروسيا وبريطانيا الا بمواقف هذه الدول, واذا كان الاتحاد الاوروبي يود التوسط بين الحكومة السودانية ومعارضيها عليه ان يعيد النظر في مواقفه من الحكومة السودانية. ان الديمقراطية والتوالي السياسي والحرية وسائر الحقوق المضمنة في الدستور لم نقرها لاننا نخطب ود المعارضة السودانية او الغرب بل لاجل بناء دولة راشدة متينة للاجيال المقبلة. على ذكر الدستور ماذا تم على جبهة القوانين التي تتعارض مع الدستور, وهل اعيد النظر فيها ليتم تعديلها حتى تتماشى مع نصوص الدستور؟ وليمة المفاوضات هناك 30 قانونا خاضعة للمراجعة لتتوافق مع الدستور, ونحن ما انجزناه الآن يعبر عن ارادتنا السياسية, ويمكن الآن للصادق المهدي ان يعود لممارسة نشاطه السياسي, وحقيقة لاحظت ثمة (بلبلة) في صفوف المعارضة الخارجية بسبب جدية ومصداقية (الانقاذ) سيما في ما يختص بالدستور وانفاذه, وعلى جميع المعارضين الآن العودة الى السودان لممارسة انشطتهم السياسية وان حققوا اغلبية يمكنهم حكم السودان. لكن المعارضة تقول: ان الحكومات هيأت الملعب واختارت اللاعبين والحكام والجمهور وفق تكتيكات وترسانة قوانين تسمح لحزبها (المؤتمر الوطني) بأن يكون الغالب مسبقا ثم طلبت الى الآخرين المشاركة, وهم (الآخرون) يعرفون نتيجة التنافس سلفا في هذه الحال الا ترى ان حديثك يؤكد ذلك؟ نحن لا ندعو المعارضين لوليمة, بل وضعنا ثوابت والسؤال هو: هل تتفق معنا المعارضة على الثوابت, نحن لا نوافق على تفكيك النظام وحده لنبدأ فوضى جديدة هذا الكلام ضد المنطق. هذا النظام نفسه يمثل وضعا انتقاليا, وكل مؤسسات (الانقاذ) تقدم رعاية لما حدث وسيحدث, وبعد اربع سنوات ان كان هناك حزب لايريد الشريعة الاسلامية عليه ان يعمل وفق القانون حتى يحقق الاغلبية التي تمكنه من الغائها بالقانون, لا اعتقد ان ثمة ضمانات اكثر من ذلك. لكن مسؤولية الحكومة الاخلاقية والتاريخية والثقافية تتطلب ان تمد يدها لمعارضيها, حتى لو اقتضى الامر تقديم تنازلات؟ لاتوجد الى الآن مبادرة واضحة الاجندة والجدول الزمني, لكن اية مبادرة او سعى لجمع الفرقاء السودانيين فان الحكومة ترحب به, وتقدم التسهيلات اللازمة, والحكومة ليست لديها اي مانع للجلوس إلى معارضيها, والحكومة كما ترى بادرت لحل المشكلة السودانية وفق آليات المؤتمر وقدمت أجندتها من خلال الدستور, وآلية المبادرة هي المؤتمر الوطني, وإذا رأت المعارضة ان تمارس نشاطها السياسي داخل المؤتمر الوطني فلا مانع من ذلك, وان ارادت ان تنشأ كياناتها المستقلة لا مانع من ذلك ايضا. الدستور وثيقة الحكومة للحوار لماذا تكون المبادرة (العمل داخل أروقة المؤتمر الوطني) لماذا لا تطرح الحكومة مبادرة واضحة تحترم المختلفين معها وتعترف بهم وتقدم التنازلات الجذرية تأسيسا لحل سوداني خالص يجنب البلاد احتمالات التدويل؟ ــ الحكومة أطلقت الدستور ودعت المعارضين الى المشاركة في مناقشته, ولم تشارك الى ان شارف الدستور الاستفتاء وأجيز وصار نافذا, وهو بالنسبة لـ (الانقاذ) يعتبر وثيقة الحوار الكبرى, وكل من يختلف مع الحكومة عليه قراءة هذا الدستور, وابداء رأيه فيه ونحن على أتم استعداد للحوار حوله ومن بعد عليه ان يأتي لممارسة نشاطه من زاويتين: اما الانخراط في المؤتمر الوطني, أو تشكيل تنظيمه السياسي المستقل, وان كان يريد تغيير القوانين أو الدستور عليه أن يقوم بذلك سلمياً. ونحن في كل مرحلة كنا نوجه الدعوة لرموز المعارضة للمشاركة في العمل السياسي, ويعلن رئيس الجمهورية العفو العام, ويدعو الى الحوار, وعلينا ان نسأل لماذا لا تقدم المعارضة مبادرة من جانبها لحل الأزمة السودانية بواسطة الحوار, لماذا يطلب من الحكومة تقديم مبادرات, والمبادرة الوحيدة المقدمة من المعارضة تقوم على استمرار العمل العسكري, وتفكيك أجهزة الحكومة, والارتهان الى الاجنبي, فكيف يمكن للحكومة ان تقدم مبادرة على خلفية هذا الخطاب المتشدد. ونحن من جانبنا في الحكومة لم نقطع اتصالاتنا بالصادق المهدي زعيم حزب الأمة رئيس الوزراء السابق, ومحمد عثمان الميرغني زعيم الحزب الاتحادي الديمقراطي رئيس التجمع الوطني الديمقراطي المعارض, وهما يستقبلان مبعوثي الحكومة ويعدان بدراسة ما دار في حوارات ثم يعلنان بعد ذلك للأجهزة الاعلامية ألا حوارات تمت بينهما ومبعوثين حكوميين ويهمني ان أؤكد ان اتصالاتنا بهما من خلال الرسائل والوسطاء كانت دائما تبشر بالأمل والخير ولكن أحاديثهما للأجهزة الاعلامية تحيرنا. وخلال الشهر الماضي سافر قطبي المهدي الى جدة بتكليف من الحكومة والتقى قطبا معارضا ودار بينهما حديث طيب وهذه حقيقة تؤكدها شخصيات مستقلة حضرت اللقاء أو حضرت له والساعون بالخير بين الحكومة والمعارضة لم يتوقفوا لكن ما كان يقال في اللقاءات الخاصة يناقض تماما ما يصدر في أجهزة الاعلام. كيف ترى مستقبل الممارسة السياسية في ظل دستور السودان لسنة 1998م؟ ــ هذا الدتسور يدعو الى ممارسة سياسية نوعية تشكل نقلة كبيرة جدا في العمل السياسي, ونحن لدينا مشكلة في البناء السياسي ولدينا خليط من المفاهيم, واستطاع هذا الدستور ان يرشد العمل السياسي القائم على ركيزتين هما: الشورى في اتخاذ القرار ــ وضوح النظم السياسية (الشفافية) بما في ذلك التمويل والموقف المالي للحزب. وبهذين الركيزتين يمكننا ممارسة انشطة سياسية فاعلة, والدستور يضع أجهزة الأمن أمام امتحان عسير, وهو ما يتطلب أن يكون عناصر الأمن على وعي وثقافة واسعة وسلوكيات دقيقة, وقدرة عالية على الاستخلاص والتحليل, وسيخضع قانون الأمن الوطني للمراجعة ليتوافق مع الدستور, ولا يحق للأمن باسم الحفاظ على الوطن اعتقال الناس أو حجزهم إلا في حدود القانون, ولابد من حدوث نقلة نوعية وهيكلية في الأجهزة الأمنية. أضف الى ذلك يدعو الدستور الى اعادة الشفافية الى العمل العام وخاصة العمل الحكومي والأجهزة التي تهتم بأمر الناس, وألا يتعامل المسؤولون بمفهوم الوصاية على الشعب السوداني, عليه فالمؤسسات السياسية ستكون أمام امتحان, وعلى القيادات السياسية ان تسعي الى ذلك وان لم تفعل ذلك فسيكون الدستور حبرا على ورق يجب ان يوضع على الرف. وسيتم التمهيد للانفاذ الكامل للدستور باعادة النظر في القوانين القائمة, وانشاء المحكمة الدستورية, ومحكمة المظالم, واعادة النظر في قانون الشرطة وقانون الجيش, والأمن العام, والخدمة المدنية لابد ان تتوافق مع السعة التي يتيحها الدستور. وأتوقع ان يطلق جميع المعتقلين السياسيين في مطلع يناير المقبل, وان بقي معتقلين بعد يناير في السجون سيكون وضعهم غير قانوني وأدعوهم أن يرفعوا قضية ضد السلطة بأنهم محتجزون دون اتهام محدد, وان يطلقهم الرئيس بقرار يصبح بقاءهم في السجون غير دستوري وغير قانوني. اختراق الحساسية بالشفافية لننتقل الى ملف العلاقات السودانية المصرية ماذا يدور الآن على جبهة علاقات البلدين سيما وان هذه الجبهة تشهد هدوءا حذرا؟ ــ علاقات مصر والسودان تنهض على مفارقة بين ما يجب ان تكون عليه وما هو كائن الآن, وهذه العلاقة هي حقيقة علاقة حساسية وأرى انه لابد من اختراق هذه الحساسية بواقعية وموضوعية وشفافية, ولابد ان تعود الى طبيعتها, لأنها علاقة غير محايدة اما ان تكون نافعة أو ضارة, ولا شيء سوى ذلك, والأمن في البلدين مرتبط بوثاق يومي, وصار الآن يخضع لمناطق تحركها قوى دولية كبرى والأمن السوداني المصري يحوي المعاني الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومن أجل حماية أمننا لابد ان نتحرك سويا. الأخوة في مصر يتحدثون عن الوحدة وحدة السودان التي صار لها ثمن فتقرير المصير الذي اقرته اتفاقية الخرطوم للسلام, يجب أن نعمل سويا في مصر والسودان من أجل اقناع الجنوبيين بضروة الوحدة من خلال التنمية والتعمير والخدمات وبناء الثقة وبث ثقافة السلام والوحدة الوطنية وضرورتها الاقليمية ومضارها, ودون ذلك فإن الاستفتاء على تقرير المصير لن يؤدي الى الوحدة, وعلى اخواننا المصريين ان يتحركوا لابقاء وحدة السودان سيما وانهم أول من ابلغوا باتفاقية الخرطوم للسلام قبل التوقيع عليها. والسودان ظل يتذرع بالصبر طوال خلافاته مع مصر وعلى سبيل المثال مشكلة حلايب, فالمنطقة التي احتلتها مصر بالقوة تساوي مساحتها دولتين في الشرق الأوسط, لكننا بناء على خطنا الاستراتيجي لم نشأ الدخول في حرب مع مصر, ولو حدث ما حدث من مصر تجاه السودان بين أي دولتين في العالم لنشأت حرب لا طائل منها. والقيادة المصرية حاولت الصاقنا بتهمة الارهاب ودعمت التمرد, وتدعم المعارضة وشاركت في حصارنا الاقتصادي, ولدينا معلومات دقيقة تبين ذلك لكن طبيعة العلاقات بين الشعبين تدفعنا الى غض الطرف عن كل ذلك, ونحن نحسب انه في حال ارسال الحكومة المصرية رسائل ايجابية تجاه الحكومة السودانية يمكن ان يثمر صبرنا بثمار ايجابية وفي صالح العلاقة بين البلدين اضافة الى تولي مصر الدفاع عن مواقفنا التي وقف معنا خلالها كل العالم مثل قضية مصنع (الشفاء) وكانت تعابير القيادة المصرية خلالها حافلة بالسلبية, وعلى القيادة المصرية اعادة قراءة التغييرات التي حدثت في السودان مثل انتاج البترول بكميات تجارية ومما يحزن ويؤسف له انه لا توجد استثمارات مصرية في حقول النفط السودانية, ونحن ندعو القطاع الخاص المصري الى الاستثمار في السودان وسيجد أولوية قصوى تماثل خصوصية العلاقات السودانية المصرية. وبين هذا وذاك لا يغيب عنا التخطيط الاستراتيجي والأهمية السياسية والاقتصادية والأمنية في هذه الظروف, ووضح للأخوة المصريين ان اقتلاع النظام من الداخل أو من الخارج بواسطة حرب صار يواجه صعوبات بعد انهيار الاحلاف المعادية للحكومة السودانية في الجنوب والشرق. خلاصة القول انه لابد من الجلوس إلى طاولة الحوار الطويل الشاق المضني لحلحلة المشكلات السودانية المصرية لأن استمرار الحال على ما هو عليه سيؤدي الى تراكمات لا يمكن ان تكون في مصلحة البلدين ولا الشعبين مستقبلاً. حوار: محمد الاسباط