شهد الأردن في النصف الأول من عام 98 أحداثا متلاحقة بددت برودة اجوائه, وأحالته الى شتاء ساخن, وفي نصفه الثاني تواصلت الاحداث والمواجهات بين الحكومة والمعارضة وسط اجواء من الاحتقان السياسي بين الشارع الأردني والحكومة والأحزاب . ففي أوائل شهر يوليو الماضي شهدت سوق عمان المالية تراجعا لم تشهد له مثيلا منذ فترة طويلة حيث انخفضت اسعار أسهم بعض الشركات الى ما دون 150 فلسا للسهم الواحد. وسبب هذا الانهيار هو قيام عدد من المستثمرين الاجانب بشراء كميات كبيرة من الاسهم الاردنية في فترات سابقة ثم الاقدام على بيعها دفعة واحدة في أوائل يوليو بهدف ضرب اسعار الاسهم والعودة للشراء بكميات اكبر واسعار اقل. أزمة الداخلية والمعارضة كما اندفعت خلال شهر يوليو ازمة جديدة بين وزير الداخلية السابق نذير رشيد وأحزاب المعارضة وذلك عندما هدد الوزير في مطلع شهر يوليو بمنع انعقاد المؤتمر الوطني, الأمر الذي اثار استياء الاحزاب وأعضاء اللجنة التنفيذية للمؤتمر خاصة عندما قال الوزير انه لا توجد في قيود وزارة الداخلية مؤسسة أو جمعية أو حزب تحت اسم المؤتمر الوطني. أمناء أحزاب المعارضة ردوا على هذه التهديدات بالقول ان المطالبة بتحقيق اصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وتعليمية هي جزء اساسي من عمل الاحزاب المرخصة اصلا وفق قانون الاحزاب وليس هناك ما يبرر تهديدات وزير الداخلية. وعلى الصعيد السياسي ذاته بدأت اجتماعات في اوائل يوليو بين احزاب البعث والعمل القومي والأرض العربية لوضع مشروع لاعلان قيام الجبهة القومية الديمقراطية في الاردن بحيث تضم هذه الجبهة جميع الاحزاب والقوى القومية وصرها في بوتقة واحدة ليصبح التيار القومي بعد توحيده هو القوة السياسية الاكبر في الأردن. أزمة ثقة وفي الثاني عشر من يوليو عرض يوسي بيلين عضو الكنيست الاسرائيلي وأحد قادة حزب العمل الاسرائيلي على الأمير حسن ولي العهد خلال زيارة قام بها الى عمان فكرة اقامة كونفدرالية اقتصادية تضم الاردن والسلطة الفلسطينية وإسرائيل بعد التوصل الى اتفاق سلام نهائي بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي. ورغم ان الامير الحسن لم يرد على هذا الاقتراح الا ان القوى السياسية الاردنية اعتبرته بمثابة عرض لخطط اسرائيل المستقبلية وهو ما بدأت هذه القوى بمقاومته لكي لا يتحول الى حقيقة واقعة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية. وتفجرت في يوليو اكبر ازمة ثقة بين الملك حسين والشعب من جهة والحكومة من جهة اخرى عندما اعلن صندوق النقد الدولي انه ومن خلال فحصه للاوضاع الاقتصادية في الاردن خلال عامي 1996 و1997 اكتشف ان معدلات النمو تدنت الى مستوى الصفر. وقالت وقتها مصادر مطلعة ان الملك حسين عاتب رئيس الوزراء على حجب حقائق الوضع الاقتصادي عنه وتركه يعتقد ان معدلات النمو تسير وفق المقرر وفي حدود 5 الى 6%. بدء رحلة علاج الملك وفي السابع عشر من يوليو 1998 سادت حالة من القلق الاوساط الاردنية عندما سافر الملك حسين الى الولايات المتحدة ليعلن من هناك للشعب الاردني بأنه مصاب بسرطان الغدد الليمفاوية وهو الامر الذي أقلق الاردنيين على اختلاف انتماءاتهم السياسية خاصة وان الكل يجمع على ان الملك حسين القاسم المشترك لكافة القوى والتيارات على الساحة الاردنية. وخلال هذه الفترة اندلعت خلافات في اوساط احزاب المعارضة حول تشكيل امانة المؤتمر الوطني للانعقاد حيث اعتبرت بعض الاحزاب بأن حزب جبهة العمل الاسلامي بات يسيطر على كل التحضيرات لهذا المؤتمر وهو الامر الذي يعني ان قراراته ستخرج من تحت عباءة الاسلاميين. ولمواجهة قانون المطبوعات والنشر الذي كان منظورا خلال يوليو امام لجنة التوجيه الوطني في مجلس النواب اتفق اعضاء مجلس نقابة الصحفيين الذي انتخب في الثالث من يوليو على انهاء خلافاتهم حول توزيع المناصب من اجل التفرغ للتصدي لقانون المطبوعات. وأصدر المجلس بيانا يوم 18 يوليو أعلن فيه رفضه القاطع للقانون معتبرا اياه مخالفا للدستور ومقيدا للحريات, مؤكدا ان الاسباب الوجيهة التي قدمتها الحكومة هي اسباب واهية. المياه الملوثة وفي أواخر يوليو ازداد التذمر العام من تفاقم الازمات السياسية والاقتصادية, اضافة الى الكشف عن قضية تلوث مياه الشرب في الأردن وهي القضية التي كانت اكثر خطورة وتعالت اصوات الفعاليات الشعبية مطالبة بتشكيل حكومة انقاذ وطني للخروج من الازمة الراهنة. قضية تلوث المياه والتي ما زالت ذيولها قائمة حتى الآن ادت الى استقالة وزير المياه السابق الدكتور منذر حدادين وأمر نائب الملك ولي العهد الأمير حسن بتشكيل لجنة للتحقيق في هذه القضية بعد اكتشاف ان المياه التي تمر الى الاردن من اسرائيل بموجب اتفاقية وادي عربة ملوثة بمياه المجاري. وأسفرت نتائج التحقيق الذي أجرته اللجنة وتم تحويله الى النيابة العامة عن تحويل تسعة من كبار موظفي وزارة المياه الى المحاكمة, كما طلب النائب العام رفع الحصانة على آخر ثلاثة وزراء للمياه وهم المهندس سمير قعوار والدكتور صالح ارشيدات والدكتور منذر حدادين لتقديمهم الى المحاكمة بتهمة التقصير. ورغم مرور اكثر من شهرين على هذا الطلب الا ان الحكومة لم تتقدم بهذا الطلب الى مجلس النواب للتصويت عليه. استقالة حكومة المجالي وفور الكشف عن قضية تلوث المياه في شهر يوليو الماضي تعالت اصوات النواب مطالبة بإقالة الحكومة ومحاكمة المسؤولين عن هذه القضية. وطلب النائب غازي الفايز من الدكتور عبدالسلام المجالي تقديم استقالته والتخلي عن موقعه والاعلان عن مسؤوليته ومسؤولية فريقه الحكومي عن مشكلة المياه. ويبدو ان هذه المطالبات قد تحققت حيث استقالت حكومة الدكتور المجالي في نفس اليوم الذي تم فيه تسليم تقرير لجنة التحقيق في قضية المياه للمسؤولين. وتصاعدت الأزمات في اغسطس واشتدت الحرارة تحت قبة البرلمان, ففي التاسع من اغسطس أقر مجلس النواب الاردني قانون المطبوعات والنشر بعد ان أعاد معظم المواد العقابية التي كانت لجنة التوجيه الوطني قد حذفتها من القانون. ورغم ان القانون أقر بأغلبية قليلة حيث صوت الى جانبه 38 نائبا وضده 10 نواب من أصل 48 نائبا حضروا الجلسة بسبب انسحاب 14 نائبا احتجاجا وتغيب 17 نائبا الا ان القانون أقر وأصبح الآن سيفا مسلطا على رقاب الصحافة والصحفيين. وفي ذات اليوم الذي اقر فيه قانون المطبوعات اطاحت أزمة المياه الملوثة بوزير المياه والري الدكتور منذر حدادين حيث اعلن في ذلك اليوم ان الدكتور عبد السلام المجالي رئيس الوزراء السابق قد قبل استقالته من منصبه وشهد ذلك اليوم قيام 17 نائبا بجمع التواقيع على مذكرة تطالب بحجب الثقة عن كامل الحكومة. وجاء في تلك المذكرة ان حجب الثقة يجيء بسبب فشل السياسات الادارية والتنموية وفشل الحكومة في مواجهة الفساد الاداري والمالي وتضارب أرقام النمو الاقتصادي وتلوث المياه, كما حملت لجنة المياه والصحة في مجلس النواب في ذات اليوم الحكومة مسؤولية تلوث المياه مشيرة الى ان المياه القادمة من بحيرة طبريا محملة بمواد عضوية وطحالب بكميات كبيرة جدا لم تكن المحطة مؤهلة لاستقبالها استعدادا لتغيير نوعية المياه القادمة من هناك. ووصفت اللجنة تعامل الجهات المسؤولة عن القضية بالبعد عن المصداقية والشفافية وعدم مصارحة المواطنين بالحقيقة. وعلى الصعيد الشعبي شهد شهر اغسطس اندلاع خلافات بين الاحزاب السياسية والنقابات المهنية على انعقاد المؤتمر الوطني حيث اعلنت النقابات عن رغبتها بتأجيل عقده لمدة ثمانية شهور بينما اعلنت اللجنة التحضيرية للمؤتمر انها ستعقده خلال شهرين سواء شاركت النقابات فيه او لم تشارك ووصفت الاحزاب قرار النقابات المهنية بانه يشكل تراجعا حقيقيا عن دورها الوطني والتاريخي خاصة والتي شاركت منذ بدايات الدعوة لعقد المؤتمر في الاجتماعات العديدة والمتلاحقة لقوى الاصلاح من خلال مشاركة عدد من رؤساء مجالس النقابات المتتابعين. حكومة الطراونة وفي العشرين من شهر اغسطس الماضي شكل الامير حسن نائب الملك ولي العهد اول حكومة اردنية تشكل في غياب الملك في تاريخ الاردن وهي حكومة الدكتور فايز الطراونة وجاء تشكيل هذه الحكومة بعد ان فوض الملك حسين للامير حسن كافة صلاحيات الحكم باستثناء اعلان الحرب او عقد المعاهدات, هذه الحكومة الجديدة جاءت وسط تراكمات كبيرة من الاحتقانات والمشاكل التي تسود المجتمع الاردني لتقود المسيرة في اكثر المراحل صعوبة في تاريخ الاردن. وفور تشكيل حكومة الطراونة وعد رئيسها بانتهاج مبدأ الشفافية والوضوح في التعامل مع كافة القضايا. ولازالة الاحتقان الذي ساد الوسط الصحفي جراء تمرير الحكومة السابقة لقانون المطبوعات والنشر قام وزير الاعلام ناصر جوده بزيارة الى مبنى نقابة الصحفيين واجتمع مع النقيب واعضاء المجلس في الثلاثين من اغسطس واعلمهم بان قانون المطبوعات سيصبح ساري المفعول اعتبارا من اول سبتمبر وان هذا القانون ملزم للجميع مؤكدا انه سيعتمد اسلوب الحوار مع الصحفيين بشأن تطبيقه بصورة موضوعية وعلى قاعدة المرونة في التعامل. وكشف جوده النقاب خلال ذلك الاجتماع النقاب عن ان الامير حسن امر بتشكيل لجنة ملكية لشؤون الاعلام للاشراف على الكلمة المطبوعة والمرئية. واكد أن الحكومة الجديدة ستتعامل مع قضايا الصحافة بشفافية وبدون مواقف مسبقة وانه سيسعى الى تواصل الحوار مع مجلس النقابة ومع رؤساء تحرير الصحف والصحفيين بشكل دوري لمعالجة كافة مشاكل الصحافة. الحوار الوطني وللحقيقة فانه ومنذ دخول قانون المطبوعات والنشر حيز التطبيق في الاول من سبتمبر وحتى الآن لم تقم وزارة الاعلام بتحويل اية قضية الى المحاكم ضد اي صحيفة رغم ان شهرا لم يمر في عهد الحكومة السابقة دون تحويل صحف وصحفيين الى المحاكم اضافة الى ذلك فان وزارة الاعلام لجأت في عهد الوزير الجديد وفي ظل القانون الجديد الى التنازل عن حقها عند نظر اية قضية ضد الصحفيين مرفوعة في السابق امام المحاكم وشهد شهر سبتمبر بداية الحوار الوطني مع كافة الفعاليات السياسية والاقتصادية في الاردن. وكانت أهم جلسات الحوار هذه هي الجلسة التي عقدها الامير حسن يوم السابع من سبتمبر مع 22 شخصية سياسية ضمت رؤساء الوزارات السابقين حيث اكد هؤلاء ان الهوة اتسعت بين الحاكم والمحكوم محذرين من عواقب فقدان الثقة بين القمة والقاعدة. وانتقدت هذه الشخصيات توجه الاردن غير المبرر للتعامل بحرارة مع اسرائيل وانعزاله عن محيطه العربي اضافة الى سوء الاوضاع الداخلية سياسيا واقتصاديا. وشدد هؤلاء على رفض سياسات الاحلاف وبالذات مع تركيا واسرائيل كما طالبوا بضرورة التصدي للفساد والفاسدين ونبه رؤساء الوزارات السابقون الى ظاهرة التفكك الاجتماعي وتقدم مظاهر الانتماء الجهوي والعشائري والطائفي والعرفي والطبقي على ظاهرة الانتماء الوطني والتماسك الاجتماعي داعين الى سرعة التصدي لهذه الظاهرة ولجمها. ورافق هذا الحوار الذي بدأه الامير حسن اعادة تعيين كل من احمد عبيدات وطاهر المصري في مجلس الاعيان الاردني, وكلاهما سبق له وان كان رئيسا للحكومة لكنهما في الآونة الاخيرة اقتربا من صفوف المعارضة وابتعدا عن مؤسسة الحكم بسبب مواقفهما المعارضة لاتفاقية وادي عربة وللتطبيع مع اسرائيل. بعد هذا الحوار الجاد والهادف ساد اعتقاد في الشارع الاردني بانه سيتم حل مجلس النواب الحالي والدعوة الى اجراء انتخابات مبكرة غير أن وزير الاعلام قال في ذلك الوقت ان موضوع الانتخابات المبكرة ليس موضع بحث الآن. وحول تعيين عبيدات والمصري في مجلس الاعيان رغم معارضتهما لاتفاقية وادي عربة قال جوده ان مجلس الاعيان هو مجلس الملك الخاص وان الملك للجميع لذلك يجب ان يضم مجلس كافة التيارات السياسية في البلاد. وفي خطوة لازالة الاحتقان في الوسط الصحفي قامت الحكومة بنقل الزميل بلال انتل مدير عام دائرة المطبوعات والنشر والذي اعد قانون المطبوعات مستشارا في رئاسة الوزراء وعينت بدلا منه اياد قطان الذي اكد انه يحبذ الحوار والتواصل مع الصحافة لحل اية مشكلة بعيدا عن التلويح بسيف القانون وقد تحقق الهدف من هذا القرار اذ خفت حدة الاحتقان خاصة وان دائرة المطبوعات بدأت بتحويل الصحفيين المخالفين للقانون الى النقابة بدلا من المحاكم. وفي التاسع عشر من سبتمبر عقد مجلس النواب الاردني جلسة استثنائية هي الثانية خلال هذا العام خصصت للاستماع للبيان الوزاري لحكومة الطراونة ومناقشته والتصويت على الثقة بالحكومة. وقد اشترط عدد من النواب لمنحهم الثقة خلال المناقشات ان تمضي الحكومة قدما في محاكمة الوزراء وكبار المسؤولين عن تلوث مياه العاصمة عمان. وبعد ثلاثة أيام متتالية من المناقشات حصلت حكومة الطراونة على ثقة 64 نائبا وهو اعلى رقم نيابي تحصل عليه حكومة اردنية منذ العودة الى الحياة الديمقراطية في العام 1989 ولعل اكثر ما يلفت النظر في هذه الجلسات هو تشكيل جبهة من 54 نائبا اشترطت لمنح الثقة للحكومة وقف التطبيع مع اسرائيل فاذا ما اضيف هذا العدد الى عدد النواب الذين حجبوا الثقة او امتنعوا عن التصويت فان هذا يعني ان 70 نائبا اردنيا يعارضون التطبيع مع اسرائيل. ورغم ان الحكومة شكلت في غياب انعقاد مجلس النواب وكان يمكنها البقاء بدون بيان وزاري حتى بدء الدورة العادية لمجلس الأمة والطلب من النواب اعتبار خطاب العرش في افتتاح مجلس الأمة بمثابة بيان وزاري للحكومة الا ان الطراونة لم يلجأ لهذا الاسلوب وعمل على عقد دورة استثنائية للمجلس تفعيلا للدستور الذي ينص على ان على الحكومة الجديدة ان تتقدم ببيانها الوزاري الى مجلس النواب خلال شهر من تشكيلها لطلب الثقة على اساسه. ظلال التهديد التركي لسوريا وشهد شهر أكتوبر حالة توتر في الاوساط الاردنية تجاه التهديدات التركية لسوريا والحشود الكبيرة التي خسرتها تركيا على الحدود السورية. فالحكومة اعلنت من جانبها تأييدها للمبادرة المصرية التي قادها الرئيس المصري حسني مبارك كما قام الامير حسن ولي العهد الاردني بالاتصال على الرئيس التركي داعيا الى حل المشاكل بالحوار لان هذا هو المبدأ الذي يجب ان تقوم عليه العلاقات مع دول الجوار. اما الفعاليات السياسية والشعبية والحزبية والنقابية في الاردن منذ انحازت الى جانب سوريا وأدانت استفزازات تريكا واعلنت مساندتها الحازمة لسوريا. وذهبت بعض هذه القوى الى ابعد من الادانة والتنديد عندما دعت الى فتح باب التطوع وارسال القوات الى سوريا للدفاع عن حلب. واصدرت كل احزاب المعارضة والنقابات المهنية بيانات حادة بهذا الخصوص تدعو الامة العربية لكي تهب لمساندة سوريا بشتى الوسائل للتصدي للتهديدات التركية. مذكرة حزبية للحكومة وردا على دعوات الحكومة للحوار والانفتاح على مؤسسات المجتمع المدني قدمت احزاب المعارضة مذكرة في شهر اكتوبر الى رئيس الوزراء تضمنت ثلاثة محاور هي الاسباب الداعية للحوار ثم الاطراف المعنية به ومن ثم أولويات الحوار. وجاء في هذه المذكرة ان التراجع عن المسيرة الديمقراطية وتفاقم مشكلتي الفقر والبطالة وتعاظم الشكوى من الترهل الاداري وفرض قوانين ذات صفة عرفية وانهيار بعض المؤسسات وامعان الحكومات في تصفية وخصخصة بعض الشركات الوطنية الناجحة انسجاما مع تعاليم البنك الدولي واصرار الحكومة على الامعان في التطبيع مع اسرائيل واختلال علاقة الاردن بمحيطه العربي لصالح العلاقة مع الكيان الصهيوني, كل ذلك يوجب على الجميع الدخول في حوار وطني مباشر ومسؤول لوضع آليات عمل لتصويب المسيرة والقضاء على الاختلالات القائمة والمرفوضة. ووفقا للمذكرة فإن الاطراف المعنية بالحوار مع الحكومة هي أحزاب المعارضة والنقابات المهنية المحتلة لقطاعات عريضة وهامة في المجتمع والواعية بطبيعة الازمات وأسبابها. وحددت المذكرة أولويات الحوار بضرورة اعادة النظر في القوانين التي شكلت ردة المسيرة الديمقراطية وأدت الى مقاطعة الانتخابات النيابية وفي مقدمتها قانونا الانتخابات والمطبوعات وعدم اصدار قانون الكسب غير المشروع. وحددت المذكرة أولويات الحوار داعية الى اعادة النظر في السياسة الحكومية ازاء الحريات ووضع حد لتجاوز الحكومة هذه الحقوق وتدخلها في نشاطات الاحزاب. ودعت الى المعالجة الجادة للمشكلات الاقتصادية وخلق مناخ استثماري لاعادة رؤوس الأموال الوطنية الهاربة. وأكدت على ضرورة القيام بمراجعة شاملة للادارة على أساس العدل والكفاءة ووضع حد لسياسة التطبيع ومعالجة التردي الاخلاقي وتقويم العلاقات الاردنية العربية وتهيئة الظروف لاجراء انتخابات نيابية حرة ونزيهة. وحددت المذكرة آليات الحوار على النحو التالي: ـ تشكيل لجنة عليا للحوار تضم ممثلي الحكومة وأطراف الحوار. ــ تنبثق عن اللجنة العليا لجان فرعية كل في حقل اختصاصها تتقدم بنتائج دراساتها الى اللجنة العليا. ــ تتولى وسائل الاعلام التغطية الأمنية للموارد وتضع المواطنين أولا بأول في صورة الحوار. ــ تتابع اللجان مشاركة المواطنين في الحوار من خلال وسائل الإعلام للاستفادة من اقتراحاتهم. ــ تتوصل اللجنة العليا للحوار الى قرارات مناسبة تضع حدا للأزمة وتفتح صفحة جديدة للعمل المشترك. ومنذ مطلع نوفمبر انشغلت كافة الاوساط الاردنية بانفجار الأزمة مجددا بين العراق والولايات المتحدة, كما انشغلت هذه الأوساط باتفاق واي بلانتيشن بين السلطة الفلسطينية واسرائيل واعلان الاردن ان له مصالح لابد من مناقشتها في مفاوضات الحل النهائي للقضية الفلسطينية. وكما أسلفنا فإن الاردن يتأثر بالأوضاع سواء على حدوده الشرقية أو الغربية, فقد تراجع الاهتمام الرسمي والشعبي بالاوضاع الداخلية وانصب الاهتمام على هاتين القضيتين اللتين باتتا تشكلان الشغل الشاغل للحكومة وللقوى الشعبية, وفي الأول من نوفمبر وجهت دائرة المطبوعات والنشر مذكرات الى الصحف تذكرها فيها بضرورة تصويب أوضاعها وفق أحكام قانون المطبوعات الجديد قبل الثلاثين من نوفمبر, وهو الموعد النهائي الذي حدده القانون للصحف لتصويب أوضاعها. كما رفعت وزارة الاعلام في اليوم نفسه نظاما جديدا لتنظيم عمل مراسلي وسائل الاعلام الخارجية يتماشى مع قانون المطبوعات والنشر, حيث أقر هذا النظام ونشر في الجريدة الرسمية وبدأ العمل به اعتبارا من الخامس عشر من ديسمبر حيث ينتظر ان يتم تطبيقه اعتبارا من مطلع العام 1999. وينص هذا النظام على عدم جواز ان يتمتع المراسل الصحفي بالصفة الدبلوماسية بالنسبة لغير الاردنيين, أما بالنسبة للاردنيين فيشترط ان يكونوا أعضاء في نقابة الصحفيين. مواصلة الحوار وفي شهر نوفمبر واصل الدكتور فايز الطراونة رئيس الوزراء حواراته مع القوى والفعاليات المختلفة, حيث التقى في الخامس من نوفمبر مع عدد من الأعيان, حيث شهدت هذه الجلسة الحوارية التي ضمت مضر بدران وطاهر المصري وعبدالكريم الكباريتي والهنداوي ورجائي المفسر وريما خلف وسامي جودة انتقادا حادا من قبل الاعيان للظاهرة الاعلامية والسياسية الهائلة التي شهدها الاردن ردا على برنامج (الاتجاه المعاكس) الذي بثته محطة الجزيرة الفضائية القطرية. وقال بدران في الجلسة انه لا يجوز انهماك الدولة بكامل هيئاتها للرد على مقدم برنامج أو قناة فضائية, كما لا يجوز تحميل سوريا أو قطر مسؤولية ذلك البرنامج. وتم الطلب بوقف الزفة الإعلامية ضد سوريا, مؤكدا انه لا يجوز تحميل سوريا مسؤولية ذلك البرنامج حتى لو كان مقدم هذا البرنامج وضيفه سوريين. ولي العهد يلتقي الصحفيين وفي الحادي عشر من نوفمبر افتتح الأمير حسن جولة موسعة من الحوار الوطني بلقائه عددا من الصحفيين والاعلاميين بعد ان كان قد أجرى حوارات موسعة مع النواب والأعيان ورجال الفكر والسياسة والنقباء والاحزاب. كما عقد الأمير حسن جلسة حوار مع جماعة الاخوان المسلمين حيث قدمت الجماعة مذكرة تتضمن وجهة نظرها في مختلف الشؤون الداخلية والسياسات الحكومية وملاحظتها عليها. وفي نهاية فبراير بدأت الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة الاردني وحدثت مفاجأة لم تكن متوقعة في جلسة افتتاح المجلس عندما فاز المهندس عبدالهادي المجالي برئاسة مجلس النواب. المجالي الذي أقام حفل استقبال على شرف الأسرة الصحفية والاعلامية قال انه سيدعو الى مؤتمر وطني وشامل لمناقشة مشروع قانون الانتخابات العامة الذي قدمته الحكومة السابقة والذي أكد على تمسك الحكومة بمبدأ الصوت الواحد. وقال المجالي انه سيدعو الى الحوار كافة الاحزاب والقوى السياسية والنقابية ومؤسسات المجتمع المدني وكل مواطن يريد ان يناقش هذا القانون قبل اقراره وذلك للتوصل الى توافق وطني واسع حول القانون. كما قال ان قانون المطبوعات والنشر الجديد ليس قرآنا كريما, معربا عن استعداده لمناقشة اجراء أي تعديلات عليه. وفي شهر ديسمبر اندلعت أزمة جديدة بين الحكومة وقوى المعارضة عندما منعت السلطات الاردنية حوالي 50 شخصية سياسية من المغادرة الى دمشق للمشاركة في المؤتمر الشعبي الفلسطيني الذي عقد في دمشق ردا على اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني الذي عقد في غزة وقرر شطب الميثاق الوطني. وقد دارت نقاشات حامية في مجلس النواب بين وزير الداخلية وعدد من النواب الذين اتهموا الحكومة بأن قرارها بمنع الشخصيات من السفر يحمل في طياته عودة الى الاحكام العرفية. وبعد العدوان الأمريكي البريطاني ضد العراق انفجر الشارع الاردني وقامت المسيرات في كل مكان داعية لنصرة العراق ووقف العدوان ورفع الحصار عن الاشقاء. وخلال هذه الأزمة تعاملت الحكومة بروح ديمقراطية مغايرة لأسلوبها عند اندلاع الأزمة في شهر فبراير. فقد عقد وزير الداخلية اجتماعا مع أمناء احزاب المعارضة, وتم الاتفاق خلاله على السماح بهذه المسيرات شريطة الحفاظ على الأمن وعدم اللجوء الى التخريب, وسارت المسيرات في كل مكان بشكل منظم وسط تعاون مثالي بين المشاركين وقوات الأمن. وقرر مجلس النواب الاردني بالاجماع رفع الحصار عن العراق ردا على هذا العدوان, ودعا الى عقد مؤتمر طارىء للاتحاد البرلماني العربي الذي استضافته العاصمة الاردنية في السابع والعشرين من شهر ديسمبر. عمان ــ خليل خرمة