يعتقد مسؤولون امريكيون ان المناوشات المستمرة بين العراق والولايات المتحدة في الايام القليلة الماضية في اعقاب اربعة ايام من القصف الامريكي المكثف في منتصف الشهر الماضي تبرز اهمية العمل من اجل التخلص من نظام الرئيس العراقي صدام حسين . وكشفت مصادر امريكية عن ثلاث خطط يدور حولها الجدل في اروقة الادارة ومراكز الابحاث المعنية من اجل تغيير النظام في بغداد. وتعتمد الخطط الثلاث وفقا لمصادر امريكية على استعمال القوة الجوية .. او مساعدة المعارضة في السيطرة على مناطق ضخمة من العراق توطئة للاطاحة بصدام .. او ثالثا دعم عمليات حرب عصابات طويلة الامد ضد الحكومة العراقية. ويطلق على الخطة الاولى .. (خطة المناطق) .. وتقوم فيها الولايات المتحدة بمساعدة المعارضة العراقية المنتظمة تحت لواء المؤتمر الوطني العراقي وزعيمه احمد الجلبي على السيطرة على منطقة ضخمة من الارض داخل العراق يمكنها ان تمثل قاعدة للقضاء على نظام صدام حسين. ووفقا لمصادر امريكية تنص الخطة على ان تعترف الولايات المتحدة بأن المؤتمر الوطني يمثل الحكومة العراقية الشرعية في المنفى وتمنحه حق التصرف في الاصول العراقية المجمدة في المؤسسات المالية الغربية منذ حرب الخليج وتساعده في تجنيد وتدريب واعداد قوة مشاة مؤلفة على اقصى تقدير من عشرين الف جندي معظمهم جنود فارون من الخدمة العسكرية في الجيش العراقي النظامي. وتقوم هذه القوة بغزو شمال العراق والسيطرة على مناطق الحكم الذاتي الكردية وكل غرب نهر الفرات اضافة الى منطقة حظر الطيران جنوب خط عرض 32 . ويطلق على كل هذه المنطقة (العراق الحر) ويتم رفع العقوبات الاقتصادية الدولية عنها وتستخدم الولايات المتحدة قوتها الجوية المتمركزة في الخليج من اجل منع قوات صدام حسين البرية من مهاجمة قوات الجلبي الامر الذي يحصر سيطرة صدام حسين وقواته في منطقة بين النهرين وبغداد واجزاء من شمال غرب العراق. ولكن الادارة التي وقعت على مضض على الخطوة الاولى في الخطة وهي قانون يمنح المعارضة العراقية تسليحا وتدريبا بما يساوي مائة مليون دولار .. تتشكك في جدوى الخطة وفي مصداقية وشعبية المؤتمر الوطني. وقال دانييل بايمان المحلل السياسي في مركز راند للابحاث المقرب للادارة الامريكية ان الخطة تعاني من ثغرات قاتلة وستؤدي الى تكرار مأساة خليج الخنازير عندما حاولت قوات المعارضة الكوبية غزو كوبا في اوائل الستينات وستقوم قوات صدام بذبح المتمردين مثلما حدث في اربيل في عام 1996. ويسخر المحلل السياسي اندرو برازيليتي في معهد الشرق الاوسط في واشنطن من الخطة قائلا ان المؤتمر الوطني العراقي يلقى دعما اكبر على ضفاف نهر بوتوماك الذي يخترق واشنطن اكثر من على ضفاف نهر الفرات. ويقول كينيث بولاك المحلل السياسي والاستاذ في جامعة الدفاع الوطنية الامريكية ان حلفاء الولايات المتحدة في الخليج يعارضون الخطة وفي مقدمتهم السعودية والكويت والاردن وتركيا ويرون لا جدوى لها. وفي نهاية المطاف فمن المشكوك فيه ان يتمكن جيش غير نظامي قوامه عشرون الف جندي تحت قيادة الجلبي من الوقوف في وجه جيش عراقي قوامه اربعمائة الف شخص. ويطلق على الخطة الثانية (القوة الجوية) وتعتمد على ان تقوم الولايات المتحدة بعمليات قصف جوي مستمرة وضخمة ضد معسكرات الجيش ومراكز الاتصال والمنشآت العسكرية عموما وتستهدف بالدرجة الاولى مراكز تجمع قوات الحرس الجمهوري المؤلفة من مائة الف جندي مما قد يؤدي الى تهاوي حكومة صدام حسين. ويقول بايمان ان هذه الخطة تشمل على الاقل 12 الف طلعة جوية قتالية أي نحو نصف الطلعات الجوية التي قامت بها قوات الحلفاء ضد العراق في حرب الخليج. ويستطرد بايمان في مقالة نشرها في عدد مجلة فورين افيرز الفصلية الذي سيصدر الاسبوع القادم فيقول ان الضربات الجوية بكل عنفها فشلت في اسقاط نظام الرئيس صدام حسين في عام 1991. واضاف (من السذاجة ان نعتقد ان الضربات الجوية ستقضي على القوات البرية العراقية وتفتح الباب امام جيش المعارضة العراقية ليزحف على بغداد دون مقاومة.) وحذر من ان مثل هذه الخطة ستدفع الحكومة العراقية الى اللجوء الى استعمال ما يحتمل ان يكون قد تبقى لديها من الاسلحة الكيماوية والبيولوجية. والخطة الثالثة المطروحة في اروقة واشنطن لقلب نظام صدام تم رسمها على غرار حرب العصابات الافغانية ولكنها تحتاج الى ان توافق احدى الدول المجاورة على منح المعارضة العراقية قاعدة امداد وتدريب مثلما فعلت باكستان في الثمانينات. وترفض الكويت والاردن وسوريا وتركيا وايران والسعودية جميعها لعب هذا الدور ويضعف من الدعم لهذه الخطة ان تنفيذها سيستغرق وقتا طويلا يصل لعدة سنوات وقد تؤدي الى خلق قلاقل وعدم استقرار في المنطقة بأكملها. ويقول بايمان وبولاك ان هناك فرقا بين خلع صدام ووضع نظام موالي للولايات المتحدة في السلطة من ناحية وبين اثارة البلبلة والقلاقل التي يمكن ان تودي الى انقلاب عسكري داخلي غير مضمون العواقب في بغداد من ناحية اخرى. ويحمل النموذج الافغاني معه ايضا اخطار الحرب الاهلية وتقسيم العراق وهو امر ترفضه واشنطن وكل القوي الفاعلة في منطقة الشرق الاوسط تحسبا من قيام كيان كردي مستقل ترفضه تركيا وايران وسوريا. ويقول بايمان وبولاك ان الولايات المتحدة يجب ان تستمر في سياسة احتواء العراق القائمة على العقوبات الاقتصادية والحصار العسكري واستمرار عمليات المراقبة والتفتيش الدولية. ولكن لنجاح هذه السياسة تحتاج الولايات المتحدة وفقا لهما الى اعادة تأهيل التحالف الدولي ضد العراق بما يشمل روسيا والصين وفرنسا عن طريق تقديم تنازلات لهذه الدول على صعيد قضايا مثل كوسوفو وتوسيع عضوية حلف شمال الاطلسي والتعامل مع ايران. وتشمل هذه السياسة المقترحة ايضا الاستمرار في توجيه ضربات عسكرية امريكية متفرقة الى العراق في كل مرة تتحدى فيها القرارات الدولية. وتدعو سياسة اخرى بديلة الى رفع كل العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق وازالة مناطق حظر الطيران مقابل قرار من مجلس الامن يمنع العراق نهائيا من اعادة بناء برامجها لتصنيع اسلحة الدمار الشامل او استيراد اسلحة تقليدية مهمة مثل الدبابات والمدرعات والطائرات المقاتلة على ان ينص القرار على استمرار عمل لجان التفتيش ويضم تخويلا واضحا وصريحا من مجلس الامن لكل الدول المعنية لاستعمال القوة العسكرية وضرب العراق في حالة أي انتهاك لهذا القرار. ــ أ.ش.أ