الاغراء الذي يمكن ان يغوي المحلل السياسي لمستقبل علاقات أمريكا والعرب هو ان تتقافز أمام مخيلته أسماء الأفراد اللاعبين على هذا المسرح السياسي من الآن وحتى حلول القرن الوشيك, أسماء من قبيل (بيل كلينتون) أو (صدام حسين) , أو (معمر القذافي) أو أبناء جورج بوش (وهم نجوم صاعدة في أجواء السياسة الأمريكية) و آل جور, أو فلان الفلسطيني أو علان الاسرائيلي...إلخ. ذكريات السادات ــ كيسنجر صحيح ان شخصنة السياسة أمور موروثة من أيام علاقات السادات وهنري كيسنجر وقد دشنها يومها الشعار الشهير عزيزي (هنري) لكن الأصح ان نعرض موضوعيا لمسارات وتوقعات علاقات العرب ــ أمريكا من خلال بلورة أربعة محاور رئيسية نناقشها بايجاز شديد فيما يلي من سطور: (1) ازمة القيادة في أمريكا: ولم نقل أزمة الزعامة باعتبار ان القيادات تخضع ديمقراطيا ودستوريا للتبديل في ظل مبدأ تناوب السلطة, والحاصل ان أمريكا ما برحت تعاني من يناير 1998 وسوف تظل تعاني حتى لحظة الحسم بالألقاب في عام 2000, أزمة قيادة وبالتالي أزمة غياب رؤية أو استراتيجية سياسية متكاملة وأزمة قرار. ان الحزب الجمهوري وعى تماما درس فشله في معركة كلينتون ــ بوش, ومعركة كلينتون ــ دول. وتقضي الاستراتيجية الجديدة للجمهوريين بما يلي: .. عدم السماح للديمقراطيين بأن يحكموا ثماني سنوات أخرى في البيت الأبيض ابتداء من عام 2000. .. مواصلة عملية اغتيال الشخصية التي بدأوها من أول عام 1998 وما زالت عجلتها دائرة ضد الرئيس بيل كلينتون مستفيدين من سجل انحرافاته الشخصية. .. تلميع وتقديم قيادات جديدة شابة لمنافسة المرشح الديمقراطي المرتقب آل جور ــ ومن تلك القيادات الجمهورية ــ كما ألمحنا واحد من أبناء الرئيس السابق جورج بوش. رئاسة معطوبة عرجاء ومن شأن هذه الاستراتيجية ان تؤدي إلى ان يحكم في البيت الأبيض رئيس ديمقراطي معطوب ومدان معنويا ( إن لم يكن مدان جنائيا بقرار تشريعي يصدره ضده مجلس الشيوخ), ناهيك عن قرار بعزل بيل كلينتون أساسا من الولاية الرئاسية, وهو ما نستبعده بحكم ما نرصده ونعايشه من مجريات السياسة الأمريكية المعاصرة... والله أعلم. المهم أن يسود شلل على مستوى القيادة الأمريكية على نحو ما يعبر عنه الكاتب البريطاني (مورثون كوندارك) (انظر توقعات الأيكونومست لعام 1999). وسواء هوت زعامة كلينتون أو عاشت بعد محاكمته أو توبيخه فالذي سيبقى في المكتب البيضاوي الرئيسي هو (بطة عرجاء) حسب التعبير الأمريكي بمعنى رئيس شبه مشلول سياسيا وعاجز عن اتخاذ القرار, هنا نطرح السؤال: من يتخذ قرارات المصير إذن على مستوى رئاسة أكبر دولة في عصرنا؟ ــ طغمة المستشارين ومساعديهم, وقوامهم يهود (لانقصد المعنى الديني بل نقصد التعاطف أو التلاحم مع اسرائيل عدو العرب حتى كتابة هذه السطور, وهم منبثون كما أصبح ذائعا ومعروفا في مجلس الأمن القومي وفي وزارة الخارجية وفي سائر مطابخ صنع القرار في الولايات المتحدة. ومعنى هذا أيضا ان حديث كلينتون في غزة عن القضية الفلسطينية وعن حق تقرير المصير للفلسطينيين سيصبح مجرد (طق حنك) لا يساوي ثمن الشرائط الذي سجل عليها, دع عنك ان أي أزمة تتعرض لها البطة الرئاسية العرجاء في البيت الأمريكي الأبيض قد تدفع الرئيس الأمريكي إلى السلوك التعويضي اياه, وهو ضرب العراق أو ضرب ليبيا أو ضرب السودان أو ضرب أي طرف مستضعف آخر لزوم الشعبية واظهار الفتوة الرئاسية ولو أمام عدسات المصورين. (2) الصدام بين الحضارات: وهي نظرية البروفيسور الأمريكي صامويل هنتنجتون كما هو معروف, وهي ليست أطروحة فكرية تتداولها أوساط الأكاديمية وإلا لهان أمرها, ولكنها أصبحت المقولة التي يلوكها عدد لا يستهان به من المتنفذين في مضمار السياسة الأمريكية وخاصة في دوائر مؤسسة الحرب والسلاح (البنتاجون) على نحو أوضحه مؤخرا البروفيسور روجيه جارودي في كتابه الجامع عن (آفاق القرن الحادي والعشرين) (انظر القدس العربي, عدد 24/12/1998) ان قوام نظرية الصراع عند (هنتنجتون) هي رفض الآخر وليس التوافق مع الآخر و لا في محاولة التعايش معه, والبروفيسور الأمريكي لا يتورع عن عرضه لنظريته عن الاصالة إلى مستشرق يهودي متعصب ومتحامل ضد العرب والإسلام هو الاستاذ (برنارد لويس ) الذي سبق بدوره إلى تفسير (جذور الفقه الإسلامي) كما يسميها لويس, لا على انها تصدر عن شعور بالظلم يحيق بالمسلمين أو العرب (الفلسطينيين بالذات) بل عن صدام حضارات نابع من الصراع التاريخي القديم بين الإسلام وبين التراث اليهودي ــ المسيحي. نكاد نكون الآن أمام صليبية جديدة تدعو للتصادم بدل التعايش والتكيف مع مقتضيات القرن المقبل (ألم يلفت الانظار مثلا كيف ظلت اخباريات شكبة سي. ان .ان, تنقل أخبار قصف بغداد على الهواء فيما ظلت خلفية الصورة تعكس مسجدا ومآذن مضيئة وظلت خلفية المسامع تردد مزيجا من تلاوة الدعاء والقرآن وقصف المدافع وهدير الصواريخ. (3) الشأن الاسرائيلي: وقيل فيه الكثير وما زال يقال الأكثر والأكثر, وقد تتغير تحالفات السياسة الداخلية في الكيان العبري, قد يزاح (الليكود) وقد تتغير اتجاهات حزب (العمل) وقد ينفسح المجال لظهور قيادات جديدة, آخرها مثلا جنرال خلع مؤخرا زيه العسكري واقتحم حلبة السياسة الاسرائيلية ليقدم نفسه بوصفه وجها جديدا معتدلا أو متوازنا بين جنون الليكود وبين فتور العمل, لكن الذي لا يتغير هو هدف المشروع الاستيطاني الصهيوني , وأيضا الضمان الأمريكي إلى حد التورط والمزايدة الاسرائيل ــ الوجود والأمن والتفوق والسيطرة ــ ثم التوسع والتمدد, إما بشكل مباشر ـ يشهد عليه الرشوة المليارية التي قدمها كلينتون وقد عضت به فضيحة أطرافها يهود وقد رافقه في زيارته الأخيرة لاسرائيل ـ فلسطين مستشارون ومعاونون يهود, أوبشكل غير مباشر وخاصة خلال مباركة أمريكا لذلك الحلف الذي يتشكل ويتدعم أمام أعين العرب والعالم من قلب الشرق الأوسط بين تركيا واسرائيل وهدفه المرسوم, على نحو ما أوجزه الباحث دوق واكسمان بـ: (قيام) توزان جديد للقوى في الشرق الأوسط (انظر فصلية ذي واشنجتون كوارترلي ــ عدد الشتاء 1999). (4) تصدير أساليب الحياة واستيراد الاعداء: وهنا سيجد العرب أنفسهم وهو يتعاملون مع امريكا كبلد متناقض مع نفسه يكاد يكون منفصم السلوكيات متعارض الاتجاهات, ولا عجب, فأمريكا في التحليل الأخير مجتمع مهاجرين بمعنى انها بلد (تركيبي) جاء نتيجة حواصل (جمْع) بين أفراد وأفكار وثقافات وليست بلدا تراكميا (مثل فرنسا في الغرب أو الصين في الشرق أو مصر في الوطن العربي) ولد ونما وشب وتطور نتيجة حواصل (كيف) تفاعلت في بوتقتها روافد من ثقافات وافدة مع المجرى الوطني الأصيل. احياء مبدأ مونرو في أمريكا دعوات في غاية القوة إلى العزلة والابتعاد عن وجع الدماغ وقد سببته مشاكل العالم الخارجي, وإلى تكريس (مبدأ مونرو) الشهير نسبة إلى رئيس أمريكي أسبق دعا إلى قصر اهتمامات السياسة الأمريكية على نصف الكرة الغربي ــ أمريكا الشمالية والجنوبية مما يجعل المحيط الأطلسي حاجزا أو سورا يحمي أمريكا من مشاكل أوروبا والعالم من ورائها, وفي أمريكا دعوات في الوقت ذاته إلى الانفتاح على الخارج باعتبار ان قيادة العالم مسؤولية أمريكية بالدرجة الأولى في اطار عصر القطب الواحد, وهي مسؤولية لا تنبع من ضمير حي ووجدان يقظ لوجه الله ومصالح الشعوب, بل هي من أجل مصالح امريكا القومية بالدرجة الأولى.. كيف لا.. وقد حققت صادرات أمريكا إلى الخارج أرباحا فلكية. ما لبثت ان غذت شرايين الاقتصاد القومي وأضفت عليه الحيوية والعافية التي يتباهى بها الرئيس كلينتون رغم تقديمه إلى محاكمة بتهمة الكذب وشهادة الزور. وهاهي احصاءات المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) وهي احدى الوكالات التي تضمها منظومة الأمم المتحدة, تؤكد هذه الحقيقة بأرقام مستقاة من احصاءات عام 1996 وتقول : .. في العام المذكور, بلغت عائدات أمريكا من صادرات الموسيقى المسجلة على اسطوانات وشرائط نحو 10 مليارات دولار. .. ومن شرائط السينما والفيديو بلغت أكثر من 11.5 مليار دولار. .. ومن برمجيات الحاسوب الالكتروني بلغت 34.8 مليار دولار. .. ومن صادرات الصحف والمجلات بلغت نحو 4 مليارات دولار وهكذا تلقت الخزانة القومية الأمريكية نحو 60 مليار دولار من حصائل تصدير ميكي ماوس وأقراص الكمبيوتر وأفلام هوليوود وموسيقى غير المأسوف عليه مايكل جاكسون, ولم تعد أمريكا تكترث بتصدير منتوجات الصناعة الثقيلة ولا أطنان المحاصيل الزراعية ولا خيوط القطن الأمريكي الشهير, بل انها صدّرت ما يستهوي أجيال يصفها الصحفيان بول فارهي وميجان روزنفلد بأنها (الشباب المعرض للقلق) (واشنطن بوست ماجازين 30/11/1998). علاقة التابع بالمتبوع ولم يفت الكاتبان الأمريكيان المغزى من هذه النوعية من الصادرات حين قالا: (ان قوتنا وسطوتنا أصبحت سائدة ومحسوسة وفي طول الدنيا وعرضها بفضل تلك الصادرات) , وهما على حق. وها نحن في الوطن العربي نتعرض لآثار تلك الصادرات وهي آثار ليست بالايجابية في نهاية المطاف, وفضلا عن ان الاستيراد هو عملية تلقى التابع من المتبوع, ورغم ان استيراد برمجيات الكمبيوتر قد يكون أمرا مفيدا بحد ذاته, إلا ان أمريكا من خلال صادراتها تلك كأنما تقوم بتصدير نفسها وبيع أسلوب حياتها ومنهج تفكيرها إلى العالم العربي والعالم الثالث بالذات, فما بالك عندما تشمل الصادرات موسيقى امريكا وأفلامها ولغتها ودورياتها انه ليس استيرادا للثقافة, وهو بالقطع ليس تفاعلا ثقافيا بل هو من جانب أمريكا تصدير لثقافة شعبية (بوب كلْتشر) كما تعترف (الواشنطن بوست) وقصدها الذي أعربت عنه المجلة هو (طائل الدولارات) ولكن القصد الذي يهمنا من جانبنا العربي هو (بالغ التأثيرات) أو هو (أمركة الجيل العربي) الذي يعيش الشباب والقلق وهو ايجاد جسور غير مأمونة العاقبة بين وجدان هؤلاء الشباب, وهم بداهة عدة الوطن وذخيرة المستقبل, وبين الفكر الأمريكي والحلم الأمريكي والمصلحة الأمريكية. ولقد سبق المفكر الاقتصادي المصري (سمير أمين) إلى نظرية تفسر العلاقة بين الدولة الامبريالية المهيمنة وبين البلدان المستعمرة التابعة حين كتب عن علاقة (المركز والمحيط) وها نحن نشهد عالم ختام التسعينات وقد كاد الاستقطاب الحاد والضار أيضا يجعل العالم يدور حول مركز واحد هو أمريكا وأكثر من محيط هو نحن الذين نقف في مرافئ الاستيراد بانتظار ما يبعثه المركز إلينا, وإلى أفئدتنا, وإلى أجيالنا الطالعة من صادرات. سياسة الترويع بقي الجانب الثاني وهو الأخير في هذه المحاولة للاقتراب من الموضوع, وهو ما يتعلق بواردات أمريكا من العالم الثالث وبالتراث من دنيا العروبة والإسلام وهو الجانب تلخصه عبارة تقول: استيراد العدو.. أو استيراد فكرة الارهاب. نعم, ان امريكا ستظل في عام 1999 وما بعده ممعنة في استيراد (العدو) ــ البعبع كما يقول المصريون في اطار ما قد نصفه بأنه (سياسة الترويع الداخلي) . وطالما اشتكى ساسة أمريكا, ربما منذ عهد جيمي كارتر في مطلع الثمانينات من أن تحجيم الاتحاد السوفييتي ومن ثم زواله في التسعينات قد حرم ماكينة السياسة والإعلام في أمريكا من (العدو) الذي كان وجوده خيرا وبركة, كما قد نقول على السياسة الأمريكية, وبفضل هذا الوجود تضمنت موازنات الدعاية المضادة, والإعلام الخارجي وشراء ذمم العملاء والموالين وفهم من كان على مستوى رؤساء الدول أو الحكومات, وتورمت إلى حد الاحتقان في عهد ريجان بالذات ـ ميزانيات التسلح حتى وصلت إلى رسم خطط مليارية حرب الكواكب في الفضاء الخارجي. واقتضى الأمر اصطناع عدد جديد تعيش عليه روح المكارثية أو سياسات الترويع التي طالما استبدت بالذهنية الأمريكية ولم يكن لديهم أصلح من الاسلام أو من نزعة الانبعاث الإسلامي بايجابياتها ومشاكلها التي انتقص بها العالم الإسلامي والوطن العربي, وخاصة في أعقاب الثورة الإيرانية, وكما رفع كارتر شعار حقوق الانسان ذريعة للتدخل في شؤون الدول, رفع مستشاره للأمن القومي بريجنسكي شعار (هلال المتاعب والأزمات) منذرا بخطر (العدو ـ الإسلامي) الجديد. بين الاكاديميا وهوليوود ولقد أمعن القوم إلى حد الغلو في هذا كله حيث ربطوا عنوة واعتسافا بين المسلم وبين الارهابي (ولديهم من الارهاب الأمريكي الداخلي الكم الكبير والخطر المحدق والجسيم) وما برحوا يقتنصون حادثة هنا أو أزمة هناك لتكريس وتعميق هذا الربط بين الإسلام بسماحته والارهاب, فإن أعوزهم واقع الحال فلا بأس من اللجوء إلى الكتابات والتحليلات (ليس صدفة مثلا ان تعمد مطبوعة رصينة ومحترمة مثل فصلية, الشؤون الخارجية فورين افيرز إلى تكريس واحد من اعدادها (ربيع 1995) لموضوع رئيسي بحجم 80 صفحة كاملة بعنوان (المرجل الإسلامي) وقد سبق لها معالجة الموضوع ذاته تحت عنوان أشد صراحة على شكل سؤال مطروح: هل الإسلام يشكل تهديدا؟ وفيه تبرعت السيدة جوديث ميللر ويعتبرونها مرجعا في هذا السياق فقالت نعم: هو تهديد بكل تأكيد. ونحسب انهم سائرون على نفس الدرب وناسجون على منوال هذه المكارثية المستجدة التي يلتبس فيها الحق بالباطل ويختلط فيها صحيح الدين بمنحرف السلوك, وتعمد إلى قولبة الناس واختزال ملايين البشر ممن يقولون ان لا إله إلا الله في فرد أو بضعة أفراد يصورونهم على أنهم يأتمرون ارهابا بكوكب الأرض وناسه,, وهذه النظرة قد تشمل مستشرقا حاقدا مثل برنارد لويس, أو باحثه تصدر عن هوى التحامل المغرض مثل السيدة ميللر أو مخرجين ومؤلفين من هوليود يقدمون نفس الموضوع للناس في فيلم اسمه (الحصار) عام 1999 اذن سيظل يشهد صراعا متناقضا في المصالح بين العرب والقوى الحاكمة ــ الفاعلة في أمريكا, ولن يتحول الأمر إلى حيث التوافق والتعاون الحقيقي ما لم يدرك قومنا أن الله سبحانه لا يغير ما بالعرب حتى يغيروا ما بأنفسهم. كاتب مصري مقيم في نيويورك