تحتل العلاقة بين الاسم والمسمى مكانة هامة في معنى ومحتوى اي مصطلح. عندما نتحدث عن (الاتحاد الاوروبي) حاليا, او (حلف وارسو) السابق , فاننا نتحدث عن مفهوم يتطابق فيه الاسم مع المسمى, وليس فقط عن مصطلح ذي دلالة جغرافية. فكل من النظامين نشأ بإرادة ذاتية من أعضائه, واتخذ الشكل الذي ارادوه له ليخدم الاهداف التي حددوها من انشائه. بالمقابل, فإننا لا نرى فيما يسمى بــ (النظام الاقليمي العربي) من (العروبة) غير الاسم, او لنقل الدلالة الجغرافية. اما من حيث الجوهر او المضمون فهو منظومة من المؤسسات والعلاقات الدولية لم تنشئها الأطراف او الكيانات التي تشكل الموضوع او الحيز الجغرافي لعملها, وانما رسمتها قوى دولية مهيمنة خارجية لتدير بوساطتها ومن خلالها مصالحها في الوطن العربي. ولسنا مبالغين اذا قلنا ان المكونات العربية في (النظام الاقليمي العربي) مازالت, في أحسن الأحوال, لا تلعب أكثر من دور ثانوي يأتي تالياً لدور المقررين الاساسيين والفاعلين الرئيسيين, الخارجيين, في هذا النظام. ولسنا بحاجة الى كثير من الجهد لإثبات أن (النظام الاقليمي العربي) كان بصورة شبه دائمة غير فعال, او كان مشلولاً في المبادرة لأي انجاز حقيقي يحقق مصالح ومطامح الشعب العربي, وكان مآل معظم القرارات التي تطمح الى ذلك هو الفشل (قرارات مجلس الوحدة الاقتصادية العربية, والسوق العربية المشتركة, و90% من قرارات جامعة الدول العربية والقمة العربية.. الخ) وذلك عندما لا يكون اتخاذ القرار او تنفيذه مطلباً للقوى الحاكمة بالنظام الاقليمي العربي, وهي القوى الخارجية. وفي الحالات المعاكسة, عندما تعلن تلك القوى عن حاجتها الملحة الى تمرير قرار او خطة عمل تخدم مصالحها في المنطقة العربية فان (النظام الاقليمي العربي) يبدو في ذروة النشاط والفعالية, والحيوية والاخلاص, والسرعة في اتخاذ القرار والالتزام بإيفاء جميع متطلباته, المحددة خارجياً, والتي تدفع الأمة العربية ثمنها غالياً من مواردها وبشرها, في حاضرها ومستقبلها. اننا لا نعدم شكلاً اخر, بمضمون اخر, (للنظام الاقليمي العربي) , يكون اسماً على مسمى. فمنذ اواسط هذا القرن ظهرت مشروعات عربية الشكل والمضمون, على المستويين الرسمي والشعبي لنظام عربي يحقق طموحات وحاجات الأمة ويصون كيانها من الاخطار الداخلية والخارجية. وقد اتخذت بعض هذه المشروعات صيغاً اتفاقية مبرمة من قبل الحكومات العربية, مثل اتفاقية الدفاع العربي المشترك الموقعة منذ مطلع الخمسينات في الجامعة العربية, واتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية, وغيرها كثير. فما الذي كان يمنع هذه الاتفاقيات من التنفيذ على الارض مادام المسؤولون العرب الموقعون عليها هم هم أنفسهم. رغم وجود تفسيرات كثيرة لهذا التناقض بين القول والفعل, الا أن التفسير الأهم, برأينا, هو تحول الاقامة الدائمة على كراسي المسؤولية الى الهدف الأسمى الذي ترخص في سبيله جميع الأهداف الأخرى, هذا الهدف الذي لا يتحقق الا برغم الارادة الشعبية, وبالتالي, باللجوء الى الدعم الخارجي. وثمن التنكر للارادة الشعبية والتعويض عن دعمها بالدعم الخارجي هو التضحية, قبل كل شيء, برأس النظام الاقليمي العربي, بحيث يصبح في جوهره نظاماً لا عربياً بصورة شبه كلية. حقوق المواطن العربي و(النظام الاقليمي العربي) المطلوب: لنترك, في هذا المقال الحديث عن (النظام الاقليمي العربي) في كلياته, في علاقاته الدولية والاقليمية, ولنتوقف عند المكون الأهم لأي مجتمع, وهو الانسان, وبتحديد أنسب لموضوعنا: المواطن. فالمواطن يزيد عن مطلق انسان بالحقوق والواجبات التي تربطه بوطن معين, دولة ومجتمع. فالمواطنية ليست وثيقة انتماء رسمية. وليس مواطناً حقاً ذلك الانسان الذي لا يتمتع بعلاقة عضوية ايجابية متبادلة, علاقة اعتماد متبادل مع محيطه (وطنه), من الناس والبيئة والدولة. والخطر كل الخطر عندما تتحول هذه العلاقة من علاقة تكاملية الى علاقة تناقضية, اي الى نفي متبادل بين الانسان, فرداً او جماعة, وبين محيطه, من مجتمع او بيئة او دولة. ففي هذه الحالة لابد من هلاك احد طرفي الصراع, الطرف الأضعف, دون ان يعني ذلك انتصاراً للطرف الآخر, بل هلاكاً من نوع آخر, في الماهية والجوهر. ان للنظام الاقليمي اثاره على المواطنين الذين يمثلون الخلايا المكونة لكيانات هذا النظام, تضاف, ايجاباً او سلباً, لآثار كل من هذه الكيانات على خلاياه الخاصة, اي مواطنيه. ان هذه الآثار ليست مجرد آثار معنوية, تتحدد قيمياً, بل اضافة لذلك هي آثار ملموسة تقاس كمياً ومادياً. فاذا كانت الآثار المعنوية المنتظرة للنظام الاقليمي على المواطن زيادة درجة الطمأنينة لديه, عندما يمنحه هذا النظام المزيد من الأمن والأمان, والشعور بالكرامة والعزة, مما يقضي على الاحباط والخوف والقدرية ويقوي الارادة ويضاعف الطموح والمسؤولية, فان الآثار المادية تتمثل في تحسن فرص التقدم والرفاة, والعمل والدخل, وارتقاء اشباع الحاجات الانسانية من الحاجات الضرورية الى الكمالية ومن المادية الى الروحية, وتحسن امكانيات وقدرات الدفاع عن الذات ضد الاخطار الخارجية, والعكس بالعكس ايضاً. والسؤال هو: الى اي درجة, وكيف خدم او يخدم (النظام الاقليمي العربي) مصالح المواطن العربي وطموحاته او الى أي درجة, وكيف يتعارض معها؟ تحتل هذه المسألة مكانة مركزية بين اهتمامات قادة ومنظري واجهزة الانظمة الاقليمية الأخرى. فمفوضية الاتحاد الاوروبي في بروكسل تولي اهتماماً كبيراً لدراسة اوضاع الانسان الاوروبي, وتأثر هذه الاوضاع بالعمليات التكاملية الجارية, حتى لا يكون الاتحاد الاوروبي هيكلاً فوقياً تقيمه الانظمة السياسية دون مشاركة واعية من شعوبها. لهذا كان الانضمام للاتحاد والوحدة النقدية وجميع المسائل الجوهرية المتضمنة في اتفاقية ماستريخت لعام 1992 موضوعاً للاستفتاء الشعبي في كل دولة من دول الاتحاد, ولم يكن اقناع الشعوب بهذه السهولة لان المسألة كانت تقاس بمعايير كثيرة وبمقاييس دقيقة, وليس بقرارات سياسية او ارتجالية عاطفية. وقد أعيد الاستفتاء اكثر من مرة في عديد من البلدان الاعضاء لعدم حصول قرار الانضمام على تأييد الأغلبية. وبالطبع, سيكون رفاهاً مبالغاً به أن نطلب من أنظمة عربية لا تتمتع في اغلبيتها الساحقة بالشرعية المستمدة من الارادة الشعبية المعبر عنها بانتخابات حرة نزيهة واعية ان تتخذ قراراتها الاقليمية وتقبل ان تحاسب على تنفيذها بواسطة وأمام جماهيرها عبر استفتاء شعبي كما يجري في الاتحاد الاوروبي. وهذا هو السبب الحقيقي في افتقار (النظام الاقليمي العربي) المضامين العربية واحتشائه بالمضامين الدخيلة, وان كانت متسترة غالباً وراء صياغات عربية خادعة. فاذا كان الاتحاد الاوروبي يستطيع ان يقول لمواطنه وبالارقام الباردة ان الوحدة النقدية ستحقق وفراً في تكاليف السلع والخدمات الاوروبية, وبالتالي زيادة في قدرتها التنافسية بنسبة 10%, مما ينعكس على التصدير والتشغيل ومستوى الحياة ايجابيا, وان اقامة السوق الاوروبية الواحدة سيحسن من فرص الحياة والعمل للمواطن (وان كان هناك نسبة كبيرة من المواطنين يعتقدون العكس, بأنها ستحسن فرص الاحتكارات في تحقيق الارباح على حساب المواطنين, ولذلك يقفون في الجهة المعارضة), وان الوحدة الاقتصادية تزيل اسباب الصراعات القومية على الحدود والعداوات التاريخية بين الشعوب وتلغي بالتالي اسباب الحروب وتوفر على المواطنين تكاليف التسلح والصراعات المادية والانسانية.. الخ, فماذا يستطيع (نظامنا الاقليمي العربي) ان يقول لمواطنيه؟ ان جميع هياكل (النظام الاقليمي العربي) , الجماعية كالجامعة العربية, او التكتلية, كاتحاد التعاون العربي, او الاتحاد المغاربي, او مجلس التعاون الخليجي, او الثنائية, وجميع الاتفاقات المعقودة على هذه المستويات, لم تستطع ان توحد القوة العربية في مواجهة الاطماع الاسرائيلية التوسعية, ولا ان تشكل اي رادع للعدوان, ولا ان تمنع الصراعات المغاربية, او الخليجية, هذا ان لم تساهم احياناً في تعميق الاستقطاب داخل (النظام الاقليمي العربي) نفسه, وزرع بذور اضافية للشقاق بين عناصره, كما بينه وبين جيرانه, انسياقاً مع مطالب (النظام الدولي) ومخططاته, وبالمحصلة, فان هياكل ومؤسسات النظام الاقليمي العربي لم تستطع ان توفر على الانسان العربي عبئاً واحداً من الاعباء الهائلة التي ينوء تحتها, ولا أن تحمي حقوقه في ثرواته الطبيعية, بل شكلت المظلة الاكثر اماناً للاحتكارات الموغلة فيها نهباً واستنزافاً, كما انها لم تستطع ان تضيف الى مستوى معيشته فلساً من (وفورات العمل الكبير) , بل حملته تكاليف مضاعفة نتيجة تعميق استلابه على ايدي القوى الداخلية والخارجية, اذ أطالت عمر الركود التاريخي المزمن المحيط به. ان المواطن العربي كان ينظر من نافذته القطرية الى الافق القومي الرحب طامحا ان يجد فيه تعويضا عما ينقصه في كيانه الضيق الخانق. لكن القوى الداخلية والخارجية المدافعة عن القطرية, دفاعها عن مصالحها فيها, استطاعت ان تجعل النظام الاقليمي مصدر اخطار اكثر شدة على المواطن مما يتصوره في كيانه القطري, حتى جعلنه يرى في القطرية ملجأ ومنجى من الشرور الكامنة في الاطار الاقليمي, بدلا من ان يكون العكس. فالدول العربية التي فشلت, عن سابق قصد وتصميم, في تفعيل العمل الاقتصادي القومي المشترك, والذي يستفيد منه الجميع, نجحت في تفعيل العمل الامني المشترك, الذي يحمل الى جانب بعض الايجابيات, التحالف على التساند المشترك في وجه اي مطالب شعبية ديمقراطية بالتغيير الايجابي والمشاركة الشعبية لتحسين الاداء العام. ان احداث العقدين الاخيرين وبالاخص احداث الاسبوعين الاخيرين قد قدمت البراهين الدامية الدامغة على أن محاولات اقامة انظمة اقليمية عربية فرعية متعددة كبديل عن النظام الواحد, لم تؤد الا الى نقل التناقضات القطرية التي دق الاستعمار اسافينها في جسم الامة الى مستوى اعلى واخطر, لتتفجر على نطاق اكثر تدميراً. ولا يستطيع احد البرهان او الادعاء بان هذا النظام الاقليمي الفرعي او ذاك استطاع تقديم اي حل جذري لاي مشكلة امنية او سياسية او اقتصادية او اجتماعية لمجتمعاته او لمواطنيه. ورغم ذلك يستمر المدافعون عن الانظمة القطرية او الاقليمية الفرعية بإضفاء الطابع (السيادي) على هذه الكيانات, متجاهلين تفاقم التناقضات البينية والاقليمية واضمحلال الانجازات النوعية وتسارع الكوارث الاقتصادية وتزايد المشكلات الاجتماعية تعقيداً. انه القانون الطبيعي القائل بأن التناقض في اي بنية لا يجد حله المنطقي الا في رحاب بنية اكبر, وعلى العكس يزداد تفجراً كلما تقلصت حدود البنية التي يكمن داخلها. مع قدوم عام 1999 وعلى ابواب القرن الواحد والعشرين يزداد عدد المواطنين العرب الذين يكتشفون وحدة المشكلات والاعداء الذين يواجهونهم, وتطابق حاجاتهم ومطالبهم, والطريق المشترك لتحسين اوضاعهم العامة والخاصة, الامنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية, هذا الاكتشاف الذي يستدعي استجابات متشابهة من قبل جميع الانظمة القطرية, وأهم هذه الاستجابات اقامة نظام اقليمي عربي قومي شامل نابع من حاجات الانسان العربي ويضع مطالب المواطن العربي فوق اي اعتبار اخر. كاتب ومفكر سوري*