مع مطلع كل عام جديد تكثر احاديث التوقعات لأحداثه, وتختلط الأماني والمخاوف بتكهنات العراقيين, وقراء طوالع النجوم, لاشباع الرغبات الشعبية السائدة لمعرفة ما يخبئه القادم من الأيام لهم . وبعيداً عن هذا الجانب الاسطوري والخرافي, تجتهد مراكز البحوث الاستراتيجية والدوائر العلمية القريبة من صانعي القرار الدولي لرسم اجندة للعام الجديد, تتضمن اهم الأحداث المتوقعة والأزمات الكامنة, المرشحة للانفجار, وسبل التعامل معها. وتكمن أهمية رسم أجندة تقريبية لاحداث العام 1999 في كونه عامنا الاخير في قرننا العشرين, وبانقضاء هذا العام نودع قرناً ونستقبل اخر, نودع قرن الحربين العالميتين, وانتاج الاسلحة الفتاكة واسلحة الدمار الشامل واستخدام القوات الامريكية للقنبلة النووية لأول مرة ضد المدنيين اليابانيين. كما نودع قرن الحرب الباردة والصراع بين المعسكرين الرأسمالي بقيادة واشنطن والاشتراكي بقيادة موسكو, وانهيار الاتحاد السوفييتي المروع, وانفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولي الجديد, الذي لم تتضح معالمه باستثناء الهيمنة الامريكية في غيبة اقطاب دولية تشكل رادعاً لها. وعربيا واسلاميا, نودع القرن بانحسار المد القومي العروبي, وضعف النزعة الوحدوية لحساب تصاعد النزعات الاقليمية والتبعية للخارج, كما نودع قرن النكبات والانتصارات غير المكتملة, نكبة ضياع فلسطين, واجتياح العراق للكويت, والحصار الدولي لشعبنا العربي في ليبيا والعراق, واذكاء نيران الارهاب الاسود التي التهمت قدرات الجزائر وتركته يأكل بعضه بعضا في حرب مجنونة. وحتى لا نسترسل في البكاء على اطلال القرن واحزاننا العربية, نتمسك بخيوط امل ونحاول رسم اجندة لاحداث العام الاخير في قرننا العشرين, وهي مجرد نمو طبيعي لأجندة احداث العام المنصرم, فالتاريخ نهر تتدفق احداثه وتتواصل والحاضر والمستقبل يولدا دائما في رحم الماضي. اليورو الاوروبي والأمل العربي المؤجل بعد قرون من الحروب والصراعات المسلحة التي اجتاحت القارة الاوروبية, يولد أخيراً أول نظام نقدي لاوروبا التي لم يوحدها طيلة تاريخها نظام سياسي واحد, ويتداول مواطنو احد عشر بلدا اوروبيا عملة نقدية واحدة (اليورو) في صبيحة اول أيام العام المقبل. ويشكل ميلاد (اليورو) إحدى العلامات الفارقة على الوحدة الاقتصادية الاوروبية, وبزوغ المنافسة القوية امام الدولار الامريكي. ويطرح ميلاد (اليورو) الذي سيكمل طوره النهائي لتوحيد اوروبا ماليا واقتصاديا في أول يناير 2002, العديد من الاشكاليات والقضايا ويستثير الرغبة في المقاربات والمقارنات خصوصا مع محاولات وتجارب وطننا العربي في تحقيق وحدته الاقتصادية, من حيث افتقار اوروبا للأسس السياسية والحضارية لقيام الوحدة, ومع ذلك تسير بنجاح اتجاه تحقيقها, وعلى النقيض يمتلك وطننا العربي كل مقومات الوحدة التي يفرضها تاريخه الواحد, وحضارته, ووحدته الجيوسياسية, الا أن الفشل والاخفاق كان بالمرصاد لكل تجاربه الوحدوية الحديثة. وتفرض ولادة (اليورو) كعملة اوروبية موحدة علينا البحث عن اسباب فشل تجاربنا الوحدوية, حتى تبدو الناجحة منها وكأنها (بيضة الديك) , فنحن امة بكل ما في معنى الامة من دلالات, حددتها القواميس السياسية او عجزت عن تعريفها, في حين اوروبا مازالت حائرة في تحديد تعريف واحد لمعناها. ففي الأول من يناير 99 ستبدأ المصارف الاوروبية في التعامل بــ (اليورو) العملة الموحدة لاحد عشر بلداً اوروبيا جنبا الى جنب مع العملات الوطنية.. المارك والفرنك.. كما تبدأ المتاجر وكل المؤسسات التجارية والاقتصادية والخدمية في التعامل (باليورو) كعملة اوروبية موحدة جنبا الى جنب عملات كل بلد, تمهيداً لاعتماد (اليورو) كعملة وحيدة لاوروبا, وكأحد الملامح الرئيسية لنجاح اوروبا في مسيرتها باتجاه الوحدة, التي كانت حلماً من احلام ما بعد الحرب العالمية الثانية حلم به افراد من المثقفين. والوحدة النقدية الاوروبية ستكتمل بعد عامين, عندما تبدأ كل من المانيا, فرنسا, ايطاليا, اسبانيا, البرتغال, ايرلندا, بلجيكا, هولندا, النمسا, فنلندا, لوكسمبورج في اعتماد (اليورو) كعملة وحيدة. وفيما ينطلق قطار الوحدة الاقتصادية الاوروبية بسرعة فائقة, رغم عوائق الجغرافيا وحواجز التاريخ, وغياب مفهوم الامة الواحدة, يتعثر قطار الوحدة الاقتصادية العربية رغم توافر كل اسباب انطلاقه, وكأننا نعيش في متاهة من الالغاز والاحاجي, حلها يحتكره طرف خارجي, هدفه الأسمى اعاقة اية محاولة لاستعادة وطننا لوحدته. قمة المصالحة والمصارحة وفي 24 يناير يلتقي وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم التشاوري المؤجل, ويبحثون تحت مظلة الجامعة العربية الدعوة لعقد قمة عربية شاملة طال انتظارها, ليس فقط بسبب القصف الامريكي البريطاني للعراق, او التهديد الاسرائيلي لضرب لبنان بل لمجمل الاوضاع العربية التي باتت لا تسر عدواً ولا حبيبا, واستحال الحديث عن التضامن والوحدة كأنه من أحاديث الماضي او محرمات الحاضر, ويأتي الاجتماع التشاوري المؤجل في كل ظل بداية صحوة عربية, ولقد وافقت اكثر من 17 دولة عربية على عقد القمة وترددت اصداء النداءات لاستعادة التضامن والمصارحة والمصالحة, والامل معقود على ان يتحقق في قمة 1999 مافاتنا تحقيقه في عقد التسعينات, عقد الفرقة والتشرذم والتقاتل. لوكيربي والعراق أزمات قديمة متجددة ستستمر تداعيات ازمة لوكيربي من ليبيا والولايات المتحدة وبريطانيا, برغم قرب موعد المهلة التي حددتها محكمة العدل الدولية لواشنطن ولندن لتقديم ادلة الاتهام لليبيين المشتبه في تورطهما بتفجير طائرة البان 103 فوق لوكيربي عام 1988. ومن المرجح استمرار نفس الأسلوب الامريكي والبريطاني في التعامل مع ليبيا, وربما يتصاعد التهديد بتشديد الحصار الذي طال امده منذ ثماني سنوات, وستسعى كل من واشنطن ولندن الى التملص من تقديم ادلة الاتهام بهدف عرقلة المحاكمة الدولية, او تقديم ضمانات لليبيين. فطيلة الاعوام المنصرمة اظهرت واشنطن استهانة لا حدود لها بالشرعية الدولية, مدفوعة بنفاذ سطوته وانفرادها بقمة النظام الدولي, وفرضت الحصار الظالم على ليبيا اعمالاً للفصل السابع من ميثاق المنظمة الدولية, دون وجود ادلة اتهام قاطعة مانعة ضد ليبيا, وباعتراف عملاء سابقين لــ (سي اي ايه) كان حادث تفجير الطائرة وراء صراعات داخل الاستخبارات الامريكية وادارة مكافحة المخدرات. كما ستتواصل توابع الازمة العراقية مع تزايد فرص واحتمالات توجيه ضربات امريكية بريطانية جديدة, دون تحقيق الأهداف الامريكية الاستراتيجية المباشرة في العراق. ففي التجدد الدوري لازمات المواجهة بين واشنطن وبغداد, ستتسع هذه المرة مساحة المناورة امام العراق, بفضل الانقسام الدولي تجاه النهج الامريكي, فمؤخرا بدأت الدعوة لطي صفحة لجنة التفتيش الدولية, واخراج ريتشارد باتلر من المسرح الدولي نهائيا, والبحث عن آلية جديدة للتفتيش. كما بدأت الدعوة لرفع الحصار عن العراق تتصاعد وتكتسب انصارا جددا معربيا واقليميا ودوليا. الا ان (كعب اخيل) في الملف العراقي سيبقى كما هو بحاجة لحكمة ثاقبة وقدرة على تجاوز جراح الماضي لحل لغزه, والمقصود هو الشأن العراقي الداخلي, واعادة ترتيب البيت العراقي, دون قسر, او فرض وصاية واعمال الديمقراطية, واطلاق حوار بين الحكومة والمعارضة وتوسيع هامش الحريات. حلم الدولة الفلسطينية من ملفات الازمات العربية المؤجلة, والتي ستفرض نفسها هذا العام ملف الدولة الفلسطينية. وخلافاً للتأكيدات التي أطلقها رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات بشأن اعلان قيام الدولة في مايو المقبل, الا ان المؤشرات ترجح تأجيل الاعلان, فهناك معوقات عديدة تحول دون امتلاك السلطة القدرة على ذلك, اهمها انتزاع اسرائيل معظم اوراق التفاوض التي بيد السلطة, وحصدها التنازلات التي تركت عرفات بلا حول, وكأنه لم يعد لديه شيئ يقدمه لاسرائيل, بعد اقرار الغاء الميثاق الوطني, وتجريم المقاومة المسلحة لقوات الاحتلال واعتباره ارهابا, وتجريم ما تعتبره اسرائيل تحريضا. واهم معوقات اعلان الدولة الفلسطينية اتفاق واي بلانتيشن المجمد تنفيذه, وانشغال اسرائيل بانتخابات رئيس الوزراء المقرر لها 17 مايو المقبل, واضطرار السلطة الفلسطينية للدخول في تحالفات مع حزب العمل واليسار الصهيوني, وبالتالي ترجيح تأجيل اعلان الدولة حتى لا يتأثر موقف ايهود باراك كمرشح لرئاسة الوزراء في مواجهة بنيامين نتانياهو رئيس الحكومة الحالي. على أية حال, وسواء اعلنت السلطة الفلسطينية الدولة أم لم تعلنها, سيبقى حلم الدولة قائما, ويكتسب مصداقية في الاطار الاشمل للصراع العربي الصهيوني, فالقرن المقبل يحمل في طياته تطورات تشير الى قرب تفكك الكيان الصهيوني, وتحول حلم الدولة الفلسطينية الى واقع بفضل تطورات موضوعية لافضل للسلطة فيها, وان كان هناك فضل فهو مقصور على قوى المقاومة الحيوية في الشارع الفلسطيني. قمة الرياض والجواز الخليجي الموحد يشهد العام 99 انعقاد قمة مجلس التعاون الخليجي العشرين بالعاصمة السعودية الرياض, وتأتي مدفوعة بزخم قمة ابوظبي, التي مهدت الطريق لارساء رؤية مؤسسية خليجية موحدة لاستقبال القرن الحادي والعشرين. ويترقب مواطنو مجلس التعاون قمة الرياض مؤملين ان يتم انجاز اصدار جواز سفر خليجي موحد, واستكمال خطوات توحيد المعاملات الاقتصادية, والقضايا الامنية والدفاعية, باعتبارها خطوة على طريق تحقيق الوحدة العربية الشاملة. ومن جملة ما هو مأمول من قمة الرياض خلق آليات تعاون وتنسيق بين مجلس التعاون الخليجي وباقي مؤسسات العمل العربي المشترك, وفي مقدمتها الجامعة العربية, ودول اعلان دمشق وباقي الاتحادات الاقليمية العربية. توطيد دعائم التعاون العربي الاسلامي وعلى صعيد التعاون العربي الاسلامي, تتزايد فرص توطيد اركانه في العام 99, ليس فقط عبر منظمة المؤتمر الاسلامي التي شهدت تفعيلا لدورها منذ قمة طهران عام 1997, بل عبر تسارع خطر التعاون بين الدول العربية والدول الاسلامية. وهناك اكثر من جهة مرشحة لازدهار التعاون العربي الاسلامي في مقدمتها مسار العلاقات الخليجية الايرانية, والعلاقات بين مصر وسوريا وايران. ويضاف الى ذلك التعاون بين دول مجلس التعاون وجمهوريات وسط آسيا الاسلامية, والتي ستكون بمثابة (تيرمومتر) للعلاقات العربية الاسلامية, خصوصاً في اطار احياء طريق الحرير الذي يربط ايران بتلك الدول, ويمكن امتداده ليربط باقي الدول العربية عبر شواطئ الخليج العربي بتلك الجمهوريات. محاكمة كلينتون وبروز أقطاب مزاحمة لواشنطن تمثل محاكمة الرئيس الامريكي بيل كلينتون التي ستجري في الكونجرس مطلع العام 99 احد اسوأ الفصول الدرامية في التاريخ الامريكي المعاصر. فخلافا لفضيحة (ووترجيت) التي اطاحت بالرئيس الاسبق ريتشارد نيكسون, جاءت فضيحة كلينتون خليطاً من الفضائح الاخلاقية والدوافع السياسية, ولتضع مؤسسة الرئاسة في ادنى مستوياتها, وتخلع عنها ثوب وهالة الزعامة, وتدخلها سرداب الخطايا والصغائر. فمنذ تكشف علاقة كلينتون اللاأخلاقية بالمتدربة السابقة في البيت الابيض مونيكا لوينسكي, ومسلسل الفضائح لم يتوقف, وأدى الى اختلاق اكثر من مشكلة دولية كوسيلة لفك الخناق عن الرئيس الامريكي, منها قصف مصنع الدواء السوداني, وقصف العراق. ومهما جاءت نتيجة محاكمة كلينتون في الكونجرس والمرجح لها ان تكتفي بتوجيه لوم وتوبيخ لكلينتون دون عزله, فانها ستترك مؤسسة الرئاسة عاجزة بعد ان فقدت الهيبة والرصانة التي تؤهلها لدور فعال على المسرح السياسي الامريكي, وستؤثر حتما على مجريات الصراع الداخلي بين الديمقراطيين والجمهوريين في الانتخابات الرئاسية المقبلة, وستؤهل كلينتون لموقع لم يتمناه لنفسه في سجل الرؤساء الامريكيين. وبعيدا عن محاكمة كلينتون, سيشهد العام 99 بروز اقطاب دولية تزاحم كلينتون وتكسر احتكارها لقيادة النظام الدولي الجدير, وفي مقدمتها التحالف الاستراتيجي الثلاثي بين روسيا والصين والهند كمقدمة لبروز دول قوية اقليمية اخرى عانت من تهميش دورها في مرحلة هلامية النظام الدولي عقب انهيار الاتحاد السوفييتي. ومن المتوقع ان تتسارع خطى دعم المؤسسات الاقليمية لدول العالم الثالث افريقيا واسلاميا وعربياً, للخروج من نفق الهيمنة الامريكية, في ضوء البوادر الجنينية التي ظهرت من خلال كسر بعض الدول الافريقية للحظر الجوي المفروض على ليبيا, وسقوط محاولات واشنطن لاحكام الحصار الاقتصادي على ايران. توسيع الناتو في غير أوانه وفي ابريل من العام 99 تكتمل خطوات توسيع الحلف الاطلسي بانضمام دول اوروبا الشرقية الاعضاء السابقين في حلف وارسو. الا ان توسيع الناتو يلقى ردود فعل متباينة, ويثير خلافات داخل المعسكر الاوروبي, وعلى الضفة الروسية وعلى الصعيد الامريكي. ففي داخل المعسكر الاوروبي هناك خلافات شديدة حول ضم تركيا المتلهفة على نيل عضوية الناتو, فيما تعارض روسيا امتداد الحلف نحو حدودها العربية, فيما ترقب واشنطن خطوات التوسيع بحذر وحرص على ابقاء (الناتو) تحت مظلة استراتيجيتها الكونية. والاخطر من تلك الخلافات والمخاوف, ان الناتو يتمدد ويتوسع بلا هدف, ولا عدو واضح محدد, ولا اجندة مهام فعلية ويتخبط ما بين حل النزاعات العرقية والدينية, تلك التي مازال عاجزاً عن القيام بها كما ينبغي مثلما هو حادث في كوسوفو, وما بين الاتجاه جنوبا نحو شواطئ المتوسط العربية والافريقية, في محاولة لخلق مهنة جديدة, عبر اقتراحه انشاء قوة تدخل سريعة, تثبت اقدامه في القارة التي تسعى واشنطن للانفراد بالسيطرة عليها, ووراثة الدور الاستعماري الاوروبي, عبر منظومة اقتصادية جديدة, تتيح لها النهب المنظم لثروات القارة السوداء. وفي هذا السياق يبدو الناتو حلفاً يتعافى في غير اوانه. واخطر ما ستحمله اجندة 99 من قضايا هو قدرة اي من الاطراف العربية والاسلامية والاقليمية والدولية على اجراء مراجعة لمسيرة القرن المنصرم والتهيؤ لاستقبال القرن المقبل. ويبدو لأي مراقب عربي ان مسيرة المائة عام الشاقة, والمليئة بالعقبات والتحولات, والممهورة بدماء ملايين الشهداء على درب التحرر, لم يكن حصادها هشيماً, وان كانت ثمارها اقل مما هو متوقع. فمازلنا كعرب نعاني التقسيم الذي خلفه لنا الاستعمار الاوروبي, وندفع فاتورة التقسيم الانجلوفرنسي في اتفاقية سايكس بيكو, ومازالت القدس رهينة وعد بلفور. الا ان الأمل معقود على نهوض مجتمع مدني عربي, يتبنى المنطق التاريخي العلمي, بعيدا عن الشعارات لتحقيق ما عجز عن انجازه من أهداف, ليلتئم شمله ويرتق فتقا صنعته ايادي غربية, او همم عاجزة, وليعيد لخارطة الوطن وحدتها. بقلم: سيد زهران