الذين يأخذون بالنظرة الشاملة لمسار السياسة الأمريكية الدولية والعربية بعد الحرب الباردة, لا يمكنهم الاطمئنان الى تعليل العدوان الثنائي الأمريكي البريطاني الأخير ضد العراق , بموقف كلينتون في قضية (مونيكا جيت) فهذا التفسير ينطلق من استسهال لمسألة صناعة قرار الحرب والسلام في الولايات المتحدة انه ببساطة يجعل من هذا القرار مجرد خيار للرئيس الأمريكي, بوسعه أن يستخدمه متى وكيف يشاء بغض النظر عما هو ثابت في فقه النظم السياسية, وملخصه ان قرار تحريك الآلة العسكرية الأمريكية الضخمة يتعلق بسلسلة من المؤسسات لا تشكل الرئاسة الأمريكية سوى واحدة منها. علاوة على هذه الحيثية النظامية التي تعمل كمحدد صارم لقرارات الرئيس الأمريكي نفسه, فان إحالة العدوان ضد العراق أو وصله مباشرة بارادة كلينتون في لحظة ضعف أمام شهوة السلطة, هذه الإحالة لا تجيبنا عن أسئلة لابد أن تعتمل في ذهن المراقب, منها مثلاً: السبب في المشاركة البريطانية لارادة كلينتون واستثارة العرب برمتهم, وهل تعزى هذه المشاركة لمحض مجاملة رئيس أمريكي متهم في ذمته الأخلاقية وعرضة للإزاحة في بلاده؟ ومنها, ان مونيكا جيت قضية مؤقتة مهما طال بها المقام, فهل يعني ذلك تغير السياسة الأمريكية العراقية بعد زوال هذه القضية؟ ثم انه كان من المفهوم تماما ان العدوان الأمريكي مؤجل منذ فبراير الماضي, ولو ان (مونيكا جيت) لم تتمكن من رقبة كلينتون على النحو المعلوم الآن, هل كانت معالجة كلينتون ستختلف بالنسبة للقضية العراقية, أم ان هناك سياسة ممتدة معينة هي التي تحرك السلوك الأمريكي العراقي؟ على كل حال, يعد التزامن بين مسار مونيكا جيت والعدوان الثنائي الأخير, عذرا مقبولا لأولئك الذين ربطوا خطيا بين المسألتين, لكن هذا العذر لا يقول الكلمة الأخيرة في تفسير كوامن السياسة الأمريكية ودوافعها الحقيقية من العدوان. ولهذا بالذات يتعين تحري هذه الدوافع بما يقدم تراكما معرفيا أكثر جذرية وتفهما أكثر عمقاً واستمرارا .. ونحسب ان المنهجية الصالحة لعملية مهمة كهذه, تتأسس على متابعة الرؤية الأمريكية للعلاقات الدولية بعد أفول القطبية الثنائية, ورؤية واشنطن لدورها في منطقة (الشرق الأوسط) وعلاقة واشنطن باسرائيل, ورغبة واشنطن في ملاحقة مواطن الخطر على كل من دورها ودور شريكها الاسرائيلي في النظام الذي تجري إعادة تصفيفه في (الشرق الأوسط) . فمن ناحية, تود الولايات المتحدة بضربها العراق بقسوة, أن تحيط الجميع علما عن مساحة الحركة المسموح لها فيها بممارسة دبلوماسية القوة, وهذا ما فهمته دول كروسيا والصين وهو ما أثار سخطهما وتحسبهما في حقيقة الأمر. تريد واشنطن بعبارة أخرى التعبير بصراحة عن حال النظام الدولي الجديد لاسيما بالنسبة للذين ما زالوا يتعلقون بأمل زوال الانفراد الأمريكي بقمة هذا النظام سريعا. إن لسان حال واشنطن يقول عبر الرسائل الصاروخية على بغداد, بأنه لا معنى لانتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة, إن لم يترجم هذا الانتصار الى نفوذ امريكي وهيمنة لاراد لهما, بدون هذا التفسير يصعب علينا فهم الإهمال الأمريكي لدور مجلس الأمن في القضية العراقية ودور الأمم المتحدة عموما في القضية الفلسطينية وعملية التسوية العربية الاسرائيلية فما الذي كسبته واشنطن فعليا من حسمها للحرب الباردة, إن ظلت مجرد عضو من خمسة أعضاء متساوين في مجلس الأمن؟ ومؤدى ذلك ان واشنطن لن تسلم بسهولة أمام محاولة تطويع سلوكها الدولي لمعايير مرحلة القطبية الثنائية, وهذا التمرد يتوقف نجاحا أو إخفاقا على مسار مواقف القوى الدولية الغيورة على مكانتها وهيبتها ومصالحها التي ضمنها لها موقعها في الأمم المتحدة, ولعل روسيا والصين ــ والهند التي تسعى لمقعد دائم في مجلس الأمن ــ من أوائل المعنيين بهذا الأمر. ومن ناحية ثانية, لا يمكن تجاهل تأثير العصا الأمريكية الغليظة ضد العراق على المشروع الأمريكي الشرق أوسطي, إن واشنطن لا ترى مكانا للنظم والقوى الاقليمية العربية التي تناهض عملية إعادة بناء النظام الاقليمي في هذه المنطقة, هناك قوى مستبعدة من هذه العملية, كالعراق وإيران وليبيا, وبضرب العراق, توجه الولايات المتحدة رسالة الى بقية المستبعدين بأنها لن تصبر عليهم أكثر من ذلك, هي .. بصيغة أخرى أضحت تستعجل التغيير الداخلي بين يدي هؤلاء, ولعل هذه الملاحظة بلغت بالفعل أصحاب الشأن (فايران مستنفرة, وليبيا أعلنت خشيتها من تحرك أمريكي عسكري ضدها بذريعة تطورات قضية لوكيربي). التقدير هنا بناء على هاتين الناحيتين, الدولية والاقليمية في تفسير الهياج العسكري الأمريكي ضد العراق, ان الولايات المتحدة ستمضي قدما في إزاحة الأمم المتحدة عن مسار القضايا التي تخص المصالح الأمريكية, وأنها سوف تتعجل هدف تصفيف الوضع الاقليمي بما يضمن استقرار مكانة اسرائيل في (الشرق الأوسط) وان السلوك الأمريكي سوف يجنح الى الشراسة بالقدر الذي يسمح لواشنطن أو تتصور انه يسمح لها, بتحقيق هذا الهدف, قبل أن تستفيق القوى الدولية الأخرى من مشاكلها على نحو يمكنها من إعاقة هذا السلوك. ويبدو ان واشنطن تفترض ان لديها فترة زمنية سوف تنقضي, قبل أن تتمكن القوى المنافسة جدلا كروسيا والصين, من بلورة رؤية مضادة للاستفراد الأمريكي بالنظام الدولي, وهو افتراض صحيح الى حد بعيد, يدرك كنهه الذين يعرفون حجم القيود التي تحيط بالسياسة الخارجية لهذه القوى, وتشكل هذه القناعة حافزا واضحا للاستشراس الأمريكي المتوقع. في هذا الإطار, قد يجدر بالقوى العربية الراغبة حقا في الحفاظ على حد من الارادة الذاتية التحرك على صعيدين: الأول, وضع تصور عربي لحدود الدور الأمريكي في إعادة تكوين النظام الاقليمي العربي, بما يجرح التصور الأمريكي الاسرائيلي المضاد, الثاني التحرك دوليا بما يساعد المنافسين المرشحين للاستفراد الأمريكي بقمة النظام الدولي, والاعتبار هنا ان العرب بلا استثناء مستفيدون حقيقيون, حاضرا ومستقبلا من وضع حد سريع ما أمكن لحالة الاستفراد هذه. كاتب وباحث فلسطيني - القاهرة