ونحن نستعرض التحديات الأمنية المقبلة على منطقة الخليج.. لا مناص من استعراض جذورها لاستكناه آفاقها ... ولابد لنا في هذا السياق من التوقف عند عنصرين أساسيين يحددان أمن المنطقة خلال السنة المقبلة, او ما يليها من السنين.. وأقصد الملف العراقي والملف الايراني على وجه الخصوص. بداية لا جدال في أن السياسة الخارجية من الأهمية بمكان, وانها مترابطة الحلقات وان ضعف احدى هذه الحلقات يؤثر عليها بصورة عامة, وعلينا ان نحاول بكل ما نستطيع من جهد ان تكون لدينا سياسة خارجية واحدة, وسياسة قائمة على أسس مدروسة تراعي مصالحنا وتخدم قضايانا وتتجاوب مع ثوابتنا القومية, ولا يعني ذلك التطابق التام فبالاضافة الى ان ذلك غير ممكن فهو غير مطلوب, اذ ان في تعدد وجهات النظر والاجتهادات ما يغني تجربتنا, ان المطلوب ان نتفق على الخطوط العريضة التي تحقق سياسة خارجية واحدة من مجمل القضايا. ان تحقيق الامن في الخليج العربي مرتبط ارتباطا عضويا بالامن القومي العربي ويخطئ من يظن ان حالة الضياع العربية المعاشة لا تترك تأثيرها المباشر علينا باعتبارنا جزءا من هذه الامة, واننا في الخليج العربي اول الكاسين من عودة التضامن العربي, ولذلك فان واجبنا ان نسعى وبكل الوسائل لعودة هذا التضامن الذي سيحقق عودة الروح الى العمل العربي المشترك وباعتبار ان الشيخ زايد رئيس الامارات العربية المتحدة سيتولى رئاسة المجلس الاعلى الان وبما عرف عنه من ايمان بهذا التضامن, ومن شجاعته في الطرح فاننا نعول عليه في ذلك. وأرى ان علاقاتنا مع اليمن يجب النظر اليها بالكثير من الخصوصية باعتبارها تمثل خصر الجزيرة والبعد البشري والحضاري للخليج العربي. لكن تبقى اعقد الامور التي تواجهنا في الخليج هي مشكلة التعامل مع ازمة العراق, ويجب ان نعترف انها تمثل اشكالية, اذ اننا جميعا نعاني اشد المعاناة من قسوة تأثير الحصار على الشعب العراقي, فهو شعب شقيق تربطنا به كل الروابط الدينية والقومية, ولا اعتقد ان هناك مواطنا حاكما كان او محكوما الا ويتطلع الى زوال هذه المحنة التي تتعاظم قسوتها يوما بعد يوم ومن ناحية أخرى, فنحن امام نظام ديكتاتوري مستمر في غيه, وسلوكه, واثبت تاريخه صعوبة الثقة فيه فعلينا ان نشحذ تفكيرنا للخروج من هذا المأزق, ولا نبقى عرضة للأزمات المتتالية التي تضعنا في حالة استنفار مع ما يعنيه ذلك من استنزاف لامكانياتنا المادية والمعنوية والنفسية. واعتقد ان علينا كعرب بصورة عامة وكخليجيين بصورة خاصة ان نسعى وبكل الوسائل والطرق لتجنب هذه المواجهة وإقناع الاطراف المعنية بالتخلي عن التصعيد والتوصل الى حل دبلوماسي للازمة, يضمن تنفيذ قرارات مجلس الامن, ويجنب العراق والمنطقة عواقب المواجهة العسكرية. ونحن في الخليج العربي يجب ان نكون اكثر الناس حرصا على تجنب هذه المواجهة لا من اجل العراق وشعب العراق فقط رغم اهمية ذلك, ولكن ايضا من اجل استقرار المنطقة وامنها ووقف الاستنزاف المادي والمعنوي لامكانياتها والحد من التواجد الاجنبي على اراضيها والتدخل في شؤونها والتفرغ لمعالجة قضاياها القومية المصيرية. ويجب ان نتوقف كثيرا عند زيارة بريماكوف رئيس الوزراء الروسي الاخيرة للهند حيث اقترح قيام (مثلث استراتيجي) من روسيا والصين والهند ويعني ذلك محاولة من جانب روسيا لكسر (الاحادية) الامريكية التي يخضع القرار فيها للعوامل الشخصية ولجماعات المصالح في امريكا وبالذات الصهيونية. اننا كعرب مطالبون بان نعي هذه الافرازات التي ولدها العدوان الامريكي (البريطاني) الاخير, وان نستقي الدروس والعبر من هذه الازمة وان نبادر بجدية الى العمل لعودة التضامن العربي من حيث ان حاضرنا ومستقبلنا واحد. واننا في الخليج العربي بالذات مطالبون اكثر من غيرنا ان نستوعب الدروس وان نخرج من الدائرة المغلقة التي نجد انفسنا فيها دون حول او طول اننا يجب ان نبادر للخروج من هذه الدائرة بالعمل الجاد من اجل عودة التضامن العربي وبطروحات موضوعية للخروج من الازمة التي ندفع ثمنها معاناة واستنزافا مستمرا لامكانياتنا. ان افرازات هذه الازمة اوجد نورا في اخر النفق المظلم الذي نجد انفسنا فيه فهل نحن سائرون في الطريق الصحيح تجاه هذا النور حتى نتمكن في النهاية من الخروج من النفق؟ ومن الحلقات التي يجب ان ننتبه لها ونعطيها حقها من الاهتمام علاقاتنا مع دول الجوار, اذ لابد ان نتوصل الى استراتيجية واضحة المعالم للتعامل معها وعلى الاخص ايران وهذا يفترض ازالة ما يعترض العلاقات الطبيعية معها من عقبات وبالذات تسوية قضية جزر الامارات العربية المتحدة بكل الوسائل السلمية المتاحة بما في ذلك اللجوء الى التحكيم او القضاء الدولي. وعلينا ان ندرك ان مخلفات الماضي البعيد والقريب زرعت الكثير من الشكوك التي تحتاج الى جهد مشترك لازالتها, ليس فقط من خلال لغة خطاب سياسية مناسبة. ولكن ايضا من خلال ممارسات تنسجم وهذه اللغة, ونذكر من مخلفات الماضي طموحات الشاه قبل الثورة الذي كان يعتبر نفسه شرطي المنطقة والحامي لمصالح الغرب واسرائيل, كما انه احتل جزر الامارات العربية ولم يخف قط طموحاته التوسعية. وطالما نحن في مجال المصارحة والحديث بصوت عال مع جيران مسلمين راغبين كل الرغبة في تخطي العقبات وازالة العراقيل التي تواجه العلاقات المطلوبة فاننا لا نستطيع ان نتجاهل القلق والرعب المترتب على ما يتوفر لدى ايران من آلية حربية متطورة مصحوبة بخبرة قتالية نادرة. ونحن نفهم ان ايران قوة اقليمية كبرى ولديها مصالحها القومية, ومن حقها ان توفر لنفسها اساليب الدفاع عن هذه المصالح, كما اننا نطمح ان نشعر ويشعر المسلمون في كل مكان ان هذه الآلية هي مصدر شعور بالامان والاستقرار, ووسيلة للدفاع عن مصالح المسلمين وقضاياهم, ولكن ما اقدمت عليه ايران مؤخرا من تسمية بوارج حربية باسماء جزر الامارات العربية المحتلة, لا يخدم هذا التوجه فايران تسمي هذه الجزر (الجزر المتنازع عليها) ومادامت (متنازعا عليها) فمعنى ذلك ان السيادة لم يحسم امرها, فلذلك لم تكن تسمية قطع حربية باسمها امرا موفقا. في وقت سادت فيهم لغة متبادلة من التفاهم, نطمح ان تتحول هذه اللغة الى آليات وتصورات تحقق نوعية العلاقات التي تسعى اليها. ان ذلك الحضور المكثف والعالي المستوى من قبل دول الخليج العربية في قمة طهران الاسلامية قد كشف عن مجموعة من الدلالات التي نرجو ان تكون واضحة لجيراننا الكرام في ايران, من هذه الدلائل مدى صدق الرغبة لدينا في تخطي الصعوبات التي تواجه العلاقات, وفي خلق الاجواء المناسبة في اشادة علاقات استراتيجية, ادراكا منا لاهمية هذه العلاقات لمصالح الامن والاستقرار في المنطقة وفي العالم اجمع, واهميتها في تحقيق المصالح المشتركة في عالم اليوم الذي يفرض على الجيران ان يتعاونوا وان يسعوا لوضع الصيغ المناسبة لتحقيق هذه المصالح, خاصة اذا كان يربط بينهم التراث المشترك والمصير بالاضافة الى الجوار. وعودة على بدء فان سياسة خارجية خليجية واحدة قائمة على السعي لعودة التضامن العربي, وعلاقات استراتيجية مع دول الجوار, تجعلنا في موقف قوي في تعاملنا مع الدول الكبرى وبالذات الولايات المتحدة التي من الطبيعي ان نحرص على علاقات مميزة معها لتشابك العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية, وان حريتنا في التحرك وفي استقلالية قرارنا مع الولايات المتحدة يضيق ويتسع حسب ترابط العلاقات المشار اليها او ضعفها. هكذا يتراءى لي المشهد الأمني, ليس للسنة الجديدة, وحدها.. بل لمستقبل السنوات التي تليها.. وهي سنوات مليئة بالتحدي الذي يجب ان يقابل باللغة والعمل الملائمين له. عضو الهيئة الاستشارية الخليجية ووزير اعلام قطري سابق*