أراد صدام حسين بمنع هبوط طائرات الامم المتحدة على الاراضي العراقية, وعدم احترام المناطق المحظور الطيران فيها بعد الآن, تأكيد رسالة للشعب العراقي فحواها انه لم يهزم بعد, وان عملية (ثعلب الصحراء) لم تجبره لأن يخفض رأسه ويستسلم للطلبات الامريكية وفي نفس الوقت محاولة منه لدعم رصيده المهتز لدى الشعب, تلاشيا لحدوث انتفاضة شعبية من الممكن ان تحول الغضب الجماهيري على امريكا لثورة ضد حكومته, قد تؤدي للاطاحة بنظامه. ودعما لذلك جاء الاعلان الرسمي العراقي عن اسقاط القوات العراقية لطائرة غربية بالمدفعية, وهو ما نفته امريكا وبريطانيا في آن واحد. وربما تتحقق اهداف صدام حسين على المدى القصير فقط, لكن سرعان ما ستتحطم خطته على صخرة اليأس الشعبي العراقي الذي لم يعد يحتمل الهوان اكثر من ذلك, فقد يفقد صبره على الحصار الذي استمر ثمانية اعوام كان هو الخاسر الاكبر بل الوحيد فيه, اضافة لأن مبادرة صدام حسين يستغلها الغرب الاوروبي الآن لاجهاض التعاطف النسبي الذي حدث بفعل الضربات الجوية الامريكية البريطانية من بعض الحكومات والشعوب الاوروبية. فمنذ الاعلانات الاخيرة حول الطيران ومناطقه, وساسة الغرب الاوروبي يطلقون تصريحات ترمي باللوم على الشعب العراقي الذي لم يثر حتى الآن للاطاحة بنظام تسبب في قتل الملايين منه, وهكذا بدأت الادانة الغربية تقترب ايضا من الشعب العراقي, وهي سابقة لم تكن موجودة من قبل, كما ان ردود الفعل العربية الرسمية منذ عملية ثعلب الصحراء ليست في صالح صدام حسين وحكومته, فبعدما كان الامل لعقد قمة عربية طارئة لبحث الموقف يبشر بتحرك عربي من الممكن ان ينقذ الشعب العراقي, تبدد هذا الأمل حيث تأجل عقد القمة العربية بسبب رفض بعض حكومات عربية لم يعلن عنها حتى الآن حضور تمثيل عراقي على مستوى عال لأعمال القمة! وتحول الموقف الاوروبي الآن من التعاطف للادانة التي تستند على أمرين: التأكيد على ان صدام حسين يتحدى قرارات الامم المتحدة ووضعه في صورة اسوأ مما كان عليها قبل الضربات الجوية. كان عدد لا بأس به من الدول الاوروبية قد بدأت تعلن ادانتها للضربة العسكرية لأنها لم تنفذ بقرار من مجلس الأمن الدولي. التوجه العربي الرسمي والاختلافات العربية التي افرزت ردود فعل باردة تم تفسيرها بقبول التصرفات الامريكية البريطانية لتأديب الحكومة العراقية. كما أن صدام حسين باعلانه مبادرة التحدي اعاد للاذهان من جديد في الرأي العام الاوروبي الخطأ الأكبر الذي ارتكبه حينما اقتحم حرمة اراضي جارته الكويت, واعطى الفرصة للدول التي شاركت من قبل في قوات التحالف لأن تعلن مرة اخرى من جديد طلباتها لتنفيذ العراق للشروط التي فرضت عليه عام 1991 وتتمثل في: استمرار فرض العقوبات الاقتصادية, والسماح للجان الدولية بالتفتيش على الاسلحة والتسلح, وتحديد مناطق بعينها محرمة للطيران. والسؤال الآن هو: هل سيخرج صدام حسين (شخصيا) من هذه الجولة منتصرا, وهل سيستطيع الاحتفاظ بصورة الزعيم المتماسك المتحدي للارادة الغربية الامريكية امام شعبه مرة اخرى, ستكشف الاسابيع المقبلة ما اذا كان صدام سيضطر للخضوع مرة اخرى ام لا, لكن التساؤل الأهم هو هل ستستمر المساندة التي كان يحظى بها منذ الصيف الماضي وحتى الآن خاصة من ثلاث دول كبرى (روسيا الصين فرنسا) الاعضاء في مجلس الامن, والتي تأكد دعمها له بادانة عملية ثعلب الصحراء. تشير المؤشرات الى ان هذه المساندة بدأت تتراجع بهدوء وتبرد حرارة الدعم فروسيا اعادت سفراءها الى لندن وواشنطن, ورغم نشرها لصواريخها النووية واعلانها استمرار التسلح النووي, فان هذا لايعني بالضرورة انها ستدخل المواجهة مع امريكا من اجل العراق, فروسيا تربطها بأمريكا مصالح اهم واكبر من قدرتها على دخول المواجهة, ما تفعله روسيا فقط الآن هو محاولة لاستعادة هيبتها وكرامتها المكسورة عالميا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي, وتجد في مسألة العراق وتجاوز امريكا لارادتها داخل مجلس الامن ذريعة لاستعادة قوتها التسليحية, اما فرنسا, فلا تستطيع ان تشد كثيرا على التوجه العام داخل مجموعة الاتحاد الاوروبي, لذلك فقد اقتصرت ردود فعلها على الرفض والادانة لكن لم يكن هناك اي اجراء عملي ضد امريكا او بريطانيا, اما الصين, فمن المستبعد ايضا ان تتخذ أي خطوة لدخول مواجهة مع امريكا, فهناك المصالح المشتركة وهناك الضغوط الامريكية على الصين التي تمارسها منذ اعوام دخولا من نافذة اهدار الصين لحقوق الانسان, وهكذا نجد ان هذه القوى الدولية الثلاثية, بدأت تخفف من لهجتها وحدة انتقادها لامريكا خاصة مع التصرفات الصدامية الاخيرة حول الطيران. لذلك فانه من المتوقع ان يقبل صدام حسين اعادة لجان التفتيش لبلاده, حينما يقرر مجلس الامن اعادة تشكيل فريق جديد من الاونسكوم, ولا يهم الامريكيين في هذه الحالة ان تكون هذه اللجان برئاسة (باتلر) الذي ترفضه الحكومة العراقية ام غيره, وستقوم لجان التفتيش الجديدة بجولة جديدة لجمع معلومات لصالح واشنطن, تستخدمها القوات العسكرية في القيام بضربات اخرى للاطاحة بنظام صدام حسين, او امداد المعارضة العراقية في الخارج بمزيد من التفاصيل لخطة تعاون مع صفوف المعارضة الداخلية, حيث ان ثعلب الصحراء سوف لا يهدأ قبل الاطاحة بحكومة صدام حسين ومجيء حكومة عراقية جديدة تكون اكثر تعاونا في المستقبل. سعيد السبكي