منذ الغارات العسكرية الامريكية المتتالية على العراق في منتصف شهر ديسمبر الحالى تواجه السياسة الامريكية تجاه العراق انتقادات متتالية. وتبدو الادارة الامريكية عاجزة عن تقديم رد مقنع على معظم الانتقادات غير انه لا توجد أى موشرات على ان واشنطن تنوى تغيير سياستها الراهنة لاحتواء ما تصفه بالتهديدات القادمة من بغداد ولاجبار العراق على الانصياع لعمليات التفتيش الدولىة دون تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها منذ ثمانى سنوات. وفى مؤتمر صحفى اكد مستشار الامن القومى ساندي برجر موخرا أن السياسة الامريكية لاحتواء العراق تقوم على اربعة محاور هى (العقوبات الاقتصادية. واستمرار عمل فرق التفتيش الدولية (اونسكوم) لمراقبة تفكيك برامج العراق لتصنيع اسلحة الدمار الشامل. والعمل على الصعيد الدبلوماسى لتأمين الاجماع الدولى خلف هذه السياسات. والتهديد الجدى باستعمال القوة لضمان تنفيذ هذه السياسات) . ولكن المعلق الامريكى سيرج سكيميمان انتقد برجر قائلا ان الولايات المتحدة تحولت من التهديد باستعمال القوة الى استعمال القوة فعلا وبالتالى قضت على محورين مهمين هما عمليات تفتيش اونسكوم التى يرفض العراق عودتها والاجماع الدولى الذى فشلت الولايات المتحدة في تأمينه. الامر الذى كان واضحا في معارضة روسيا والصين وفرنسا بدرجات متفاوتة للضربات الاخيرة ضد العراق. وترى فيليس بينيس زميلة معهد الدراسات السياسية في واشنطن أن الضربات الاخيرة لم تترك قائما سوى العقوبات الاقتصادية التى تضر الشعب العراقى اكثر بكثير من النظام العراقى المستهدف من جانب الولايات المتحدة. وتعتقد فيليس ان الضربات فككت الاجماع الدولى الضعيف حول سياسة دولية تجاه العراق كما قضت ايضا على مستقبل اونسكوم. ويرى ريتشارد هاس رئيس برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكنجز في واشنطن (من تيار يمين الوسط الامريكى) ان استعمال القوة دون تحديد هدف واضح يجعل من المستحيل الادعاء ان الولايات المتحدة كسبت من المواجهة الاخيرة مع العراق. وتتفق بينيس (من تيار يسار الوسط الامريكى) مع (هاس) وهما ينتميان الى تيارين مختلفين تماما في معاهد الابحاث الامريكية المؤثرة على أن الادارة الامريكية لا تمتلك سياسة واضحة تجاه العراق وتقوم بعملها اعتباطا وفى اطار ردود الافعال وادارة الازمة. وقال هاس لقد اظهرنا اننا مستعدون لاستعمال القوة ولكن لم نظهر اننا قادرون على ادخال القوة في اطار استراتيجية عريضة للتعامل مع العراق. وحاول عدد من الخبراء والمحللين الامريكيين تقديم عدة توصيات للادارة الامريكية هذا الاسبوع من اجل نزع فتيل التوتر في العراق ورسم طريق واضحة من اجل الخروج من المأزق المستمر منذ نهاية حرب الخليج في عام 1991 بعد طرد القوات العراقية من الكويت. ويقول الادميرال المتقاعد يوجين كارول في ندوة انعقدت في واشنطن برعاية اللجنة الامريكية العربية لمكافحة التمييز انه يتعين على الولايات المتحدة ان تسعى الى العمل في اطار الامم المتحدة لبناء اجماع دولى ازاء أى سياسة لاحتواء العراق. وقال كارول وهو المدير المساعد لمركز معلومات الدفاع (من اهم المنظمات الاهلية الامريكية في مجال الامن) لا يمكن للولايات المتحدة ان تستمر في العمل بمثابة الشرطى الدولى والقوة العظمى الوحيدة في العالم وان تكون على اهبة الحذر في كل مكان 0 ولكن العمل مع الامم المتحدة يلقى معارضة شديدة من جانب الكونجرس الامريكى ذا الاغلبية الجمهورية الذى يرفض حتى الان دفع متأخرات للمنظمة الدولية تزيد عن مليار دولار. ودعت بينيس من ناحيتها الى العمل لاعلان منطقة الشرق الاوسط خالية من كل اسلحة الدمار الشامل بما يشمل الترسانة النووية الاسرائيلية والاسلحة الكيماوية التى تمتلكها دول في المنطقة. ودعت ايضا الى رفع كل العقوبات الاقتصادية واستمرار العقوبات العسكرية على العراق وخاصة فرض رقابة مشددة على موردى السلاح للمنطقة. غير ان هذا التحول امر شديد الصعوبة في ضوء أن 85 في المائة من الاسلحة المتدفقة على الشرق الاوسط تأتى من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن وفى مقدمتهم الولايات المتحدة وفقا لبيانات مركز معلومات الدفاع الموثوق منها. وفى الواقع لا توجد أى قوى مؤثرة (في الادارة أو الكونجرس الامريكى) مهتمة بالاستماع الى مثل هذه الاقتراحات الطموحة من بينيس وغيرها من المحللين السياسيين. ويقول كارول باسف (ليس مع الكونجرس الحالى) . وتقر يبينيس وهاليداى بهذا الامر حيث شددا على ان مصانع السلاح الامريكية والشركات الضخمة واللوبى الاسرائيلى القوى في واشنطن والكونجرس الجمهورى كلها تتبنى سياسات غاية في التشدد تعتمد على الضربات العسكرية تجاه العراق وينحصر الامل في محاولة فتح نافذة في اجهزة الاعلام الامريكية للحوار حول البدائل المقترحة للسياسة الامريكية تجاه العراق. وبدلا من اعادة تقييم الادارة الامريكية لسياستها بالكامل لا ترى مخرجا من مأزق العراق سوى عن طريق اختفاء صدام حسين. ولكن هذا الخيار ليس سهلا بدوره في ضوء ان الولايات المتحدة ليست مستعدة لتنفيذه بنفسها. وقالت بينيس ان الادارة الامريكية لا تريد التخلص من النظام العراقى (بل فقط من صدام حسين وبالتالى فهى لا تفضل ثورة شعبية أو تحولا ديمقراطيا بل تغيير شخص واحد وربما عن طريق الاغتيال ولكن هذه الخطط ستنهار كما فشلت جهود وكالة المخابرات المركزية الامريكية من قبل) في شمال العراق. وسخر كلوفيس مقصود المندوب السابق للجامعة العربية في واشنطن والامم المتحدة من المساعدات الامريكية للمعارضة العراقية قائلا (ان تخصيص 97 مليون دولار للاطاحة بالنظام العراقى مسألة تثير السخرية.. ربما يكون العرب متخلفين على صعيد التنمية الاقتصادية ولكنهم ليسوا متخلفين عقليا) .