رغم مرور ثلاث سنوات على توقيع اتفاقات دايتون لم تنجح الولايات المتحدة بعد في تحرير البوسنة من هيمنة القوميين بينما تنزلق اكثر فاكثر في حقل الغام كوسوفو وقد وسعت تدريجيا مهمة قواتها دون اي اشارة الى مدة تواجدها في المنطقة وتاريخ انسحابها منها ومن المتوقع ان يبقى حلف شمال الاطلسي على قوة سفور (قوة حفظ الاستقرار) في البوسنة بقوامها الحالي -- 30 الف رجل من بينهم 6900 امريكي - - لمدة ستة اشهر جديدة في الوقت الذي لا تبدو فيه البلاد قريبة من التحرر من الوصاية الدولية. وذكر غاري ديمبسي, الخبير في معهد كاتو غير الحكومي للتحاليل السياسية والاستراتيجية ومركزة واشنطن, بان بيل كلينتون اكد في نوفمبر 1995 ان الوجود العسكري الامريكي سيستمر عاما تقريبا مضيفا ان واشنطن تبدو الان موجودة في البوسنة الى اللانهاية. ورغم نفي الحكومة الامريكية اي تجاوز للمهمة التي حددتها فان انزلاقها في هذه المعمعة اصبح واضحا. فقد تحولت زيارة وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت الى البوسنة في سبتمبر الماضي الى جولة انتخابية لصالح المرشحين المعتدلين في نظر واشنطن والذين ليسوا في الواقع سوى قوميين متشددين تحولوا الى الاعتدال مؤخرا وقد رفعت شعارا يقول ان من يدعم دايتون سيحظى بالمساعدات المالية الدولية ومع نهاية عام 1998 ستكون الولايات المتحدة قد انفقت مائة مليون دولار على اعادة بناء الجمهورية الصربية (الكيان الصربي في البوسنة) اي ما يوازي ثلث مساعدتها الاجمالية للبوسنة. الا ان ذلك لم يحل دون هزيمة مرشحيها في الانتخابات التي جرت في 12 و13 سبتمبر الماضي كالرئيسة السابقة للجمهورية الصربية بيليانا بلافسيتش والتي حل محلها القومي المتشدد نيكولا بوبلازين. ويحاول الامريكيون الان اقناع انفسهم بان بوبلازين سيحترم القواعد التي حددتها دايتون وان بوسعهم العمل معه. الا ان فشل الامريكيين في ايجاد بديل للزعامات القومية لا يبشر بقيام بوسنة متحدة ومتعددة العرقيات كما ينشدون. وقد وصف بولازين دايتون يوما بانها استراحة بين حربين وكلف الرئيس القومي المتشدد للحزب الديمقراطي الصربي دراغان كالينيتش بتشكيل حكومة الجمهورية الصربية بدلا من رئيس الوزراء السابق ميلورا دوديك المدعوم من قبل الغربيين. من جهة اخرى لم يسع الولايات المتحدة غض النظر على القمع الذي يمارسه في كوسوفو الرئيس اليوغوسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش الذي اصبح عدوها اللدود. وقد صرحت اولبرايت في مارس الماضي مع بداية الازمة لن ندع السلطات الصربية تفعل في كوسوفو ما لم تعد تستطيع فعله بلا عقاب في البوسنة. الا ان كوسوفو اقليم صربي حتى وان كان معظم سكانه البان الاصل. ويري غاري ديمبسي ان الصرب يعتبرون كوسوفو مهد ثقافتهم ومهد الديانة الارثوذكسية ولن يقبلوا ابدا التخلي عنها للالبان مثلما يرفض الاسرائيليون التخلي عن القدس للفلسطينيين. لذلك لم يعد ممكنا للولايات المتحدة تفادي ازمات متتالية مع نظام سلوبودان ميلوسيفيتش. ولا بد ايضا ان يفسر ابناء كوسوفو التهديدات الامريكية باستخدام القوة ضد بلجراد على انها دعم للاستقلال الذي يطالبون به وجيش تحرير كوسوفو الذي اضفى الامريكيون عليه صفة الشرعية باستقبال قادته, على انها تشجيع على تكثيف عملياته العسكرية. وللخروج من هذه الدوامة تراهن واشنطن على الاتفاق الذي وقعته في 13 أكتوبر مع ميلوسيفيتش بواسطة مهندس دايتون, ريتشارد هولبروك, والذي ينص على منح الاقليم حكما ذاتيا واسعا. الا ان الجانبين يرفضان حاليا الحوار. أ ف ب