تقارير البيان: الوحدة بين موسكو ومينسك ليست ردا على ثعلب الصحراء

توقيت اتفاق (روسيا - بيلاروسيا) على الاتحاد بينهما سياسيا واقتصاديا وامنيا, والتمهيد لاطلاق عملة نقدية موحدة لم يأت مصادفة او وليد اللحظة حيث تحاول روسيا مواجهة القطب الامريكي الواحد والتمسك ببقايا قواها القديمة الموروثة من الاتحاد السوفييتي, بل هذا التوقيت سبقته محاولات وارهاصات وضغوط واجهتها روسيا من امريكا تارة كدولة اصبحت هي القطب الواحد في العالم, ومرات اخرى من حلف شمال الأطلسي ودول اوروبا الغربية تارة اخرى, ولكن افرازاتها جاءت ملائمة تماما في التوقيت الذي نفذت فيه امريكا ضربتها للعراق والتي عرفت بعملية (ثعلب الصحراء) وكأن روسيا تلوح لامريكا بايقاظ تلك الوحدة السوفييتية المنحلة, لتعيد الى العالم ثنائية القطبين, الذي يخلق نوعا من التوازن في القوى العالمية, وقد مهدت روسيا الطريق امام ظهور تلك القوى الجديدة بالموقف الاخير ضد امريكا, عندما سحبت سفيريها من واشنطن ولندن, وقررت رفع العقوبات عن العراق من طرف واحد, واعلنت معارضتها للضربة الامريكية, مؤكدة مخالفة ذلك للشرعية الدولية وخروجها عن مواثيق الامم المتحدة ومجلس الامن , بينما جاءت تصريحات الساسة في روسيا لتؤكد ان هذه الوحدة بين روسيا وروسيا البيضاء انما لمواجهة انجراف دول الاتحاد السوفييتي السابق واعضاء حلف وارسو المنحل الى حلف شمال الأطلسي, ومما لاشك فيه انه منذ تفكك الاتحاد السوفييتي السابق وروسيا تتلقى الصفعات السياسية واحدة تلو الاخرى من امريكا, والغرب بصفة عامة. ففي منتصف مايو 97 اضطر المفاوض الروسي الى تقديم تنازلات لحلف شمال الأطلسي لانه كان الطرف الاضعف, حينما اجتمع الامين العالم للحلف (خافيير سولانا) و (بربماكوف) الذي كان وزيرا لخارجية روسيا في حينه, ذلك الاجتماع الذي اسفر عن توقيع (اتفاقية تعاون امني) بين الجانبين, وكان الاسباني (سولانا) يمثل اعضاء الناتو وهم 16 دولة قوية, أما الروسي (بريماكوف) فكان يمثل دولة واحدة, وفي بروكسل وقف المستشار الالماني السابق (هيلموت كول) مهندس نصوص الاتفاقية بجانب (سولانا) ممسكا بيده التي رفعها مؤكدا علامة النصر على الدب الروسي, بينما واجه (بريماكوف) ورئيسه (يلتسين) اعتراضات عارمة من داخل مجلس الدوما, واتهم يلتسين بانه اعطى لسولانا كل شيء لتوسيع الحلف شرقا, ولم يأخذ الا ضمانات مكتوبة على ورق ووعودا احاطتها الشكوك منذ البداية, بعدم وضع اسلحة على اراضي الاعضاء الجدد للناتو والمجاورين لروسيا, تلك الوعود التي لعقها سولانا في اول اجتماع له مع زعماء الحلف عقب اتفاقه مع روسيا بقوله: ( بانه لايوجد شيىء يمنع الحلف من وضع اسلحة على اراضي الاعضاء الجدد للحلف) وكان هذا التصريح بمثابة صفعة على وجه روسيا, كما اعقب ذلك ايضا تصريحات من (وليام كوهين) وزير الدفاع الامريكي , حذر فيها من احتمالات نشر اسلحة نووية روسية في الجمهوريات السوفييتية السابقة. وطالب الحلف باعادة النظر في منع نشر الاسلحة النووية بالدول المنضمة للحلف في حالة قيام روسيا بنشر اسلحتها. وعلى الرغم ان روسيا قد اعلنت ان اتجاهها لجمع صف دول الاتحاد السوفييتي السابق في اتحاد جديد يختلف عن الاتحاد السوفييتي السابق, حيث ستحتفظ كل دولة بكيانها السياسي ورئيسها بينما ستوحد السياسة الخارجية في اتجاه واحد, وتتداخل المصالح الاقتصادية في كيان مترابط , وان هذا الاتجاه للوحدة انما لمكافحة انضمام دول الاتحاد السوفييتي السابق بل ودول اوروبا الشرقية كلها الى حلف الناتو, غير ان روسيا نفسها تعلم ان توسع الحلف شرقا لايزال توجهه الحقيقية غير واضح المعالم, فموافقة روسيا على توسع الحلف شرقا لم تكن آخر المصاعب امام الناتو للتوسع, بل هناك العديد من المعوقات الاخرى والاكثر اهمية, وهذا ماعبرت عنه واشنطن بقولها (ان ملف توسيع حلف شمال الأطلسي عملية عسيرة وشائكة, وهذا ما عبرت عنه واشنطن بقولها: (ان ملف توسيع حلف شمال الأطلسي عملية عسيرة وشائكة, وان الدول الاوروبية تتعامل مع هذا الملف وفقا لمصالحها) , فوراء الستار في مقر حلف شمال الأطلسي تتصارع خلافات دائمة بين كتلتين حول القرارات المصيرية, الاولى تمثلها الادارة السياسية التي تفضل المساعي الدبلوماسية والثانية التي تمثل البعثات العسكرية للدول الاعضاء الستة عشر, ولكل منهما رأى في الدول التي سيتم ضمها قبل الاخرى, وفقا لمصلحته السياسية والامنية, الجانب الاول يرى ان بلغاريا وتشيكيا غير صالحتين في الوقت الحالي للانضمام للحلف وعليه تكون الافضلية لدول اخرى, اذ تواجه بلغاريا حاليا مشاكل اقتصادية كبيرة وسبق ان رفضت دول اوروبا تقديم المساعدات المالية لرئيسها (بيتار ستوجاشنوف) لسداد ديونه وانقاذ شعبه من الجوع والفقر, والجانب الثاني يرى ان بولندا والمجر وتشيكيا تحسنت احوالهم الاقتصادية من خلال مئات المشاريع الاستثمارية التي زرعتها اوروبا بسرعة على اراضي هذه الدول مما جعلهم يخرجون من عنق الزجاجة الاقتصادية, في حين ان بقية دول الكتلة الشرقية السابقة لم يكن امامها الا الاعتماد على نفسها او على بعض المعونات الصغيرة التي جادت بها بعض الدول. وتفضل امريكا توسيع حلف شمال الأطلسي مرحليا تلاشيا لحدوث مفاجآت من الكتلة الشرقية السابقة, ويؤكد هذا على وجود مخاوف امريكية من التوسع السريع للحلف وتوخي الحذر, وهذا ماعبر عنه خبير لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ الامريكي (جوزيف بدين) بتحذيره من توسيع الناتو ووصفه بانه مغامرة لاتخلو من المخاطرة, وترى الادارة الامريكية ان عملية توسيع الحلف ضرورية من الناحية الاستراتيجية, ودمج المصالح الاقتصادية بين اوروبا والكتلة الشرقية السابقة سيؤدي الى عمل توازن كبير في المنطقة, وقد يساعد على انهاء الصراعات والتوترات في بعض المناطق مثل بلجراد وصوفيا وتيرانا المهددة بمزيد من الانفجار, كما ستساعد الى حد كبير على خفض صوت القوميات والعرقيات التي تعلو من حين لآخر والتي تؤدي الى تفجير الخلافات التي تخشاها امريكا والغرب, اذ بعد مرور اكثر من سبع سنوات على انتهاء الحرب الباردة اتضح ان وسط وشرق أوروبا قد عادا إلى ما كانا عليه حتى عام 1945م تقسمهما الخلافات العرقية والدينية والثقافية وخطوط الفواصل الاقتصادية. ووضع بلغاريا الحالي يجعل أوروبا تتردد أكثر من مرة قبل دخولها كعضو في الحلف وبالتالي في الاتحاد الأوروبي, فأوروبا ليست من الغباء لكي تلقي بأموالها في بحر دون ان تستفيد من صيده, وهذا ما تعرفه دول الكتلة الشرقية السابقة عن سياسة أوروبا الغربية, كما يدفعها فقدان الأمن أحيانا إلى التلويح بين حين وآخر باللجوء إلى قوى أخرى غير أوروبا لمساندتها مثل تركيا أو روسيا, ويبدو ان روسيا لن تضيع هذه الفرصة وذلك بتلوحيها بامكانية خلق اتحاد روسي شرقي جديد قد يفوق في قوته الاتحاد الغرب أوروبي. ويضاف إلى ما سبق ان الخلافات بين أعضاء الناتو تمتد إلى مسألة أسبقية الدول الجديدة التي ستدخل الحلف , إذ تضغط كل دولة لادخال من تربطه بها مصالح أو له فيها مصالح مستقبلية, ففرنسا تمارس ضغوطها لضم رومانيا, بينما تضغط ايطاليا لضم سلوفانيا, والأمريكان يريدون ضم دول البلطيق الثلاث كخطة مبدئية لاعداد هذه الدول وتأهيلها ليقبلها الاتحاد الأوروبي في عضويته لما لها من مصالح عسكرية وسياسية بدول البلطيق, وفي كل هذا فإن هذه الدول الصغيرة عليها التعامل مع معطيات الواقع وانتظار أوامر القبول أو الرفض, أو اللجوء إلى حل بديل على غرار ما تطرحه روسيا. وتحرك روسيا إلى الوحدة مع شركائها القدامى دوافع الرغبة في مواجهة أمريكا, والرغبة الحقيقية في تأمين نفسها من زحف أمريكا عبر الناتو حتى جيرانها وحدودها الشرقية, خاصة وقد ادركت روسيا ان اتفاقية التعاون الاستراتيجي مع حلف الناتو تم توقيعها منتصف عام 97, ليست في الواقع ــ معاهدة دولية ـ بل هي فقط اعترافا من طرفي الاتفاق بنوايا ووعود, لكنها لا تلزم حلف شمال الأطلسي أمام روسيا الزاما حقيقيا بعدم زيادة القوة العسكرية على حدودها وداخل الدول الجديدة في الحلف رغم محاولة يلتسين تحقيق ذلك, فلا توجد ضمانات حقيقية لوعود الحلف بعدم وضع الأعضاء الجدد أسلحة نووية على أراضيها. كما لايزال الخلاف قائما حول زيادة القوى العسكرية للحلف على الحدود الروسية, كما ان الحلف فقد مصداقيته داخل روسيا, فاعداد الحلف لاستراتيجية تسلح جديدة تبدأ مع العام المقبل تجدد المخاوف الروسية, وقد سبق ان حصلت روسيا على وعد من الحلف في عهد (جورباتشوف) عام 91, و(بوريس يلتسين) عام 94 بعدم وجود طموح عسكري لحلف الأطلسي يهدد روسيا, إلا ان الخبراء العسكريين في موسكو لديهم شكوك حول جدية هذه الوعود, لأن الضمانات التي يقدمها الحلف في هذا المجال غير كافية, وسبق ان رفض حلف الناتو تقديم وعود بعدم اقامة مطارات عسكرية على أراضي الأعضاء الجدد أو اقامة أجهزة دفاع جوي, ووافق في المقابل على وجود سفير روسي على رأس بعثة دبلوماسية داخل الحلف, غير ان روسيا لا تأمن جانب أمريكا المهيمنة على الحلف, ولا أيضا جانب دول أوروبا التابعة لأمريكا, كما ترغب وبصورة جادة في اعادة قوتها القديمة واعادة هيبتها لخلق نوع من التوازن في القوى العاملة العالمية, فيبدو ان ثعلب الصحراء أيقظ الدب الروسي من نومه, فهل يعود القطب الثاني من جديد. بروكسل ــ سعيد السبكي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات