صدر في لندن في التاسع من اكتوبر 1998 قرار محكمة التحكيم بشأن المرحلة الأولى من النزاع بين اريتريا واليمن حول جزر حنيش وجزر اخرى في البحر الاحمر وأمام الطرفين الآن فترة ستة أشهر لتقديم مذكراتهما بشأن المرحلة الثانية من التحكيم وهي مرحلة تحديد الحدود البحرية . ويلاحظ انه بالرغم من ان كلا من الطرفين قد حصل على بعض وليس كل ما كان يطالب به, الا ان اليمن كان أوفر حظا لأنه حصل على الجزر الكبيرة وهي جزر زقر وحنيش والزبير وجبل الطير. وأما اريتريا فقد حصلت على جزر محبكة وهيكوك والصخور الجنوبية الغربية وكلها جزر صغيرة. وقد وصفت المحكمة جزر محبكة بأنها لا تعدو ان تكون (مخاطر ملاحية) . وبما ان المادة 12/1 (ب) من مشارطة التحكيم قد نصت على ان تشمل أحكام المحكمة الفترة الزمنية اللازمة لتنفيذها, فقد وجهت المحكمة بأن ينفذ حكمها بشأن المرحلة الاولى خلال تسعين يوما من تاريخ صدوره, وسنحاول في هذا المقال تقديم عرض موجز ومبسط للأسس القانونية التي ارتكز عليها قرار المحكمة, وبالطبع سنتفادى ــ ما أمكن ــ ارهاق القارىء بالتفاصيل والقواعد الفنية الدقيقة التي وردت في الحكم والتي يزخر بها فرع القانون الدولي المتعلق بمنازعات السيادة الاقليمية. اتفاق المبادىء تفجر النزاع بين اريتريا واليمن حول السيادة على الجزر عندما احتلت اريتريا في ديسمبر 1995 جزيرة حنيش الكبرى, وتبع ذلك احتلال اليمن لجزيرة زقر. وقد كانت جزيرة حنيش الكبرى لبعض الوقت مسرحا لعمليات عسكرية بين الطرفين. وبايجار من الأمين العام للأمم المتحدة ساعدت فرنسا الطرفين على التوقيع في 21 مايو 1996 على اتفاق مبادىء عبر الطرفان في ديباجته عن رغبتهما في اعادة علاقاتهما السلمية بروح الصداقة المألوفة بين شعبيهما, وأكدا مسؤوليتهما ازاء المجتمع الدولي فيما يتعلق بحفظ السلام والأمن الدوليين والمحافظة على الملاحة في منطقة حساسة جدا من العالم. وبموجب بنود الاتفاق التزم الطرفان بالتخلي عن اللجوء الى القوة ضد بعضهما البعض وتسوية نزاعهما بشأن السيادة الاقليمية وتحديد الحدود البحرية عن طريق التحكيم وفقا لمشارطة يتم ابرامها لاحقا. كما تعهدا بالامتناع عن أي نشاط أو تحرك عسكري ضد بعضهما البعض حتى تنفيذ القرار النهائي لمحكمة التحكيم. وقد وقع على اتفاق المبادىء كشهود كل من فرنسا واثيوبيا ومصر. وأودعت نسخ من الاتفاق لدى الأمين العام للأمم المتحدة والأمين العام لمنظمة الوحدة الافريقية والأمين العام لجامعة الدول العربية. وكُلف الأمين العام للأمم المتحدة باطلاع مجلس الأمن على الاتفاق. مشارطة التحكيم وطبقا لاتفاق المبادىء وبمساهمة الحكومة الفرنسية وقعت اريتريا واليمن في الثالث من اكتوبر مشارطة التحكيم. وبموجب المادة 1/1 من المشارطة عينت اريتريا اثنين من قضاة محكمة العدل الدولية وهما ستيفن شويبل وروزلين هيجنز لتمثيلها في محكمة التحكيم, وعينت اليمن كممثلين لها أحمد صادق القشيري وكينيث هابت. وبمقتضى رسائل تبودلت في ديسمبر 1996 اتفق الطرفان على التوصية بتعيين سير روبرت جيننجز الرئيس السابق لمحكمة العدل الدولية رئيسا لمحكمة التحكيم. ومن ثم اجتمع المحكمون الاربعة في لندن ــ المقر الرسمي للمحكمة ــ في 14 يناير 1997 وعينوا جيننجز رئيسا للمحكمة. ونصت المادة (2) من مشارطة التحكيم على ان تصدر محكمة التحكيم احكاما وفقا للقانون الدولي على مرحلتين بحيث ينتج عن المرحلة الاولى حكم بشأن السيادة الاقليمية وتحديد نطاق النزاع بين الطرفين على ان تفصل المحكمة في مسألة السيادة الاقليمية وفقا لمبادىء وقواعد وممارسات القانون الدولي التي تنطبق على المسألة وبوجه خاص على أساس سندات الحق التاريخية Historic Titles. وأما المرحلة الثانية فنصت المادة (2) من المشارطة على ان ينتج عنها حكم يحدد الحدود البحرية على ان تفصل المحكمة في هذه المسألة آخذة في الاعتبار الرأي الذي كونته بشأن مسائل السيادة الاقليمية واتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار وأي عامل اخر متصل بالموضوع. نطاق النزاع وكان من رأي اليمن ان نطاق النزاع يشمل جزر حنيش التي تضم حنيش الكبرى والصغرى والصخور الجنوبية الغربية والهيكوك ومحبكة ولكنه لايشمل الجزر الشمالية وهي جبل الطير ومجموعة الزبير لانها لم تكن ابدا محل نزاع واما بالنسبة لاريتريا فقد كان النزاع يشمل سلسلة جزر زقر ـ حنيش, وهيكوك ومحبكة والجزر الشمالية وهي جبل الطير ومجموعة الزبير. وقد اخذت المحكمة بوجهة نظر اريتريا وقررت ان تصدر حكما بشأن السيادة على كل الجزر التي قدم الطرفان بشأنها مطالبات متعارضة وتشمل جبل الطير ومجموعة الزبير وكذلك هيكوك ومحبكة. سندات الحق التاريخية سبق القول ان مشارطة التحكيم نصت على ان تقرر مسألة السيادة الاقليمية وفقا للقانون الدولي وبوجه خاص على اساس سندات الحق التاريخية وازاء ذلك ركز الطرفان ـ اريتريا واليمن ــ على سندات الحق التاريخية كمصدر للسيادة الاقليمية على الجزر فقد ذهبت اليمن الى ان حقها التاريخي او القديم في الجزر يعود الى القرون الوسطى اي انه كان سابقا للسيطرة العثمانية, وان هذا الحق لم يتأثر حتى بعد ان اصبحت اليمن ولاية عثمانية بل استمر قائما في القانون الدولي ثم آل او ارتد الى اليمن بعد ان تنازلت تركيا عن الجذر في عام 1923 بموجب المادة 16 من معاهدة لوزان وتركت امر التصرف فيها للدول المعنية علما بأن اليمن لم يكن طرفا في تلك المعاهدة. وقد رفضت المحكمة الحجج اليمنية لعدة اسباب لامجال لبسطها هنا غير اننا نكتفي بالاشارة الى ان المحكمة لم تقبل بوجود مبدأ الارتداد في القانون الدولي, وقالت انه حتى ان وجد فلن ينطبق على هذه الحالة لغياب الاستمرارية كما قضت المحكمة بأنه من العسير التوفيق بين الادعاء اليمني وبين سنوات الحكم العثماني الطويل للمنطقة والذي لم ينته الا في عام 1923 بموجب معاهدة لوزان فالسيادة العثمانية كانت شرعية وكانت تحمل معها حق التصرف في الاقليم محل السيادة. واما اريتريا فلم تؤسس مطالبتها التاريخية على سند حق قديم وانما على اساس خلافة او وراثة ايطاليا عبر اثيوبيا ولكن المحكمة قررت ان اريتريا لايمكنها ان تستمد او ترث حقا من ايطاليا لان ايطاليا تنازلت بموجب معاهدة السلام لعام 1947 عن ممتلكاتها في افريقيا (اريتريا والصومال الايطالي وليبيا) وتنازلت كذلك عن اي حقوق تملكها بموجب المادة 16 من معاهدة لوزان. يضاف الى هذا ان ايطاليا أكدت مرارا خلال فترة مابين الحربين قبولها واعترافها بالوضع القانوني غير المحدد للجزر والذي نصت عليه المادة 16 من معاهدة لوزان, ونعيد الى الاذهان ان المادة 16 نصت على تنازل تركيا عن الجزر ولكنها تركت تسوية مستقبلها للدول المعنية. وفي ضوء ماتقدم فقد قررت المحكمة ان الطرفين اخفقا في اقناعها بالوجود القانوني لسندات حق تاريخية يمكن ان تكون مصدرا للسيادة على الجزر. الجوار الجغرافي من الثابت في القانون الدولي ان الجوار الجغرافي لايعتبر لوحده سندا للحق او سببا مكسبا للسيادة على الاقليم سواء كان هذا الاقليم جزيرة او برا, فوجود جزيرة مثلا في المياه الاقليمية لدولة مايمكن ان يكون قرينة على ان السيادة على الجزيرة تعود لتلك الدولة ما لم تتمكن دولة اخرى من دحض القرينة وذلك باثبات سيادتها على الجزيرة. وقد حكمت المحكمة بسيادة اريتريا على جزر محبكة وهيكوك ليس لقربها من ساحل اريتريا او لان بعضها يقع داخل المياه الاقليمية الاريترية فحسب, وانما لان اليمن لم تثبت ان لها حقا ارجح واقوى على تلك الجزر. اسس الحكم بسيادة اليمن على جرز حنيش وزقر والزبير والطير لم تخرج محكمة التحكيم في حكمها بسيادة اليمن على هذه الجزر عن النهج الذي درج عليه القضاء الدولي في معالجة منازعات السيادة الاقليمية ويتمثل هذا النهج فيما يلي: 1 ـ الفصل في منازعات السيادة الاقليمية على اساس الادلة المستمدة من الماضي القريب وليس على اساس الادلة المستمدة من الازمنة القديمة, ففي تحكيم اريتريا واليمن خلصت المحكمة بالنسبة لمجموعة جزر زقر ــ حنيش إلى ان أيا من الطرفين لم يفلح في اثبات قضية مقنعة على اساس سند حق قديم كما في حالة اليمن أو وراثة ايطاليا عبر اثيوبيا كما في حالة اريتريا, ولذلك قررت المحكمة ان حكمها بشأن السيادة على مجموعة جزر زقر ـ حنيش يجب ان يستند بدرجة كبيرة على ما يبدو انه كان الوضع في تلك الجزر خلال العشرة اعوام السابقة للتحكيم, علما بأن اتفاق أو مشارطة التحكيم قد ابرمت في 3 اكتوبر 1996. 2ــ الاكتفاء بالقليل جدا من ادلة ممارسة حقوق السيادة في الاقليم المتنازع عليه ما لم يقدم الطرف الاخر ادلة ارجح, فدرجة ومستوى النشاط الحكومي المطلوب لاثبات السيادة تحكمه ظروف وطبيعة الاقليم محل النزاع: موقعه ومساحته وقابليته للسكنى البشرية, فقد قضت المحكمة بسيادة اليمن على مجموعة جزر زقر ــ حنيش ومجموعة جزر الزبير وجبل الطير على اساس قدر قليل من ادلة ممارسة اعمال السيادة في تلك الجزر, وعزت المحكمة ذلك إلى الموقع البعيد والمنعزل لبعض الجزر وطبيعتها الموحشة وخلوها من الماء العزب وإلى انها ظلت زمنا طويلا غير مأهولة, وقد شملت ادلة ممارسة مهام الدولة وسلطة الحكومة التي رجحت كفة اليمن فيما يتعلق بمجموعة جزر زقر ـ حنيش الاذن في عا م1993 لبعثة علمية بزيارة حنيش الكبرى لدراسة الحياة البحرية, والترخيص لشركة توتال باقامة واستخدام مهبط طائرات في حنيش الكبرى, والتصديق في مايو 1995 لشركة المانية بتطوير مشروع سياحي في حنيش الكبرى, واما الادلة التي رجحت كفة اليمن بالنسبة لمجموعة جزر جبل الطير ــ الزبير فقد كانت بصفة رئيسة قبول مؤتمر المنارات الذي عقد في لندن في عام 1989 عرض اليمن بتولي مسؤولية ادارة وتشغيل منارات جزر جبل الطير وأبوعلي, وابرام اتفاقيات بترولية مع شركة شل في عام 1973 ومع شركة هنت في عام 1985 دون ان يصادف ذلك اي احتجاج من اثيوبيا باعتبارها الدولة السلف ازاء اريتريا. 3ــ الحكم بالسيادة على الاقليم المتنازع عليه ليس على اساس النظريات التقليدية لاكتساب السيادة الاقليمية وانما على اساس الموازنة أو المقارنة بين مهام الدولة والسلطة الحكومية التي يدعي كل طرف انه قد مارسها في الاقليم محل النزاع وترجيح اكثرها قوة. ولكن ما يميز التحكيم بين اريتريا واليمن عما سبقه من قضايا السيادة الاقليمية هو ان محكمة التحكيم قد اسست حكمها بشك أوضح وصريح على فكرة التدعيم التاريخي Historical Consolidation التي اقترحها الفقيه والقاضي شارلز دي فيشر للتوفيق بين النظرية والواقع في مجال اكتساب السيادة الاقليمية. فبالرغم من ان المحكمة لم تجد اي اساس لمطالبة اليمن واريتريا بسندات حق تاريخية, الا انها اشارت إلى ان الطرفين يعولان كذلك على شكل من اشكال المطالبة التاريخية وان كانت من نوع مختلف وتتمثل في اثبات الاستخدام والوجود واظهار السلطة الحكومية وغيرها من وسائل اثبات الحيازة التي قد تتدعم وتتعزز تدريجيا لتصبح سند حق Title. وقد لاحظت المحكمة ان الادلة التي وضعت امامها لاثبات السيادة على الجزر قد اتسعت في محاولة لاثبات التدعيم التدريجي لسند الحق, اذ انها تضمنت مجموعة من العوامل والاحداث من فترات زمنية مختلفة تهدف ليس فقط إلى اظهار النشاط المادي وانما ايضا إلى اظهار الشهرة Repute وآراء واتجاهات الحكومات الاخرى. وقد وجدت المحكمة عنصر الشهرة في الخرائط التي قدمتها اليمن, فعندما عرضت لمسألة السيادة على مجموعة جزر زقر ـ حنيش, قالت المحكمة ان الخرائط في جملتها توحي بانه كانت هناك شهرة واسعة بان جزر زقر ــ حنيش تتبع لليمن, ووجدت المحكمة عنصر الشهرة ايضا في قبول مؤتمر المنارات الذي عقد في لندن في عام 1989 عرض اليمن بأن يتولى مسؤولية ادارة وتشغيل منارات جبل الطير وأبوعلي, فبالرغم من ان مسألة السيادة لم تطرح خلال المؤتمر, الا ان المحكمة رأت ان قبول العرض اليمني يعكس ثقة وتوقع الحكومات اعضاء المؤتمر باستمرار الوجود اليمني في تلك الجزر خلال المستقبل المنظور. الابقاء على نظام صيد الاسماك التقليدي مع ان المحكمة قضت بسيادة اليمن على جزر حنيش وزقر وجبل الطير والزبير, الا انها قررت ان تلك السيادة لا تتنافى مع استمرار نظام صيد الاسماك التقليدي في المنطقة وانما ترى الابقاء عليه, ولذلك الزمت المحكمة اليمن بان يضمن ان نظام صيد الاسماك التقليدي والمتمثل في حرية الوصول والتمتع بالصيد لصيادي الاسماك من اريتريا واليمن سيحافظ عليه لفائدة حياة ومعايش تلك الفئة الكادحة والفقيرة من الرجال. وقد قدمت المحكمة لذلك بقولها انها عند اصدارها حكما بشأن السيادة كانت تدرك ان الافكار الغربية حول السيادة الاقليمية غريبة على الشعوب التي نشأت على المعتقدات الاسلامية والتي الفت مفاهيم حول الاقليم تختلف كثيرا عن تلك التي يعترف بها القانون الدولي المعاصر. واضافت المحكمة ان اخذ الارث القانوني الاقليمي في الاعتبار ضروري ايضا لاصدار حكم يفضي إلى تحقيق ما ورد في البيان المشترك الذي اصدره الطرفان في 21 اكتوبر 1996 بشأن استئناف علاقاتهما وتطوير تعاون دائم ومفعم بالثقة. واخيرا, لعل ما عرضناه من الحكم يشير بجلاء إلى ان منازعات السيادة الاقليمية لا يحسمها التاريخ أو الجغرافيا وانما ابراز اكبر قدر ممكن من الادلة التي تثبت ممارسة مهام الدولة والسلطة الحكومية في الاقليم محل النزاع ابان الفترة الحرجة. استاذ في القانون الدولي والمقارن*