ارتجت لندن الاسبوع الماضي تحت وطأة فضيحة غير مسبوقة كثيرا, عندما فاحت رائحة الفساد من مقر الحكم البريطاني. ادواننج ستريت لتحصد مستقبل وزيرين دفعة واحدة هما بيتر ماندلسون , وجيفري روبنسون ولتلقي بتداعيات وظلال كثيفة غير معروف أثرها حتى الآن على توني بلير رئيس الوزراء الذي وجد نفسه فجأة في وسط (وايت ووتر) بريطانية على غرار فضيحة العقارات الأمريكية المعروفة. واستقالة بيتر ماندلسون, (مهندس السياسات والصورة الجديدة لحزب العمال) من منصبه كوزير للتجارة والصناعة, لم تضع حدا لـ (أزمة قرض الـ 313 ألف جنيه استرليني) الذي لم يعلن عنه, من زميله, جيفري روبنسون, وزير المدفوعات في الخزانة البريطانية. وكان القارض, والمقترض قدما استقالتيهما إلى توني بلير, رئيس الوزراء, يوم الأربعاء الماضي, وهو اليوم الذي وصف بأنه (أسود الأيام) في تاريخ حزب العمال الحاكم. وفي الوقت الذي تستمر فيه تفاعلات تلك السلفة الشخصية التي يعود تاريخها إلى ما قبل وصول حزب العمال إلى الحكم, تؤكد أوساط حزبية ان ماندلسون سيعمل بنصيحة العديد من المؤيدين له, داخل الحكومة والحزب, ويرشح نفسه لمنصب عمدة لندن. وتعتبر الحكومة, وقيادات الحزب الحاكم, ان الستار قد أسدل على أزمة القرض باستقالة القارض والمقترض, لكن حزب المحافظين المعارض يضغط باتجاه تشكيل لجنة مستقلة لتقصي الحقائق و(طمأنة الرأي العام بالتأكد من عدم وجود صلات مماثلة بين جيفري روبنسون ومزيد من الوزراء في الحكومة حسب تصريحات بيتر ليلي, نائب رئيس حزب المحافظين. وكانت استقالة بيتر ماندلسون صدمة, وخسارة مفاجئة, ليس لتوني بلير وحده, ولكن للعديد من قيادات حزب العمال وأعضاء الحكومة وحزب الأحرار الديمقراطيين, وكذلك دوائر ونقابات التجارة والصناعة في بريطانيا. وبدت التغطيات الاعلامية, وخاصة في الصحف البريطانية الصادرة أول أمس الخميس, وكأنها مراسم نعي وتصريحات حزينة حول الخسارة الفادحة. ويتفق المتعاطفون, وهم كثر, حول عدة حقائق من بينها ان واقعة الاقتراض تمت بين ماندلسون وروبنسون قبل سنتين, وقبل وصول الحزب إلى الحكم وان ممارسات ماندلسون كوزير لا تشوبها شائبة وانه لم يخرق اللوائح التي تنظم عمل وأداء ومهام الوزراء وأعضاء الحكومة, ولم يفعل ما يشينه, كنائب برلماني, أو يقلل من رصيده في دائرته الانتخابية. وكل ما فعله جاء بدافع رغبته في العيش بنمط مريح ومنزل فيكتوري على الجانب الأدنى في حي (ناتنج هيل) القريب من وسط لندن. كما يؤكد المتعاطفون, وماندلسون نفسه, ان عدم الاعلان عن تلك السلفة الشخصية التي مكنته من شراء البيت وتحقيق حلمه, وعدم تسجيله لها لدى سكرتير الحزب, وابلاغ وزير شؤون مجلس الوزراء بأمرها, ممارسات تدخل في اطار عدم الحكمة وسوء التقدير) . وإذا كان خطأ ماندلسون هو (عدم الاعلان) وهو سبب العاصفة والاستقالة, فإن استقالة روبنسون كانت منتظرة ومتوقعة, قبل الكشف عن أمر السلفة, وذلك بسبب (اتهامات) توجه إليه وخاصة من جانب حزب المحافظين المعارض. بعض تلك الاتهامات دعا وزارة التجارة والصناعة إلى تشكيل لجنة لبحث ادعاءات تفيد بوجود مخالفات من جانب (مؤسسة هوليس للصناعات) , وهي إحدى شركات امبراطور الصحافة المنتحر, روبرت ماكسويل, وكان جيفري روبنسون رئيس مجلس إدارتها وتظهر دفاتر حساباتها انه تلقى مبلغ 200 ألف جنيه استرليني مكافأة. لكن روبنسون ينفي تقاضيه هذا المبلغ. وفي يناير الماضي أشار تقرير لجنة (الأداء والامتيازات) داخل مجلس العموم البريطاني إلى (مصالح لم يعلن عنها) لروبنسون, في مؤسسة تدعى (أوريون) . لكن اللجنة لم تجد في ممارسات روبنسون ما يجرمه. لكنها وجدت, في 18 نوفمبر الماضي, انه خرق اللوائح البرلمانية عندما لم يسجل امتلاكه لأسهم في شركة محدودة تدعى (ستنبل) . وقد اضطر روبنسون إلى الاعتذار أمام البرلمان. كذلك طالب رئيس (لجنة مستويات الأداء) داخل مجلس العموم, بالتحقيق في عدم اعلان روبنسون عن علاقة العمل التي كانت مع روبرت ماكسوير منذ عام 1987 وإلى عام ,1991 أي قبل عام من دخوله إلى البرلمان. لندن ــ جمال اسماعيل