حتى قبل أن يستقر الغبار الذي أثارته عملية (ثعلب الصحراء) الاخيرة, تبدو جلية في الافق معالم سياسة أمريكية جديدة في الشرق الاوسط ستكون ذات أثر كبير في تحديد خطوط مستقبل المنطقة الغنية بالنفط في العام المقبل بل وخلال القرن الواحد والعشرين أيضا. والمبدأ الثلاثي الاضلاع الذي يرتكز على قاعدة من سياسة الاحتواء الايجابي, كما حدده الرئيس الامريكي بيل كلينتون بلا إبهام في نهاية الاسبوع الماضي أثناء إعلانه وقف حملة القصف الاخيرة ضد العراق, يعتمد على ثلاثة محاور. ويقضي المحور الاول بالاحتفاظ في الخليج لاجل غير مسمى بما يعتبر أكبر قوة أمريكية جاهزة للقتال خارج حدود أمريكا. ويستتبع المحور الثاني ضربات انتقائية حسب الحاجة ضد بغداد فيما يدور المحور الثالث حول دعوة علنية ودائمة لاية (قيادة جديدة) طموحة في بغداد للقيام بانقلاب والحصول على دعم فوري من الولايات المتحدة. ويقول المحللون, الذين يحاولون فك شيفرة السيناريوهات المتوقعة من جانب واضعي ما يطلقون عليه مجازا اسم (مبدأ كلينتون) , إن تطبيقات هذا المبدأ ستستمر لمدة أطول من فترة رئاسة الرئيس الامريكي المحاصر بالمشكلات كما ستكون أكثر بقاء من رجل العراق القوي صدام حسين. ويحمل المبدأ مقامرة عالية المخاطر: هل يمكن لاي نظام حكم جديد أن يمنع العراق المتعدد الاعراق والطوائف من التفكك والتشرذم ليصبح يوغوسلافيا أخرى أو أفغانستان جديدة بمجرد التخلص من الغطاء القمعي الذي يبقي كل التناقضات داخل العراق تحت السيطرة؟ وبالرغم من كل دواعي الحذر, فقد يؤدي مثل هذا الوضع إلى تورط عدة جيران للعراق لكل منهم ادعاءات بالاحقية في جزء من العراق أو في العراق كله استنادا إلى أسس مختلفة منها الديني والعرقي والتاريخي والايديولوجي. وتشمل تلك الدول إيران التي تحظى بتعاطف الاغلبية الشيعية في العراق كما تشمل تركيا الجائعة للنفط التي تلعب بورقة الاكراد وبالاقلية التركمانية في محافظة كركوك العراقية الغنية بالنفط. ولا تستثنى منها دول عربية مثل الاردن التي ذكرت التوقعات بعد حرب الخليج في عام 1991 أن عاهلها الملك حسين قد يكون, لاسباب تاريخية, زعيما بديلا لصدام حسين يتقبله شعب العراق. ومنها أيضا سوريا التي يحكمها جناح منافس لحزب البعث الحاكم في العراق. وقال أحد المصادر الذي طلب عدم ذكر اسمه في حالة تفجر مثل هذا السيناريو فانه سيكون من الصعب, إن لم يكن من المستحيل, على قوى عربية أخرى عديدة مقاومة قوة السحب. وأضاف المصدر أنه مما يزيد في خطورة هذا الاحتمال هو أن إسرائيل قد تشعر في نفس الوقت بأنه لا مناص لها من استخدام ماكينتها الحربية المتفوقة, من ناحية لتأمين مصالحها الاقليمية ومن ناحية أخرى لترسيخ نفسها كقوة عسكرية مسيطرة في حقبة ما بعد مباحثات السلام مع العرب. ولا أدل على تخوف مختلف القوى من السؤال الشهير ماذا سيأتي بعد ذلك من أن الرئيس الروسي بوريس يلتسين سارع بإرسال مبعوث خاص إلى طهران في أعقاب وقف أمريكا وبريطانيا لحملتهما الصاروخية الاخيرة ضد العراق. وطبقا للتقارير التي يتم تداولها في الخليج, فإن المبعوث الروسي حصل على تأكيد أن إيران لن تتعاون مع أي مساع أمريكية لتشكيل حكومة بديلة في بغداد - حتى مقابل وعود بأن الشيعة الذين يمثلون ثلثي عدد سكان العراق سيكونون على قمتها. وكان احد صواريخ كروز الامريكية سقط أثناء قصف العراق على حدود إيران بدون أن تحدث خسائر. وسواء أكان ذلك عمدا أو بدون قصد فان العديد من رجال الدين الايرانيين اعتبروه إنذارا لايران بالتعاون وإلا. وأدى هذا بقائد الحرس الثوري السابق محسن رضائي, أحد المقربين من الزعيم الروحي آية الله علي خامنئي, إلى إحياء بلاغاته اللفظية الشهيرة حيث هدد الولايات المتحدة بأن أي من سفنها لن تخرج سالمة من الخليج إذا ما عادت إلى ممارسة ما يصفه الايرانيون بألاعيبها الشيطانية. ومن وجهة نظر أمريكا فإن الألاعيب الشيطانية ليست هي المسألة. فالسياسة الامريكية تهدف ببساطة إلى حماية وإدارة ما تعتبره واشنطن مصالح مشروعة لها في منطقة تحتوي على معظم مخزون العالم من النفط الحر القابل للتصدير في العقود المقبلة. وقد يحدث ذلك بطريقة سلسة ومنظمة. ولكن, إذا اقتضت الضرورة, فقد لا يكون هناك مانع من ترك الامور في المنطقة تتطور إلى حالة من الفوضى المحكومة. ومن الارجح أن المظاهرات الغاضبة والمعادية للولايات المتحدة لن يكون لها تأثير كبير على صانعي السياسة في أمريكا, بالرغم من أن هذه المظاهرات قد تشجع صدام حسين الذي رفع المتظاهرون صوره في اليمن في الاسبوع الماضي إلى جانب صورة الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي استقطب الجماهير العربية أثناء الغزو الثلاثي البريطاني-الفرنسي- الاسرائيلي لمنطقة قناة السويس في عام 1956. وقالت أحد المصادر العربية مهما كانت الحقيقية, فصدام لن يصبح عبد الناصر آخر عن طريق منح فرصة بعد فرصة للولايات المتحدة لاستخدام دولته كجراب تمرين على الملاكمة للقوات الامريكية. كما أنه لن يحصل على غايته من خلال السماح لواشنطن بعرضه على العالم كمثل مؤسف في حملة أمريكية ماهرة لتخويف أية دولة تحاول تطوير أسلحة كيميائية وبيولوجية. ويصر اثنان من الذين يطمعون في خلافة صدام حسين يوما ما في رئاسة العراق على أن الولايات المتحدة نفسها هي التي تتجنب القضاء عليه لانها تريد إبقاءه في السلطة لاغراض في نفسها. وهذان الاثنان هما اللواء وفيق السمرائي رئيس مخابرات صدام السابق وحجة الاسلام محمد باقر الحكيم رئيس ما يسمى بالمجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق اللذان أعربا عن آرائهما عبر قناة الجزيرة الفضائية القطرية. ومن المشكوك فيه أن يتمكن رجل دين مثل الحكيم من السيطرة على الوضع في العراق أو أن تسمح مختلف القوى الدولية والاقليمية لايران بوضع نظام موال لها في بغداد. وهناك من يقولون بأن نظام صدام حسين الحالي قد يصبح هو من حلفاء أمريكا الرئيسيين في المنطقة بطريقة مماثلة لما تم في تحول سياسة مصر في السبعينات. ويقول دبلوماسي عربي من يظل على القمة في العراق يجب أن يكون أكثر الناس قسوة فيها, كما أثبتت الاحداث. وإذا كان هناك أي ولاء لصدام حسين بين الشعب العراقي فان المنطق سهل: قد يصيبك صاروخ كروز أو يخطئك. أما نظام صدام فانه لا يخطئ. د.ب.أ