مع اقتراب الموعد المفترض لانقاذ قانون اعادة الاحزاب في السودان (قانون التوالي السياسي) , وظهور ضوء في نهاية النفق بعد عشر سنوات من الخطر على الاحزاب, بدأ بعض قادتها ممن كانوا خارج دائرة الاضواء بدأوا في العودة الى (سطح) الساحة السياسية والجهر بآراء طالما احتفظوا بها لسبب او لآخر . ومن هؤلاء التقت (البيان) بالقيادي البارز في حزب (البعث العربي الاشتراكي) محمد علي جادين الذي اكد في سياق اجاباته عن اسئلة (البيان) رفض الحزب للدستور ولقانون التوالي السياسي قائلا انه ليس هناك حزب يحترم نفسه يقبل بالوضعية التي يحددها هذا القانون ويكشف القيادي البعثي عن عودة الحزب الى ممارسة نشاطه داخل تجمع المعارضة بعد خلافات زالت اسبابها. ويتطرق الحوار مع جادين الى جوانب التناسق والتناقض في وقف حزب البعث في صف المعارضة في ظل العلاقات الحميمة بين النظامين في السودان والعراق. كما يتطرق الى الانشقاقات التي طفحت الى السطح في اوساط الحزب في سبتمبر اواخر الماضي ومخاوف اثارها البعض بشأن حملة تصفيات جسدية محتملة قد تنجم عن تلك الخلافات... وفيما يلي نص الحوار: الدستور برنامج الجبهة بعد اجازة المجلس الوطني لقانون تنظيم التوالي السياسي ماهو رأيكم في القانون؟ هل يؤدي الى وفاق وطني وتحول ديمقراطي؟ الملاحظة الاولى ان المجلس اجاز القانون دون وضع اعتبار حتى لملاحظات القوى القريبة من الانقاذ مثل مجموعة المهدي والاخوان المسلمين وبعض قيادات الجبهة الاسلامية السابقة بل ان بعض اعضاء المجلس خرج من الجلسة الاخيرة نتيجة لتجاهل انتقادات بعض النواب وبالطبع لم يهتم بوجهة نظر المعارضة السياسية وهو يكرر نفس ما حدث عند مناقشة الدستور حيث تجاهلت السلطة مسودة اللجنة القومية وقدمت للمجلس مسودة اخرى هي التي تمت اجازتها. مناقشة القانون بهذه الطريقة لا يمكن ان تؤدي الى وفاق وطني او تحول ديمقراطي حقيقي لانه يفتقد المشاركة الواسعة والاجماع الوطني, ومن جهة اخرى فإن القانون نفسه عبارة عن اجراءات لتنظيم النشاط السياسي في الفترة اللاحقة, استنادا على الدستور الذي اجازه المجلس في يوليو الماضي والدستور نفسه تلخيص مركز للأوامر والمراسيم الجمهورية والدستورية الصادرة في السنوات السابقة ويتضمن كامل برنامج الجبهة الاسلامية والقوى الحاكمة في كافة مجالات السياسة الداخلية والخارجية واعتبر القانون هذا البرنامج ثوابت لا تقبل المناقشة لذلك لم يترك للقوى الاخرى سوى الالتزام بهذا البرنامج والدوران في فلك الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني) وهذا وضع لا يمكن ان يقبله حزب يحترم نفسه ومع ذلك اعتقد ان المشكلة ليست في القانون لانه يمكن الاتفاق عليه, واساس الوفاق الوطني والتحول الديمقراطي يتمثل في اتفاق وطني واسع حول دستور ديمقراطي يؤكد اشاعة الحريات العامة وفصل السلطات وسيادة حكم القانون ويضمن التداول السلعي للسلطة بغير ذلك لا يمكن الحديث عن تحول ديمقراطي. (البيان) لكن القانون يسمح بحرية الاحزاب والتنظيمات؟ فلماذا معارضته؟ صحيح ان القانون يسمح بحرية تنظيم الاحزاب ولكن في اطار الركائز الاساسية للنظام القائم المثبته في الدستور كما قلت من قبل, وبجانب ذلك نلاحظ انه يستخدم تعبيرات غامضة وغير متداولة مثل التوالي والتنظيمات وغيرها, ويتحاشى استخدام التعبيرات المتعارف عليها في الوسط السياسي والاكاديمي, مثل الديمقراطية والتعددية السياسة وغيرها, هذا الغموض سمح بتناقضات ظاهرة في تصريحات المسؤولين حول المسألة. وبالاضافة لذلك منح السجل سلطات واسعة لعقد التنظيمات واستقلاليتها ودورها كحركات شعبية طوعية مستقلة ويفتح الباب للطعن فيها من قبل كافة المواطنين وحتى المحكمة الدستورية وجدت انتقادات واسعة من كبار القانونيين السودانيين لعدم حياديتها واستقلالها عن السلطة التنفيذية وفوق كل ذلك قامت السلطة بتعطيل الدستور منذ يوليو الماضي وبتنشيط حزبها الحاكم بامكانيات واسعة للسيطرة على المسرح السياسي مع استمرار سيطرته على جهاز الدولة ومفاصيل الاقتصاد الوطني هكذا لم يترك القانون للاحزاب الاخرى سوى القيام بدور هامش. وهذا الوضع هو تكريس لنظام الحزب الواحد مع تطوير يسمح بحريات محدودة وتنظيمات هامشية تابعة, لكن ذلك لا يطمس حقيقته. ولكن كيف الطريقة الى تحول ديمقراطي واسع في رأيكم؟ ــ التحول الديمقراطي يحتاج الى حوار وطني واسع حول قضايا السودان الاساسية, وليس الى قانون لان القانون مسألة اجرائية يمكن الاتفاق حولها وهذا الحوار ممكن وللسودان تجارب سابقة مفيدة وهناك تجارب الدول الاخرى خاصة الدول الافريقية ــ كل المطلوب ان تقوم الحكومة باجراءات سياسية محددة تشمل مثلا اطلاق سراح المعتقلين الغاء القوانين الاستثنائية واشاعة الحريات العامة, اعادة الممتلكات المصادرة لاسباب سياسية, الشروع في اعادة بناء مؤسسات الدولة على اسس وطنية غير حزبية, وفتح الطريق لعقد مؤتمر دستوري وطني تشارك فيه كل القوى السياسية والاجتماعية الشمالية والجنوبية على السواء ومن خلال ذلك يمكن مناقشة كل القضايا الوطنية الاساسية وفتح الطريق لوفاق وطني واسع ووضع ديمقراطي حقيقي ووقتها يمكن الوصول الى تسوية وطنية تاريخية يرتضيها كل اهل السودان وهدفها بناء سودان ديمقراطي موحد ومستقل ومتفاعل مع محيطه العربي الاسلامي والافريقي. لكن هذا يعني تفكيك النظام الحاكم وتسليم السلطة للمعارضة؟ ـ المسألة ليست هكذا. كل البلدان التي عاشت حالة ازمة وطنية شاملة لم تجد سوى هذا الطريق, هو طريق صعب لكنه ممكن ولا خيار غيره سوى دفع البلاد في طريق الانفجار باتجاه الصوملة والافغنة وتوسيع الحرب الاهلية والتدخل الدولي الخارجي. هل يمثل هذا التحليل رأي حزب البعث؟ ــ اعتقد انه ليس هناك حزب يحترم نفسه يقبل الوضعية التي يحددها قانون التوالي السياسي وحزب البعث والاحزاب الاخرى حددت موقفها من القانون والتحول الديمقراطي بشكل واضح. يبدو انك تدعو لعودة الديمقراطية لكن التجارب السابقة فشلت في حل مشاكل البلاد. ــ الديمقراطية كنظام واسلوب حكم لم تفشل بل الانظمة الشمولية, التي حكمت البلاد طوال اكثر من ثلاثة ارباع فترة ما بعد الاستقلال هي التي فشلت. واذا فشلت التجربة الديمقراطية, فإن الفشل ينسب للقوى السياسية الحاكمة وليس لاسلوب الحكم الديمقراطي وتجربة الديمقراطية الثالثة اكدت ذلك واكدت ان النظام الديمقراطي يمكن اصلاحه من داخله وليس بالانقلابات العسكرية. ومع ذلك لا احد يقول ان الديمقراطية عصا سحرية تحل كل مشاكل السودان وهي المدخل الوحيد لمواجهة هذه المشاكل بمشاركة كل القوى الحية في المجتمع وعندما نقول ذلك نقصد ان هناك ضرورات سياسية واجتماعية وتاريخية تفرض بالحاح شديد مثل هذا التوجه وليس لرغبة ذاتية لبعض القيادات والقوى السياسية وتتمثل هذه الضرورات اولا في تجربتنا السلبية جدا مع الانظمة الشمولية وسلبياتها لا تحتاج الى شرح. يكفي انها هي التي فاقت مشكلة الجنوب وتسببت في المجاعة وأوصلت البلاد الآن الى حد الأزمة الوطنية الشاملة. ثانيا: هناك ضغوط الموقع السياسي اللاحق, المتمثل في الازمة الوطنية الشاملة نفسيا وضرورة مشاركة الجميع في مواجهتها. بالاضافة الى واقع التنوع الاثني والثقافي والديني والتكوين القومي المزدوج لشعب السودان. ثالثا: هناك حقيقة تعدد الحركة السياسية السودانية وحيويتها وعمق ارتباطها بالواقع, وحالة الاستقطاب والصراع السياسي الحاد الجارية الآن.. كل هذه العوامل تفرض بالحاح ضرورة استعادة الديمقراطية واشاعة الحريات الاساسية وفتح الطريق امام الجميع للمشاركة في انقاذ بلادهم, في منتصف السبعينات كانت هناك ضرورات وضغوط مشابهة لكن بدلا من التحول الديمقراطي الكامل والوفاق الوطني الشامل اتجه نميري الى المصالحة الوطنية مع بعض القوى السياسية والانفراج السياسي المحدود والمحسوب. صحيح أن ذلك ساعد على اطالة عمره, لكنه لم يلغ تلك الضغوط والضرورات ولم يؤد الى الاستقرار وحل المشاكل المزمنة والمستعصية, ويبدو ان قانون (التوالي) يأتي في نفس الاطار وكمحاولة لاعادة ترتيب القوى والسيطرة في الداخل وترميم علاقاتها مع القوى الخارجية المؤثرة في السياسة السودانية لكن هذا هدف محدود لا يتماشى مع ضرورات الواقع وضغوطه الدافعة في اتجاه التحول الديمقراطي. لكن ماذا بعد اجازة القانون.. هل يمثل ذلك نهاية المطاف أم ان هناك امكانية للوصول الى وضع جديد؟ ــ سؤالك مهم.. هل القانون محاولة جادة لتحول ديمقراطي حقيقي أم هو مجرد اعادة ترتيب لاوضاع القوى المسيطرة في اطار ظروفها المتغيرة؟ لكن المهم ان القانون لا يؤدي الى الغاء ضرورات الواقع وضغوطه, كما انه لن يؤدي الى حل المشاكل والتحديات القائمة, هي لا تزال موجودة, وقد تتفاقم. لذلك الموضوع لم يصل بعد الى نهاية. داخل الجبهة الاسلامية والقوى الحاكمة هناك تيار مؤثر يقترب يوما بعد يوم من التحول الديمقراطي السلمي, وبعض آخر يعارضه ويعتقد أنه يتناقض مع الاسلام والتراث العربي الاسلامي, وهناك من يقف في الوسط, هذه الحقيقة تشاهدها في تصريحات المسؤولين. ودكتور حسن مكي اشار اليها في ندوة بجامعة الخرطوم, عندما أكد ان القانون جاء نتيجة صراع ومجاهدات داخل الحركة الاسلامية لذلك البعض يقول ليس في الامكان افضل من القانون, يحكم توازن القوى والخوف من المخاطر المحدقة بالبلاد. وأعتقد أن كل ذلك يؤكد وجود ضغوط واقعية وازمة وطنية شاملة حقيقية تدفع باتجاه الديمقراطية, التحول الديمقراطي اصبح ضرورة للمحافظة على الكيان السوداني الموحد نفسه, ومعارضته باسم الاسلام هي مجرد تبرير لنزعة استبدادية لمصلحة الفئات الطفيلية المسيطرة على جهاز الدولة والسوق. فالديمقراطية كنظام للحكم تراث انساني ساهم فيه الاسلام والحضارة العربية الاسلامية بقسط وافر من خلال مفهوم الشورى والدولة المدنية. والتراث العربي الاسلامي مليء بقيم العدل والحرية والشورى. ولذلك يمكن القول ان الديقراطية تمثل افضل نظام لتجسيد الشورى وتنظيم الصراع السياسي والاجتماعي لمصلحة الاغلبية. ونقول للذين يقولون بغير ذلك, هل سياسة الانفتاح والتحرير الاقتصادي والسوق الحر والخصخصة تمثل موقف الاسلام, أم انه يقف مع العدالة الاجتماعية ودور الدولة في النشاط الاقتصادي؟ هل يقف الاسلام مع المستضعفين والقوى المنتجة ام مع قوى الاستقلال والاحتكام الرأسمالي؟ المسألة ليست مسألة دفاع عن الاسلام بل عن موقف سياسي مرتبط بمصالح محددة. هناك اخبار حول عودة حزب البعث لممارسة نشاطه مع القوى المعارضة.. المنضوية تحت لواء التجمع الوطني الديمقراطي ما حيثيات ذلك؟ ــ حزب البعث من المؤسسين للتجمع الوطني وشارك في صياغة ميثاق عام 1989م وظل يعمل مع القوى السياسية الاخرى لفترة طويلة لاحقة. وحسب معلوماتي لم ينسحب من التجمع. كانت هناك خلافات حول بعض القضايا دفعته للابتعاد لبعض الوقت. وهذا يحدث كثيرا في العمل المشترك, لكن ذلك لم يؤثر في علاقاته مع القوى الاخرى ولم يجعله يكفر بالعمل المشترك. وايا كانت المبررات لم يعد هناك سبب للابتعاد, لان المطلوب الآن هو التركيز على العمل المشترك والقضايا المشتركة. والنشاط السياسي في الفترة الاخيرة يؤكد مواصلة الحزب لنشاطه مع القوى الاخرى في الداخل وممارسة نشاطه المستقل في نفس الوقت. لكن قد ترفض القوى عودة البعثيين للتجمع؟ ــ كانت هناك خلافات حول بعض القضايا دفعته للابتعاد لبعض الوقت. وهذا يحدث كثيرا في العمل المشترك. لكن ذلك لم يؤثر في علاقاته مع القوى الاخرى ولم يجعله يكفر بالعمل المشترك. وأيا كانت المبررات لم يعد هناك سبب للابتعاد, لن المطلوب الآن هو التركيز على العمل المشترك والقضايا المشتركة. والنشاط السياسي في الفترة الاخيرة يؤكد مواصلة الحزب لنشاطه مع القوى الاخرى في الداخل وممارسة نشاطه المستقل في نفس الوقت. لكن قد ترفض القوى الاخرى عودة البعثيين للتجمع؟ ــ يا أخي التجمع اطار عام لكل قوى المعارضة, وحزب البعث من المؤسسين. وليس هناك من يملك حق الفيتو على قوى سياسية اخرى, طالما التزمت بالميثاق, الذي شارك البعثيون في صياغته والتوقيع عليه, كل القوى السياسية الآن متمسكة بوحدة قوى المعارضة, وحزب البعث حدد موقفه انطلاقا من رؤيته للواقع الوطني وليس تماشيا مع رؤية آخرين. موقفكم هذا يتناقض مع العلاقات المتطورة بين العراق ونظام الانقاذ؟ ــ ليس هناك تناقض. تاريخيا وتنظيميا حزب البعث لا يحدد موقفه من النظام الحاكم من خلال علاقاته مع العراق, بل من خلال موقف هذا النظام العملي من قضايا الديمقراطية والوحدة الوطنية وحقوق الجماهير في الحياة الكريمة. حدث ذلك في عهد نميري, ولم تؤثر علاقاته المتطورة مع العراق في موقف الحزب. الموقف من القضايا الوطنية تحدده رؤية البعثيين السودانيين لواقعهم وليس اي منظور آخر. والعراق كدولة ونظام يحدد علاقاته بالانظمة العربية الاخرى حسب ظروفه ورؤيته العامة وفي ظروف الحصار الشامل المفروض عليه الآن من قبل مجلس الامن يحتاج العراق لدعم وسند كل القوى الخيرة في العالم لدفع الحصار وعودته لمحيطه العربي والدولي والحركة السياسية السودانية وقفت مع العراق, ومطلوب منها الآن اعلان موقف قوى يتماشى مع تقاليدها ومواقفها التاريخية من القضايا العربية, وهي مؤهلة بحكم علاقاتها الواسعة وثقلها في المنطقة للقيام بدور مؤثر وفعال في هذه القضية العادلة, وأعتقد أن ذلك ممكن خاصة بعد أن وصل الحصار الى تدمير بنية العراق, وبعد أن اصبحت دوائر واسعة عربية ودولية تتفهم خطورة استمرار الحصار على العراق والمنطقة بشكل عام. يقال ان هذا الموقف أدى الى خلافات وانشقاقات داخلية؟ ــ في 30/9 الماضي اصدر حزب البعث بيانا وضح فيه حقيقة الموقف وتحدث عن مجموعة ارتكبت مخالفات تنظيمية وادارية وتمت محاسبتها واكد تمسكه بموقفه العام من الوضع السياسي والجهد المشترك. مع ذلك اعتقد أن الخلافات موضوع داخلي يخص اهله, والبعثيون قادرون على حل مشاكلهم وتأكيد وحدة حزبهم في اطار مواقفهم الوطنية الثابتة وعلاقاتهم الداخلية المحددة. والخلافات عموما شيء طبيعي في الاحزاب السودانية. وهي ظاهرة صحية, تعكس الرغبة في التجديد وعلى أي حال البعثيون حسموا خلافاتهم لمصلحة وحدتهم. بعض الصحف أشارت الى احتمال أن تؤدي هذه الخلافات الى تصفيات جسدية داخل الحزب؟ ما رأيكم؟ ــ لم نسمع من قبل عن تصفيات جسدية وسط حزب البعث. بعض الصحف حاولت خلق اثارة في تناولها للحديث عن الحزب, خاصة بعد أن حسم مشاكله الداخلية واعلن موقفه السياسي بوضوح. لكن.. لماذا الاثارة؟ ولمصلحة من؟ لماذا الحديث عن تصفيات جسدية؟ وفي هذا الوقت بالذات؟ من المستفيد من كل ذلك؟ لا أعتقد أن ذلك يتم بعفوية. الخرطوم ــ الصافي موسى