كتاب ومفكرون وباحثون مصريون لــ (الملف) : أمريكا تتصرف كدولة تحكم العالم كله، الموقف الروسي يرتبط ببعض المصالح الاقتصادية

الازمة العراقية الامريكية تكررت منذ حرب الخليج حتى اليوم عدة مرات, ولكن العدوان الاخير كان مختلفا, على مستوى رد الفعل الشعبي العربي, والسياسي الدولي , وفتح تساؤلات عن الجديد بشأن التعامل مع الازمة في كل من العراق والبلدان العربية, والدول الكبرى والنظام الدولي نفسه. هل تستمر العراق في الاستجابة لقرارات مجلس الامن والتعاون مع لجان التفتيش ام سيختلف الامر؟ وهل تلجأ العراق الى نوع آخر من المقاومة, مثل ضرب المصالح الامريكية على طريقة (الضعفاء) هل تنتقل مواقف دول مثل روسيا والصين وفرنسا نقلة موضوعية, تتخطى ردود الافعال الكلامية او الشكلية الى اجراءات فعلية, من شأنها ان تعيد العراق دولة طبيعية, او تغير من حسابات الاطراف الاقليمية والعربية في القلب منها, وما الظلال التي يسقطها العدوان الامريكي على (عملية التسوية) , وما حدود العلاقة المتبادلة بين عملية التسوية وتكسير اجنحة العراق! وماذا تنتج كراهية امريكا شعبيا على المدى المنظور.. اسئلة يجيب عليها عدد من المفكرين والكتاب والباحثين المصريين. يرى المحلل والكاتب السياسي البارز محمد سيد احمد ان عملية الضرب الاخيرة قائمة على معادلة معينة يمكننا تحليلها على النحو التالي: امريكا وبريطانيا من جانب يفترضان ان العراق لن تتخلى عن محاولة بناء اسلحة محظورة, وهذا الاحتمال مطروح في اطار اننا دخلنا في مرحلة دولية يحاول خلالها جيل جديد من البلدان صنع اسلحة نووية وهناك مثلان واضحان صنعا فعلا اسلحة نووية هما الهند وباكستان, وربما ايران وغيرها غدا.. والعراق فرض عليها بعد حرب الخليج معاهدة تلزمها ان تصفي كل مالديها من اسلحة نووية, وبالطبع العراق كغيرها من الدول في مثل هذا الظرف, لن تتخلى بسهولة عن فكرة الاستمرار في مشروعها وبالتالي هي متهمة بانها لاتحترم اتفاقها, والطرف الآخر امريكا وبريطانيا يكيل الامور بمكيالين, فبينما لا تسأل اسرائيل فيما يتعلق بأسلحتها النووية تعامل العراق بسلوك نقيض (للتسامح وغض الطرف) عن اسرائيل.. والسؤال الذي يطرح نفسه ــ والكلام مازال على لسان محمد سيد احمد ــ هو لماذا تفجرت الازمة؟ ما الجديد؟ الجديد هو نقلة في المنطقة تمثلت فيما تم خلال زيارة كلينتون الاخيرة لغزة واسرائيل, لم يستطع كلينتون ان يأخذ شيئا من اسرائيل, والفلسطينيون ألغوا البنود المتعلقة بتدمير اسرائيل, وهذا يرمز الى تطور في القضية الفلسطينية, تقاربت العلاقة بين امريكا والفلسطينين (كسلطة) , واصبح عرفات في مقام ما كان عليه السادات عندما وقع المعاهدة مع اسرائيل, دون ان تقدم اسرائيل حاليا شيئا في المقابل, تقريبا كما فعل بيجين وقتها. بناء عليه ترى امريكا ان الوضع فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية, التنازل في مقابل لاشيء ــ وضعا هشا مالم يحدث (ضبط وربط في المنطقة) اذن لابد من وجهة النظر الامريكية ــ من احداث استقطاب, والتمييز بين دول ينظر اليها باعتبارها دولا متمردة على النظام الدولي, وفي مقدمتها العراق, ودولا اخرى ينظر اليها امريكيا باعتبارها صديقة لامريكا مثل مصر ودول الخليج, ولكن امريكا تعتبرها في الوقت نفسه (غير قادرة على الوقوف موقف العداء من العراق حسبما تريد امريكا) .. ومن هنا تجىء اهمية فكرة (الضبط والربط الامريكي) .. لاسباب كثيرة, منها النظر الى مصر باعتبارها تحرض الفلسطينيين على التشدد, وينظر الى دول الخليج من خلال انخفاض اسعار البترول, ان اوضاعها هشة وعليهم تحمل نفقات الأساطيل الأمريكية في البحر.. امريكا اذن تظهر (العين الحمراء) لكل العرب, ولسان حالها يقول (لابد ان تقبلوا شروطنا كما هي) . ويستطرد محمد سيد احمد.. امريكا لاتريد ازالة النظام العراقي, وانما تريد (اذلال العراق اولا) .. وثانيا ان تصبح قطبا طاردا في المنطقة, وثالثا يريدون تصفية الاسلحة من وقت الى آخر داخل العراق.. والامريكيون ليسوا متأكدين اين تخبأ الاسلحة.. ولا يعلمون حجم ما تبقى منها, او ان كان قد تبقى منها شيء من اصله, ولكنهم يضربون في مواقع معينة اخذا بالاحتمال (الاحوط) في سبيل اي يهبط المقام العسكري للعراق مرة اخرى.. ثم بعد ذلك يلزمون العراق على مائدة التفاوض ــ باستئناف وجود التفتيش بشكل او بآخر, قد يكون بالصيغة السابقة او بصيغة اخرى, قد تكون بقيادة نفس المسؤولين او غيرهم. وعن الاختيارات المطروحة امام العراق يقول محمد سيد احمد انه ليس امام العراق سوى المواجهة, والبديل ان تتخلى عن فكرة الاستمرار في محاولة الحصول على الاسلحة احتمال غير منظور, وغير متصور ايضا, لان دولا اخرى في المنطقة تخوض سباق تسلح, والنظام الدولي لم يصبح بعد نظاما مريحا, يشعر دول الجنوب بأنها تحصل على حقوقها وبالتالي لن ترضخ العراق للاجبار الامريكي, والعراقيون مؤمنون بذلك, والامريكيون ايضا يعلمون ذلك الاصرار العراقي. وعن احتمال لجوء العراق للعنف والعمليات المحدودة ضد المصالح الامريكية يرى محمد سيد احمد ان كل الاحتمالات مفتوحة وما يحدث (عركة ساخنة) جدا.. ولا تتعلق فقط بالشرق الاوسط, وانما يمكن ان يوضع لها اكثر من عنوان, منهم (تطور عملية التسوية والسلام مع اسرائيل, وانضمام السلطة الفلسطينية الى اللعبة الامريكية) .. وعنوان آخر (سباق التسلح النووي المستمر في منطقة الشرق الاوسط) وعنوان ثالث (البترول وقيمته المنخفضة والاوضاع المترتبة عليه) وعنوان رابع (المنطقة كلها في حالة سيولة وهشاشة) .. والظرف الحالي قد يفلت من سيطرة الجميع, وهي حافلة بالمخاطرات من قبل كل الاطراف. وعن امكانية تطور مواقف الدول الكبرى يسجل محمد سيد احمد ان انقسام الدول الكبرى يدل على هشاشة النظام الدولي, فلأول مرة تقاوم دول كبرى (على المفتوح) فكرة النظام احادى القطبية, روسيا لاول مرة تأخذ اجراء معينا ملحوظا, وفرنسا مترددة بين الاثنين, تدين العراق وفي الوقت نفسه لاتنضم الى بريطانيا وامريكا, والصين ايضا تتخذ موقفا وتقول: (من حقى ان يكون لي كلمة) .. وهناك دول اخرى مثل كندا وألمانيا واليابان, من الدول السبع الكبرى, تقف مع امريكا.. أما ايطاليا وفرنسا فتقفان ضد الضربة الامريكية.. وروسيا لاول مرة تمتنع عن توقيع اتفاقيات (سولت 2) من اجل نزع السلاح.. ووزن روسيا ينطلق فقط من امتلاك اسلحة نووية ــ فاقتصادها ضعيف ومشاكلها كثيرة ومرهقة لحكوماتها, وهذا جانب يوضع دائما في الحسبان. اما د.رفعت سيد احمد مدير مركز يافا للدراسات والابحاث فيرجح ان ينتهج العراق سياسة الاذعان ثم التراجع عنها مرة اخرى وهكذا لاسباب اولها انه لايوجد ظهير عربي او اسلامي قوي يساعد العراق كنظام في تقوية مواقفه المضادة لامريكا وثانيها ان طبيعة وتركيبة النظام العراقي (كنظام مسيطر) لايقبل بالمغامرات الانتحارية اي لايستطيع ان يقدم مرة اخرى بغزو الكويت او للاردن او ان يضرب اسرائيل مرة اخرى الطبيعة الاستبدادية للنظام تجعله احرص على بقاء النظام من كسر هذه الحلقة الجهنمية التي تحيط بشعبه المسكين. اما التغير في الموقف الدولي وخاصة موقف روسيا فيعتبره رفعت سيد احمد موقف النفس الاخير لانها منهكة ومستغرقة في مشاكلها الداخلية والاقتصادية والتي تحتاج لحلها الولايات المتحدة الأمريكية وهي أكثر أهمية للاستراتيجية الروسية من العراق والموقف الروسي يرتبط ببعض المصالح الاقتصادية الروسية في العراق وكذلك الصين وفرنسا وهو موقف وقتي بالنظر لهذه المصالح المحدودة وليس استراتيجيا. ومن الصعب ان يصل مدى الموقف الروسي الى الغاء العقوبات المفروضة على العراق من جانب واحد فتركيبة الواقع الروسي حاليا والاضطراب والازمات المتفاقمة في السياسة الروسية تمنعها من المواجهات العسكرية طويلة المدى مع الولايات المتحدة وما تعلنه روسيا من مواقف حالية يدخل من باب التفكير بالاماني اكثر منه التفكير في الواقع للاسف الشديد ويستبعد رفعت سيد احمد امكانية قيام العراق بعمليات مخابراتية انتحارية ضد المصالح الامريكية في المنطقة او العالم لانه لايمتك الامكانية وليس لديه الاستعداد للمغامرة بنتائج مثل هذه العمليات حيث لم تعد لديه خطوط امداد لبعض الجماعات والتيارات التي كان يستطيع تحريكها في السبعينات او الثمانينات مثلا. وعن العلاقة بين ضرب العراق وما تم التوصل اليه اخيرا من عملية التسوية خلال زيارة كلينتون لغزة يقول رفعت سيد احمد ان الربط بين المسألتين ليس في حاجة الى عبقرية. مسألة الاذلال الامريكي للعرب وللمسلمين ونهب البترول العربي من ناحية ومسار مايسمى بتسوية الصراع الصهيوني, وفق النظرة الصهيونية الامريكية على ارض فلسطين العلاقة قائمة منذ فترة ومتراكمة وكان لها محطات بارزة وقوية. وعن اثر الوضوح الشديد في العلاقة بين التسوية وضرب العراق على ترويج بعض الانظمة العربية للتسوية واحتمال تراجع تلك الدول عن فكرة (السلام كاختيار استراتيجي) أو (التسوية ايا ماكانت) يعتقد رفعت سيد احمد ان الحكومات العربية لاتستطيع التراجع عن ذلك لانها ارتبطت مثل العنكبوت بشبكة مع الولايات المتحدة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا ايضا فلا تستطيع ان تعادي امريكا او ان توقف مسيرة التسوية وعلى المستوى الشعبي يختلف الامر فمشاعر الشعوب العربية حية ونابضة وكراهيتها لامريكا تتصاعد رغم قمع الشعوب ولكن الاثر سيكون على المدى البعيد. وفي تقرير فريد زهران مدير مركز المحروسة للدراسات السياسية ان الازمة الحالية لو انتهت بعدم سقوط (صدام حسين) كنظام ستعود الامور الى ما كانت عليه, ستعود لعبة القط والفأر مثلما تمت من قبل عدة مرات, الى ان يقضي الله امرا كان مفعولا, كما يقولون بمعنى انه كلما تعثرت عملية (التسوية العربية الاسرائيلية) وكلما لاحت امام النظام العراقي احتمالات قوية بأن الادارة الامريكية غير قادرة على اتخاذ فعل عسكري ضده وكلما لاحت امام امريكا ازمة داخلية تستدعي ايجاد خطر خارجي تنقذ مواجهته (ماء وجه الرئيس الامريكي) كلما توفر هذان الشرطان او احدهما تندلع الازمة وتنتهي كما انتهت من قبل بعدم حدوث تغيير كيفي يستمر النظام العراقي في السلطة وتستمر القوات الامريكية في المنطقة تستر لجان التفتيش وهذا السيناريو قابل للاستمرار الى ان يسقط النظام العراقي في لحظة ما, لانه من غير المتوقع ان يتغير موقف الادارة الامريكية تغيرا جذريا, والمسألة ليست مرتبطة بشخص كلينتون فقد حدث نفس هذا السيناريو في غير وجوده. وبسؤال فريد زهران ان كان هناك متغير جديد في الازمة الحالية يتمثل في علم النظام العراقي بالضربة وتصوره انه يستطيع احتواء آثارها قال ان النظام العراقي يعتبر ان اي ضربة عسكرية لاتسقطه هي انتصار له وهذا ما يعلنه فعلا اثناء الازمة فقد اعلن انه انتصر في غزوه للكويت وتحمله الهجمات الصاروخية وغيرها في حرب الخليج وما تلتها من ضربات لمجرد انه استمر على رأس السلطة اي ان معياره في الانتصار هو البقاء في السلطة رغم الضربات المتلاحقة وماعداها ليس خطرا ماحقا كاملا. ومن الواضح ان امريكا لاتهدف الى اسقاط النظام فهي ترفض التنسيق الجاد مع المعارضة الحقيقية في العراق, ممثلة في المجلس الاعلى للثورة الاسلامية لانه موال لايران وفقا لحسابات امريكا وترفض التنسيق الجاد مع الاكراد, لانهم قوة مستقلة, ولديهم طموح اقليمي في تأسيس دولة, وترفض التنسيق مع القوى الداخلية مثل الحزب الشيوعي العراقي او غيره, باعتبارها غير موالية للولايات المتحدة الامريكية والقوى المعارضة التي تحاول خلقها هي تعلم جيدا انها قوى شكلية وغير قادرة على احداث تغيير جذري داخل العراق. اي ان امريكا لاتسعى لاستبدال النظام العراقي لانها لاتجد بديلا على هواها والاكراد في الشمال والشيعة في الجنوب يدركون ذلك تماما فلايتحركون بالتوازي مع الهجمات الامريكية وتحركهم هوالسيناريو الوحيد الكفيل بإنهاء النظام العراقي الحالي, وامريكا من اليوم لا تعطيهم ضوءا اخضر ولاتقدم لهم دعما حقيقيا. وعن النتائج المحتملة للازمة في ظل بقاء النظام العراقي يتوقع فريد زهران الوصول الى حل وسط يحفظ ماء وجه الطرفين وخاصة ماء وجه الولايات المتحدة الامريكية باعتبارها الطرف الاقوى وهذا لاينفي انه نتيجة خطأ الموقف الامريكي وغياب مساندة دولية له هذه المرة سيعطي الحل الوسط المحتمل للعراق اكثر مما كان يأخذه ولكن ليس كل ماتطلبه العراق من رفع للعقوبات والمراجعة الشاملة لعمل فرق التفتيش, على سبيل المثال وصلت العراق من قبل الى صيغة النفط مقابل الغذاء عبر ضغوط دبلوماسية عراقية ودولية على امريكا التي لم توافق عليه بمحض ارادتها الحرة المستقلة, ما تأخذه العراق هذه المرة ربما يتجاوز ما حصلت عليه من قبل في مساومات مابعد الازمة ولكنه لن يصل الى حد ان تصبح العراق بلدا طبيعيا كامل السيادة بل ستظل منقوصة السيادة لفترة طويلة, حتى لو احرز بعض المكاسب نتيجة لتغير خريطة المساندة الدولية له بالذات موقف روسيا والصين وفرنسا والموقف العربي ايضا. ويختلف تقدير فريد زهران للموقف العربي عما يراه الكثير من تخاذل فيه ويؤكد انه لاينبغي ان ننسى مشاركة كثير من الدول العربية بقوات مع امريكا في حرب الخليج الثانية اليوم ترفض الدول العربية بدرجات متفاوته وبغض النظر عن الصياغات ان كانت هلامية او غير حاسمة الفعل العسكري ولاتشارك فيه وترفض استخدام أراضيها أو مطاراتها لضرب العراق, وتسمح بدرجة من درجات التحرك في الشارع السياسي ضد العدوان الأمريكي على العرق. سواء في شكل مظاهرات أو مقالات وتغطيات صحفية وإعلامية نارية ضد أمريكا, وان كان هذا أقل مما نطمح إليه, إلى ان امكانيات الحكومات العربية أضعف من ان تقف ضد أمريكا بشكل أكثر حسما. ولعله أقصى ما تستطيع ان تتخذ وفق ضعفها الموضوعي أي ان الضربة الأمريكية تفتقد هذه المرة إلى أي مساندة عربية أو اقليمية أو دولية, وبالتالي هو موقف شديد الرعونة والغباء. وبالنسبة للموقف الدولي والتغير الذي يمكن ان يطرأ عليه بسبب العدوان الأخير لأمريكا على العراق يرى فريد زهران ان تدشين ما يسمى (النظام العالمي الجديد) جاء في الاتفاق الدولي على ضرب العراق في 1991, ونحن الآن نشهد تصدعا في بنيان هذا النظام خلال العدوان الأمريكي في ديسمبر 1998, ولعلنا ندرك عدم صحة ما أشيع حول أننا نعيش عصرا بلا صراعات دولية تستحق الأخذ بعين الاعتبار فمازالت الصراعات الدولية تحتل وزنا كبيرا من الممكن المراهنة عليه, والحساب, وفقا له.. وعلينا ان نضع في الاعتبار رفض مجلس الدوما الروسي التوقيع على معاهدة (سولت 2) وهو تطور خطير, ومعناه ان الروس قادرون على التصعيد رغم كل ظروفهم الاقتصادية والسياسية السيئة, وهو قرار أكثر خطورة حتى من رفع العقوبات على العراق بشكل منفرد من قبل روسيا أو الصين إذا ما حدث ذلك .. وهو أمر وارد في المدى المنظور, وربما انه من المتوقع ان تكون العراق تحصل على دعم روسي سرا, وكذلك السماح لبعض الشركات الفرنسية (سرا) بالعمل في العراق.. هذه أمور محتملة بدرجة كبيرة, وتقديم مثل هذا الدعم علنا احتمال كبير في المدى القريب, وقد يشجع الدول العربية أو بعضها على تعديل مواقفها. وعن الجديد المحتمل في رد الفعل الشعبي والرسمي فيما يتعلق بعلاقة العرب بأمريكا, يرى فريد زهران ان السياسة الأمريكية الخرقاء في المنطقة تحصد كل يوم مزيدا من الكراهية, ويكفي ان تتخذ ادارة أكبر دولة في العالم موقفا يترتب عليه ان تغلق 40 سفارة لها. من يأخذ هذين القرارين لم يتأمل إلى اي مدى (هو أخرق) ! قرار بضرب العراق. وقرار بإغلاق 40 سفارة, أي انه يعلم جيدا ان القرار الأول يترتب عليه كل هذا القدر من العزلة والكراهية! (أي عقل سياسي مختل يصوغ هذين القرارين معا! أمريكا في حقيقة الأمر تبذل قصارى جهدها لتعميق مشاعر الكراهية ضدها في المنطقة.. وعلى المدى البعيد سيكون لهذه الكراهية تأثيرات سياسية رسمية وليس فقط شعبية وليس من المستبعد ان تحدث تغيرات في المنطقة العربية تجاه وصول قوى سياسية مناهضة للولايات المتحدة الأمريكية إلى سدة الحكم, أو على الأقل تصبح ذات وزن في اتخاذ القرار, ولا ينبغي ألا ننسى ان الشعب المصري استقبل نيكسون في بداية السبعينات بالترحاب, ورغم اختلافنا مع ذلك , ولكن لابد ان نسجله لأن الشعب وعد بالرفاهية والخير في العلاقة الخاصة بأمريكا, وبعد حوالي عشرين عاما الكراهية عامة وشاملة, والغضب المكتوم ضد السياسة الأمريكية ساخن, وليس في مصر فقط, بل في كل الدول العربية, وذلك في الوقت الذي غاب عن الساحة السياسية بالتهميش أو القمع وغيره من الأساليب المحرضون ضد أمريكا من اليسار سواء شيوعيين أو ناصريين.. يعقد عقدين من الزمان تسجل أمريكا فشلا ذريعا في ادارة سياسة رشيدة تجاه المصريين والعرب, ومربط الفرس في الموضوع موقف الولايات المتحدة الأمريكية من الصراع العربي الاسرائيلي, ولو ان كلينتون خلال زيارته لغزة واسرائيل نجح في الضغط على نتانياهو وأوقف بناء المستوطنات وأفرج عن المعتقلين, كان من الممكن ان تكون المشاعر تجاه العدوان على العراق مختلفة, وكان من الممكن أيضا ان يقبل صدام حسين بالشروط المتعسفة للجان التفتيش الدولية, لأنه سيعرف ان الشارع العربي لن يقف معه عندما يصعد مع باتلر. ويرصد صلاح عيسى الكاتب الصحفي انه إذا كانت العراق تعلن أنها لن تقبل الوضع السابق قبل الضربة, ولن تتعاون مع لجنة التفتيش (يونسكوم) بتشكيلها الحالي, إلا ان الأمر يتوقف على مدى قدرة العراق على احتمال الضربات والآثار الناجمة عنها, ومرهون أيضا بمواقف الدول العربية والدول الكبرى والتحرك الشعبي العربي, وتطور الموقف في مجلس الأمن, وتحول الدول المتحفظة إلى صياغة موقف مختلف ضاغط على أمريكا وبريطانيا. واستبعد صلاح عيسى امكانية قيام العراق بعمليات محدودة ضد المصالح الأمريكية لأن السياسة العراقية تتصف بشكل عام من منطلق كسب أنصار في العالم, وفي تقديره ان مشكلة العراق بالأساس مشكلة عربية ـ عربية وليست مشكلة دولية, في منشآها وتطورها, حتى اللحظة الحالية, الذريعة التي يقوم على أساسها العدوان الأخير وسابقاته ان العراق مازال يهدد جيرانه, ولن تحل الأزمة العراقية إلا بحل عربي, بمعنى ان تصل الدول العربية إلى توافق يؤمن الدول المجاورة للعراق, ويطمئنها, وتبذل العراق جهدا في هذا الاتجاه, حيث ان الخطأ الكبير في السياسة العراقية طوال ادارتها للأزمة هو انها في كل تصعيد مع أمريكا وبريطانيا لا تحاول ان تحصل على دعم من جيرانها, أو تعطيهم طمأنة قوية وكافية أو تكشف عدم صحة الاتهامات الموجهة للعراق, وأنها قادرة على تهديد أمن جيرانها, أمر لا أساس له من الصحة. وعن امكانية تطوير موقف بعض الدول الكبرى مثل روسيا لا يعتقد صلاح عيسى ان قرار روسيا بانهاء العقوبات على العراق حتى لو صدر فعليا هو قرار غير ممكن التطبيق, والسياسة الروسية تحديدا ليس لديها امكانية لممارسة الضغوط السياسية القوية, هي فقط تقدم تضامنا كلاميا أو تظاهرات سياسية محدودة, وليس في استطاعتها اتخاذ موقف أشد تأثيرا لأسباب معروفة, منها انها تعيش على حساب الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا.وتوقع ان تقوم روسيا أو غيرها بمواقف أكثر مساندة للعراق ــ حسب رأي صلاح عيسى ـ فيه درجة من المبالغة في امكانيات الحشد لديها, خاصة وان العرب أنفسهم غير قادرين على عمل حشد رسمي لمساندة العراق. وعن الأثر المباشر على العلاقة مع أمريكا رسميا وشعبيا يعتقد صلاح عيسى ان السياسة الأمريكية التي تتحرش بالعراق دائما تخسر على الصعيد الشعبي, ومن الناحية الرسمية هناك ظروف ضاغطة على الحكومات العربية متعلقة باعتمادها اقتصاديا وأحيانا أمنيا على الولايات المتحدة الأمريكية.. ولا يوجد مبرر للاحساس بالمهانة عند المواطن العربي ــ كما يعتقد عيسى ــ فهذه ليست المرة الاولى التي نتعرض فيها لعدوان بهذا الشكل, وانما هناك مبرر للاحساس بخطورة (التفتت القومي) .. وبدلاً من ان نشعر بالمهانة علينا ان نشعر بخطورة التفكك العربي, وتحويل الصراعات مع الاعداء الخارجيين الى صراعات عربية ــ عربية, وان نملك صفاء الذهن الذي يمكننا من ادراك انه ما لم يكن بيننا شكل من اشكال التوحد فسنضيع في هذا العالم. ويلاحظ حسين احمد امين السفير الاسبق ان امريكا نسفت بضربتها الاخيرة فكرة (عودة لجان التفتيش مرة اخرى) ولم يعد مطروحا عودتها بنفس الشكل السابق, وكذلك من المستبعد الاطاحة بصدام حسين, فلم يكن هذا هدفاً محدداً واضحاً لكلينتون او توني بلير, كلاهما أبدى تأكيدات مختلفة عن الاطاحة بصدام ليست هدفا, وانما الهدف هو تخفيض امكانيات العراق في تهديد جيرانها.. ومن مصلحة امريكا ان يبقى صدام لاخافة الآخرين واللجوء اليها للحماية منه, مع (تكسيح) العراق والقضاء على قدراته العسكرية كلية.. وعن احتمال تغير المواقف العربية يرجح تعديل بعض المواقف خاصة بعد فشل سياسة كلينتون في الشرق الاوسط فشلا ذريعاً, خلال زيارته لغزة واسرائيل, والذي اظهر بوضوح أن امريكا لن تمارس ضغطا على اسرائيل, حتى بعد كل التنازلات المهينة للمجلس الوطني الفلسطيني وعرفات, واصبح الرأي العام العربي ــ بعد ان طفح الكيل ــ مهيأ ان يقف من الولايات المتحدة موقفاً عدائياً صريحاً, حتى ولو كانت بعض حكومات دول المنطقة لا تجرؤ على اتخاذ مثل هذا الموقف منها. وفيما يتعلق بتطور مواقف دول كبرى كروسيا او الصين يرى (أمين) ان الوضع الحالي يذكر بما حدث في أزمة 1956 مع الفارق, وان مصير العدوان الامريكي على العراق في ديسمبر 1998 سيكون كمصير العدوان الثلاثي ــ البريطاني ــ الفرنسي ــ الاسرائيلي على مصر ,1956 مع فارق ان الضغط المباشر والسريع جاء وقتها من امريكا بقيادة ايزنهاور على بريطانيا واليوم امريكا هي التي تقوم بالهجوم, في الوقت الذي يحكمها الصهاينة. وفي عدوان اليوم سيتطور الامر الى فوضى وارتباك في العلاقات الدولية, والموقف الروسي والصيني مؤشر جيد على احتمالات التغير في المستقبل القريب والواضح الآن للجميع ان امريكا تتصرف بمفردها كدولة تحكم العالم كله وتنفذ سياستها رغم انف الجميع, وما فعلته امريكا من اتخاذ قرار الضرب, دون ان تنتظر نصف ساعة حتى ينهي مجلس الامن مناقشة الموضوع هو لطمة امريكية لمجلس الامن والمجتمع الدولي وللجميع, وهي تلخص في واقع الامر (الارادة الاسرائيلية) .. وادراك كثير من الدول وعلى رأسها الصين وروسيا لهذه الحقيقة, سيؤدي الى ان يتصدوا لامريكا, رغم المعونات الامريكية لروسيا الى آخره. من الممكن ان تعتبر دول كبرى على ان هذا الوضع لا ينبغي ان يستمر, وان الوقت حان لمواجهة الولايات المتحدة قبل ان يستفحل الامر, وان يضعوا حدا لممارستها للهيمنة على مقدرات العالم.. وعن الجديد الذي يمكن ان يطرأ على العلاقة مع امريكا رسمياً وشعبياً من خلال عدوانها على العراق, يرى حسين احمد امين ان الأسف الشعبي المصري لما يحدث لشعب العراق يزداد قوة, وهذه مرة ستقوله حركة شعبية مصرية لمساندة العراق بشكل ايجابي, على خلاف المرات السلبية السابقة, خاصة بعد فشل مسيرة السلام.. وعلى المستوى الرسمي, فالامر مؤسف ومتوقع, ما زال الاعتماد على الولايات المتحدة الامريكية اقتصادياً والخوف من ان تنقلب علينا وتخفض المعونة او تشجع عملية ارهابية كبرى ـ مثلما فعلت من قبل في الاقصر ــ حاكما لرد الفعل الرسمي.. وعن السؤال هل يستمر العراق في الاستجابة لقرارات الامم المتحدة والتعامل مع لجان التفتيش يرى حسين عبدالرازق الامين المساعد لحزب التجمع ورئيس تحرير مجلة اليسار المصري ان عدم استجابة العراق لقرارات الامم المتحدة, واتخاذه موقفاً مختلفاً عما قبل الضربة الامريكية الاخيرة يتطلب موقفاً عربياً مختلفاً, ولكن في ظل غياب هذا الموقف سيواصل العراق تعاونه مع الامم المتحدة ولكن في اطار جديد, ويتمنى حسين عبدالرازق ان تتمكن الدبلوماسية العراقية بمساندة دولية ــ وهذا هو الارجح ــ وليس مساندة عربية, من الوصول الى صيغة يعاد فيها تقييم السنوات الماضية او ما يسمى بالمراجعة الشاملة لكل ما تم, وان تصر العراق على ذلك, وعلى ضوئها تستقر علاقة جديدة, ذات شكل مختلف, وقلب الصورة تماما يتطلب مساندة عربية قوية, ولكنها للأسف غير موجودة, وليست محتملة في المدى القريب. وعن احتمال لجوء العراق الى العنف من خلال عمليات انتحارية ضد المصالح الامريكية في المنطقة والعالم يرى حسين عبدالرازق انه غير مفيد, بالاضافة الى انه ليس في قدرة العراق حالياً, والذي جرب في مرحلة سابقة القيام بعمليات هنا او هناك وارسال افراد يقومون بتفجيرات في بعض الاماكن, والآن ليس في قدرته ذلك, وليس من المفيد القيام به. وعن امكانية ان يطرأ جديد على مواقف بعض الدول الكبرى مثل روسيا والصين تجاه الازمة العراقية مثل انهاء العقوبات على العراق من طرف واحد, او من قبل دولتين كبيرتين مثل روسيا والصين, لا يرجح حسين عبدالرازق هذا الاحتمال لعدم ثقته في السياسة الروسية, ولكن لو اقدمت دولة كبرى او عدد منها على مثل هذه الاجراءات سيتغير الوضع, وتصبح بعض الحكومات العربية في حرج غير عادي, ويدفعها لموقف مساند للعراق معناه عدم الالتزام بالحصار وكسره, ومحاولة استعادة العراق للنظام الاقليمي العربي, وتعقد قمة عربية, وسلسلة ممارسات من هذا النوع,.. لو اقدمت دولة من الدول دائمة العضوية في مجلس الامن والحائزة على حق الفيتو, سيتغير منحى الازمة العراقية بالقطع ويتغير الوضع الدولي والاقليمي كله.. وعما يمكن ان يستجد رسميا وشعبياً على العلاقة العربية الامريكية لا يبدي حسين عبدالرازق تفاؤلاً, لأن (موقف الحكومات العربية مخز) ومن اكثر من تجربة سابقة, ليس لديها قدرة على التفكير في شكل مختلف للعلاقة مع الولايات المتحدة الامريكية, وبالنسبة للحركة الشعبية, فإنها ــ للأسف ــ ما زالت اضعف من ان تأخذ موقفا أكثر من التعبير عن الغضب والسخط, لانها محاصرة بالحكومات ومقيدة في كل بلد بصورة او بأخرى, والحدث الاخير في العراق يصب في اتجاه اكساب الجماهير وعياً أكثر بأن الحكومات لا تعبر عن المواطن في القضايا الداخلية والخارجية, ونتيجة الحدث ستكون اكثر في المدى البعيد.. القاهرة: مكتب (البيان) تحقيق: أيمن شرف

طباعة Email
تعليقات

تعليقات