خلال أقل من نصف عام, حركت الولايات المتحدة آلتها العسكرية في أعالي البحار لثلاث مرات. قصفت مواقع في أفغانستان والسودان في صيف 1998 , وأنهت خريف العام نفسه بفتح النيران عشوائياً ضد العراق. وهي في المرات الثلاث, انطلقت في سلوكها منفردة بمعزل عن ارادة الشرعية الدولية التي تمثلها الأمم المتحدة, وكانت موضع توبيخ وادانة عالمية اجماعية, باستثناء الموقف البريطاني التابع لواشنطن في كل الأحوال. الاختراق الامريكي للمواثيق الدولية ليس جديداً بصفة عامة, فقد أدارت واشنطن انشطة ووجهت ضربات تحت الحزام على الصعيد الدولي, طوال العقود الماضية من عمر الأمم المتحدة. غير ان تلك الممارسات كانت تجري في جلها بشكل شبه خفي او سري واما عبر وكلاء. وفي النماذج التي شهدت استخداماً امريكياً مفضوحاً للقوة, كحرب فيتنام, كان لدى الدبلوماسية الامريكية ما تتدارى خلفه من عملاء محليين على ساحة الصراع. وكان هناك ند دولي, يمكن اللوذ بمساعداته العسكرية والسياسية (الاتحاد السوفييتي) من الاطراف المقصودة بالعدوان الامريكي, بما يسوق واشنطن الى الأمم المتحدة على مضض. في الوقت الراهن, ولبضع سنوات خلت, يتجلى الوجه الحقيقي للسياسة الامريكية. الوجه الذي ينذر بدخول المجتمع الدولي عهداً تحكمه الفوضى ولغة القوة العارية. نود القول, ان العدوانية هي الخصيصة الأساسية لهذه السياسة منذ ما قبل انتهاء عهد الحرب الباردة. غير ان مساق العلاقات الدولية في ذلك العهد شكل مجموعة من الروادع ضدها. ولذلك فانه من الواضح تماماً كيف يتكشف البعد العدواني في السلوك الامريكي, كلما تأكد اختفاء تلك الروادع بمرور الوقت. والواقع, ان الولايات المتحدة, بحلمها الاجتماعي الاقتصادي السياسي, صدّرت الى العالم خلف المحيطين الاطلسي والهادي, خدمة عظيمة القدر من المبادئ والقواعد الأخلاقية.. ولكنها افرزت قدراً أعظم من الاستهتار العملي بهذه المبادئ. لقد كان الامريكيون افضل من نظّر للديمقراطية وحقوق الانسان والشعوب. وكانوا بسياستهم الواقعية اكثر من اهدر هذه الفضائل وكافأ عكسها من الرذائل. وهذه في الحقيقة هي مشكلة الولايات المتحدة على الضفتين الداخلية (حيث يكذب ويأفك الرئيس نفسه..) والخارجية (حيث لا صوت يعلو فوق صوت دبلوماسية الصواريخ). على أنه يحضرنا في هذا المقام مثل أكثر دلالة على مستقبل هذه الازدواجية الامريكية المرضية. ففي العشرينات, قامت عصبة الأمم على أكتاف افكار الرئيس الامريكي ويلس ومبادئه, كان اهم هذه الافكار, التزام جميع الدول الاعضاء, صغيرها وكبيرها, بطرح منازعاتها على العصبة قبل ان تلجأ الى استخدام القوة. وتم تحديد فترة زمنية تعهدت فيها الدول المتنازعة بالحفاظ على صون السلام, حتى لو كان حكم العصبة في النزاع المعروض غير مقبول لديها. كذلك ساهمت افكار ويلسن في الاتجاه الى تخفيض التسلح بمقتضى نظام يتفق عليه داخل العصبة, ووفاء جميع الدول على قدم المساواة بأحكام العصبة وتدابيرها ولاسيما تأخير اعلان الحرب بغض النظر عن حجم الضرر الواقع, لافساح المجال لجهود التسوية السلمية. بصفة عامة, كان للعصبة على أخطائها امال عريضة, غذاها ما سمي بالحلم الأمريكي الذي أطرته مبادئ الرئيس ويلسن, لكن الذي أودى بالعصبة وأحبطها, وصولاً الى انهيارها, عزوف الولايات المتحدة نفسها عن العضوية فيها او المشاركة في رعاية مبادئها. فالسياسة الأمريكية الحقيقية, نفضت يدها ــ وفقاً لتعبير مؤرخ اوروبي ــ من عمل رئيسها وأحلامه وأبت الانضمام للعصبة. ثم كان خروج ايطاليا ثم ألمانيا على أحكام العصبة, طلقة الرحمة في مصير العصبة, وذهبت العصبة ضحية السياسة الانفرادية المعتمدة على لغة القوة للعهدين الفاشي والنازي. ونحسب من قراءة المؤشرات المتواترة منذ أفول الحرب الباردة, أن الولايات المتحدة, راحت بدورها تنفض يدها من مواثيق الأمم المتحدة ومبادئها. والشيء المذهل حقاً, ان هذه المنظمة الأممية, باتت في غضون السنوات العشر الأخيرة, أقرب ما تكون الى مؤسسة ذرائعية تبرر السلوك الأمريكي تجاه معظم القضايا الدولية. الأمم المتحدة بكلمات اخرى, لا تشكل عقبة امام السياسة الأمريكية بل وينظر اليها من قبل البعض ـ وهم محقون ــ كممر لهذه السياسة, بعد زوال الروادع التي أظهرتها حقبة الحرب الباردة. ولكن لا يبدو ان واشنطن تقنع بالهامش الواسع الذي توفره لها متغيرات التسعينات داخل هذه المنظمة. فهي تتبرم من اي صوت مغاير يحاول التذكير بالمبادئ الأساسية التي يفترض أن الأمم المتحدة قامت لتسهر عليها. وطبقاً للسوابق, علينا أن نأخذ جدياً ذلك الرأي الذي يحيل السلوك الأمريكي الممتعض من الأمم المتحدة, والرغبة الجامحة في العمل بمنأى عنها, الى إضمار واشنطن العداء العملي للمبادئ التي تهتدي بها المنظمة الدولية. ويسهل تفهم هذا الرأي بالنسبة للذين يعلمون كيف ان واشنطن دأبت على تصنيف من ليس معها على أنه ضدها, ألم تعادي واشنطن حركة عدم الانحياز من هذا المنطلق؟. ما هو أبعد من هذا تصوراً, ذلك الرأي الذي يذهب الى وجود رغبة امريكية في إزاحة المنظمة الدولية ومبادئها عن مسار العلاقات الدولية, طالما أن هذه المنظمة تشكل عائقاً ولد محدوداً أمام الغلو الأمريكي في الهيمنة العالمية. هذا أو ما الذي يعنيه المبادأة بمعاقبة العراق وفق تقرير يفترض ان الذي أعده موظف دولي لدى الأمم المتحدة, يرفع تقاريره إليها لا الى واشنطن؟. الولايات المتحدة, بفعلتها المشينة هذه, استحلت لنفسها دور الأمم المتحدة واختطفت هذا الدور. ولعل هذه العملية الهمجية, التي تكررت في فترة زمنية وجيزة, تمثل انذاراً جدياً للذين مازالوا يغارون على دور المنظمة الدولية ومبادئها. ان واشنطن تدعوا بسلوكها الآخرين الى الخروج على المنظمة والمروق من أحكامها. وليس بعد تنفيذ مثل هذه الدعوة سوى الفوضى الدولية. علينا أن نتذكر, كيف افسح غياب عصبة الأمم الطريق الى الحرب العالمية الثانية, واذا كانت واشنطن قد قنعت بدبلوماسية الصواريخ, معتمدة على فتوتها الذاتية, فان هناك الكثيرين ممن يحتاجون الى الأمم المتحدة وأفقها الدولي الواسع, والى هؤلاء الأخيرين يتعين توجيه النداء الأول, حتى الان, للاستنفار ضد السلوك الامريكي, سلوك الذين يقولون ما لا يفعلون, بهدف استعادة المنظمة الدولية لدورها المختطف. كاتب وباحث فلسطيني ــ القاهرة