منذ وقت ليس بالقليل, بدأت روسيا تعيش حالة من الحراك السياسي الهادىء على المستوى الداخلي, المستند الى تراث اجتماعي وايديولوجي , بالتفكير الجاد في تشكيل محور اقليمي لسد الثغرات الاقتصادية والاجتماعية والامنية التي تشكلت في ظل التراجع والانكفاء الذي تعيشه روسيا اثر انتهاء ما كان يسمى بالحرب الباردة, للخروج من حالة القوقعة والتراجع السلبي في شتى الميادين على المستويين الدولي والاقليمي. ولعل الموقف الروسي الاخير من العدوان الامريكي - البريطاني على العراق لم يكن مجرد ردة فعل طارئة او أنية, فقد بدأ الروس يؤسسون بشكل عملي وجاد لصوغ علاقاتهم التي كانت قائمة مع معظم البلدان بما فيها البلدان العربية, كأحد اهم المجالات الحيوية بالنسبة لهم وبما يخدم مصالحهم. وبالتحديد بعد ان تأكد الروس من الرفض الاوروبي - الامريكي المطلق في دمجهم بالحظيرة الاوروبية او حتى قبولهم كجزء يدور في هذا الفلك على كل الاصعدة. ولم تقف الامور عند هذا الحد بل تجاوزتها الى اكثر من ذلك, في تجريد روسيا من بعدها العرقي والديني بتقويض الصرب في منطقة البلقان, والتي تعتبر هي الاخرى احد اهم مناطق النفوذ الحيوية بالنسبة لهم واحد اهم استطالاتهم الاوروبية بعد خسارة المانيا الشرقية وبولونيا (بولنده) . بل اكثر من ذلك بدأت الولايات المتحدة الامريكية بتجاوز المألوف الروسي, من خلال احيائها للتحالفات القديمة التي كانت قد اسستها ايام الحرب الباردة, واهمها التحالف التركي - الاسرائيلي الامريكي, الذي بدأ بالتمدد الى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق بما فيها الجمهوريات الاسلامية الآسيوية, وازدياد المحاولات الامريكية المكشوفة للاطباق على مناطق النفوذ الروسي سابقا, والتي ادرجت واشنطن غالبيتها في مجال المصالح الحيوية الامريكية بما فيها جمهوريات البلطيق ومنطقة القفقاس ومنطقة بحر قزوين وآسيا الوسطى. وقد لايخفى ان امريكا قد نجحت في اختراقها من خلال الاستثمارات المدعومة من البيت الابيض سياسيا وشكلت حضورا واضحا في حياة تلك الدول على المستويين السياسي والاقتصادي, افضت في نتائجها الى حالة من الانفكاك من طرف واحد مع روسيا وبناء جسور من التفاهم مع الولايات المتحدة, لتنتقل امريكا بعد ذلك الى التركيز على جنوب الاتحاد السوفييتي السابق. وهذا ما اكدته العديد من الدراسات والوثائق الصادرة عن ادارة كلينتون ووزارة خارجيته الى (تصادم مصالح موسكو وواشنطن الاقتصادية في اذربيجان) . وفي اعلان وزارة الخارجية الامريكية بأن: موقف البيت الابيض يستبعد عودة منطقة قزوين الغنية بالنفط للسيطرة الاقتصادية الروسية. المترافق مع الدعوات والصيغ والبرامج والاجراءات التي باتت تطلقها امريكا بـ (تحقيق الاستقرار في منطقة القفقاس) والتي تهدف بمجملها الى محاصرة النفوذ الروسي , ولعب دور الحكم في حل المشكلات بين شعوب القفقاس. والتي كان من ابرزها موافقة جورجيا على ان يقوم العسكريون الامريكيون بمهمة حراسة حدود جمهورية جورجيا في البحر الاسود بدلا من العسكريين الروس, مقابل تقديم نحو 1.5 مليون دولار الى تبليسي لشراء ما تحتاجه وزارة الدفاع الجورجية من اجهزة اتصال وادارة وتزويد الجيش الجورجي بطائرات النقل العمودية وتقديم التمويل اللازم لانتاج المقاتلات القاذفة الحديثة في المصانع الحربية الجورجية, وهو امر لايثير فقط (الانجاز) في ظل المواجهة المستمرة مع جورجيا, بل يثير روسيا لانه يهدد أمنها القومي برمته, وبالتحديد بعد ان تزامنت هذه الخطوة مع قبول اذربيجان تنفيذ المبادرة التي اقترحتها تركيا والهادفة الى تشكيل قوة السلام لمنطقة القفقاس. واعلان القيادة الاذرية استعدادها لاستضافة قواعد حلف الناتو العسكرية كخطوة هجومية ضد روسيا. ومقدمة للانتقال العسكري الامريكي الى شاطىء بحر قزوين الشرقي والغربي. هذه المخططات وغيرها اثارت حفيظة القوى الرئيسية المشكلة لمجلس الدوما الروسي وبالتحديد الشيوعية والقومية مما دفعها الى القيام بانقلاب ابيض داخل المؤسسة السياسية الروسية والاطاحة بالقوى الاصلاحية, واستحضار (يفجيني بريماكوف) لرئاسة الحكومة الذي يعتبر ممثل اليسار الوسط, بمساعدة الماريشالات التقليديين في الجيش الروسي, الذين مازالوا يؤمنون على ابقاء علاقات روسيا مع الخارج, وقد حافظوا على جزء منها رغم الانهيارات , وقد ظهرت هذه القضية من خلال تطوير الخيار النووي الهندي مغفلين من اجندتهم المنافع الاقتصادية الآنية. والبحث عن اصدقاء جدد , بعيدا عن تطابق شرط الايديولوجيا, وكانت ايران قد استفادت منذ وقت مبكر من قوى الضغط هذه في الاستفادة من التكنولوجيا الروسية بما فيها القدرة الذرية, بعيدا عن الضجيج الاعلامي وعدسات المصورين, وبرضى غالبية الدوائر الروسية, وليس كما يروج البعض, أن ليس من مصلحة روسيا ان تكون هناك دولة نووية على حدودها. لان روسيا بدأت تستشعر الخطر الحقيقي القادم من الولايات المتحدة على مستقبلها, وتطوير الصاروخ الايراني (شهاب - 2) احد اهم انجازات العلاقة الروسية الايرانية. حتى ان بعض الاوساط السياسية العربية وغير العربية التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع طهران سربت مضمون الرسالة الخطية التي ارسلها (بوريس يلتسين) الى الرئيس الايراني (محمد خاتمي) بانها تضمنت استعداد روسيا الكامل لتشغيل المفاعل النووي في محطة بوشهر الكهروذرية قبل المدة المحددة بكثير, وان روسيا تتعهد في مد هذا المفاعل بالتقنيات اللازمة بما فيها الخبراء الروس العاملين في مجال صنع السلاح الذري, وقطع الطريق على العروض الامريكية بتمديد خطوط النفط والغاز الروسية الى الخليج العربي عبر الاراضي الايرانية. بالمقابل السماح للروس بفتح الخط البري الذي يصلهم الى العراق, ومن ثم الى سوريا التي مازالت تعتبر نفسها حليفا قويا للاتجاه الروسي الحاكم الآن في روسيا. وعلى مايبدو ومن خلال بعض التقديرات التي سبقت عملية ثعلب الصحراء ضد العراق, ان الولايات المتحدة باتت مقتنعة ان القيادة الروسية الجديدة التي اقصت الاصلاحيين الشباب من مناصبهم الوزارية , والذين يجولون الغرب بالقاء محاضرات عن مخاطر خط السياسة الخارجية الروسية الحالية. تنتهج سياسة معادية لها, من خلال بعض المواقف تجاه ايران والعراق وكوسوفو وبيلاروسيا ونفط بحر قزوين. بما في ذلك نشاط الكنيسة الارثوذكسية الروسية, المدعومة سياسيا, بشكل ملحوظ في العالم والذي قد يكون في محصلته موجها ضد الكنيسة البروتستانتية المتحالفة مع يهود العالم وضد الكنيسة الكاثوليكية المتساوقة مع المشاريع الامريكية - الاوروبية. وليس مستغربا ظهور (البابا يوحنا بولس) بهذه اللحظة التاريخية كحمل وديع تجاه شعب العراق الذي لايزال يعاني من ويلات الحصار على مدار ثماني سنوات. وقد لا يكون مستبعدا ان هذه الخطوة هدفها قطع الطريق على الروس وعلى نشاطهم الكنسي, وللحقيقة ان الكنيسة لم تكن بعيدة يوما عما يخطط له الغرب على المستوى العالمي. ومما لاشك فيه ان توقيت الضربة العسكرية ضد العراق, كان احد اسبابه الرئيسية التنامي المطرد بين روسيا والعراق وخصوصا بعد زيارة نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز الى موسكو مؤخرا. والتوصل الى صيغ قد فاقت في مضمونها شكل التفاهم وهذا مابرز على خلفية المواقف الروسية الحادة اثناء الاعتداء الامريكي البريطاني على العراق والذي تجاوز المألوف الروسي في سحب سفيريها من لندن وواشنطن, والتهديدات التي ترافقت مع هذه الخطوة كانذار لاعادة التفكير بقوة الردع الاستراتيجي التي تمتلكها روسيا, وطمأنة العديد من حلفائها التي خسرتهم في الماضي الى عودة المواقف الروسية لسابق عهدها. وقد يكون موقف مجلس الدوما برفع الحصار من طرف واحد عن العراق بادرة حسن نية اضافية, اكدها نائب رئيس مكتب الكرملين للشؤون الخارجية (سيرجي بديخودكو) بان على امريكا ان تنسى التصديق على معاهدة (ستارت - 2) . ولعلي اجرؤ على القول ان روسيا سابقا كانت ترى ان الثمن اكبر من خلق ازمات مع الغرب, لكنها توصلت الى حقائق دامغة انها لن تكسب من الغرب الا مزيدا من الازمات الاقتصادية والانحسار السياسي على الصعيد العالمي, ولم يبق امامها الا العودة الى مجالها الحيوي والذي يعتبر الشرق الاوسط احد اهم مناطق نفوذها. وان مكسبها الحقيقي يكمن في اعادة احياء تحالفاتها على المستوى الكوني الذي قد يجلب لها الكثير من الارباح, وليس الا ستكانة الى شروط صندوق النقد الدولي الذي لم يجلب سوى المزيد من الازمات الداخلية وكفئها عن دورها التاريخي. وان روسيا لم تعتد يوما عبر تاريخها الا ان تكون امبراطورية مترامية الاطراف بعيدا عن اشكال ومسميات نظمها المتعاقبة. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق*